Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Thursday, 28 December, 2006

       
       

الخديعـة (3)

ـ رواية ـ

صلاح الحداد

الفصل الثالث

ديوان القلعة : بيعة ولي العهد ، 10 يونيو ، 1801

بعد مراسم تعيين ابنه البكر محمد وليا للعهد ، التي انتهت بتسليمه شارات البيكوية وقيادة الجيش ، وبإطلاق المدفعية إحدى عشرة طلقة على شرفه ، وسط حضور مشهود من أعيان طرابلس وشيوخ القبائل وقناصل الدول الأجنبية ، الذين عبّر جميعهم عن سعادتهم الغامرة وتمنياتهم الودية للأسرة الحاكمة ، فُتحت القلعة وأمر المنادي بالنداء للأول بالرحمة وللثاني بالنصر . ولما سمع أهل البلد ذلك دخلوا فبايعوا كلهم ، ولم يختلف عليه أحد من أهل البلد والعسكر ، إذ أقبلت الرعية على البيعة أفواجا. وفيما كانت الشمس تميل للإنزواء خلف أسوار القلعة، كان الباشا يتبادل الحديث مع ابنه محمد ولي العهد في ديوان القلعة ، بعد أن فرغ تماما من المهنئين . ربّت على كتفيه قائلا:
- آن لي أخيرا أن أغمض جفني . زفر زفرة توحي بقلق عميق، ثم واصل قائلا : إنها لا شك مهمة صعبة، لكن أعلم أنك كفؤ لها يا ولدي . منذ اليوم وصاعدا ستتولى أنت أمر الجبهة الداخلية ، وسأتفرغ أنا للجبهة الخارجية ، فالأيام القادمة ستكون حبلى بالأحداث يا ولدي . ما تحتاجه في مهمتك الصعبة هذه هو توطيد علاقاتك بالتجار من اليهود ، سواء بسواء مع رجال الدين وشيوخ القبائل ، وتعمل على تجهيز الجيش بكل لوازمه وتكسب ودّ الانكشارية ، فالمواجهة مع المتمردين أيا كانوا تقتضي الكثير من الحنكة والدبلوماسية ، كما تتطلب في أحيان أكثر الحزم والشدة والبطش . ولا تنس بالطبع أمر الضرائب وجمعها ، فالمال هو ضمان بقائنا في السلطة . ثم اقترب منه حتى لامست شفتاه شحمة أذنه وهمس قائلا: مرة أخرى ، كن فطنا وإذا كان من المفروض عليك أن تبقي أصدقاءك على قرب منك ، فلتجعل أعداءَك أقرب . لقد بدا بهذا القول أكثر كياسة من ذي قبل .
اكتفى وليُّ العهد بهز رأسه فهو معروف عنه دون إخوته الآخرين قلة الكلام إلى جانب الصرامة والحزم في تنفيذ الأوامر ، ناهيك عن شخصيته المتوحشة والمتعطشة للدماء ، ولا أدل على هذا من آثار جرح عميق على خده الأيمن في شكل أخدود ، جرّاء إحدى منازلاته الدموية مع أخيه أحمد . ضرب بيده على مقبض مسدسه في دلالة على استيعاب الدرس . ابتعد الباشا قليلا ، مُديرا وجهه ناحية البحر المتوترة أمواجه ، ثم سأله بالقول :
- لم تخبرني عن رحلتك الأخيرة إلى فرنسا؟.
في هذه الأثناء كان ولي العهد شاردا بذهنه بعيدا . أعاد الباشا السؤال ثانية بنبرة أعلى :
- قلت إنك لم تخبرني عن رحلتك الأخيرة إلى فرنسا ؟ .
انتابت ولي العهد رعشة فور سماعه السؤال وقد قطعت عليه مشهد ابنة القنصل الفرنسي الفاتنة "ناتلي" ، وهي تهنئه رفقة أبيها البارون بوسييه ، وأجاب مسرعا وعلائم الارتباك ارتسمت على وجهه :
- بصراحة يا مولاي ، فإنه ليس هنالك من شيء بهرني فيها سوى حاكمها القصير نابليون ، الذي تغصّ البلاد بتماثيله البرونزية . لقد صار حديث الجماهير الفرنسية ، التي بدت مفعمة حماساً وامتنانا للرجل الشاب الذي لم يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره .
- على الرغم من خسارته المذلة في أبي قير ؟ غمز عينه اليسرى متعجبا .
- أجل يا مولاي ، فلقد قال لي حينما قابلته بالحرف الواحد : إن عظمتي الحقيقية ليست في المعارك الأربعين التي خضتها وأحرزتُ فيها النصرَ ، ذلك لأن هزيمتي في أبي قير ستمحق ذكرى هذه الانتصارات . أما ما لا يمكن محقه ، وما سيبقى أبد الدهر فهو مدوَّنتي القانونية .

دنا من النافذة المطلة على سجن القلعة الغاصّ بالعبيد من المسيحيين ، وقال بتأتأة غير واضحة : إن فرنسا اليوم يا مولاي تعيش عصرا آخر .. إنه عصر الثورة والدستور والقانون ، ولقد شدني وأنا أناوله كتابَك إليه قوله إليّ : في كل البلاد تنحني اليوم القوة أمام الحضارة .. تنحني الحربة أمام الفيلسوف ، وأمام من هو أكثر علماً . وقد وعدني في نهاية المقابلة بالقول إنه سيرسل إلينا بعثة علمية ، كتلك التي أرسلها إلى مصر . ضحك الباشا ضحكة تهكم حتى كاد أن يسقط ، فردّ الابن وقد رفع حاجبيه المقوّسين على عينيه الرماديتين وأنفه الروماني مستنكرا :
- إن أخشى ما أخشاه يا مولاي هو أن يكون مصيرنا كمصير ملوك فرنسا ...
- ويحك .. صاح الباشا في وجه ابنه حتى كاد أن يأكله . حذاري ثم حذاري من أن تدع مثل هذا الهراء يدخل أذنيك ، فليس على البدو هنا إلا أن يختاروا بين أمرين : الانصياع أو الفناء ، أما نابليون فليذهب هو وثورته ودستوره إلى الجحيم .


       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home