Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Friday, 28 July, 2006

       

تأثير النص الديني المقدس في الفكر الإسلامي :
تدمير قانوني السببية والنسبية

دراسة تحليلية نقدية
(*)

صلاح الحداد

(4)
ما قبل الأخيرة

طبيعة الله في القرآن : ليس هنالك من شك حول الطريقة الحازمة ، التي وُصف بها الإله في القرآن ، فقد جاءت أوصافه على نحو كونه الخالق الواحد الأحد الفرد الصمد ؛ الفعّال لما يريد ، والقادر على كل شيء ، والأول والآخر والظاهر والباطن ، والعليم بكل شيء ، وما سوى ذلك . نحن إذن ، إزاء إله واجب الوجود لا أول له ولا آخر ، له مطلق القدرة والمعرفة ، كما أنه كامل الحرية والإرادة . فعلى سبيل المثال لا الحصر ، ورد في القرآن قوله : "قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد" (الإخلاص:1-4) ، وقوله "هو الأول والآخر والظاهر والباطن ، وهو بكل شيء عليم" (الحديد:3) ، وقوله "فاطر السموات والأرض ، جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ، ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير" (الشورى:11) .

مما سبق عرضه يتبين لنا أن الفكر الإسلامي كان قد تأسس على الاعتقاد بمبدأ الوحدانية ، الذي يتضمن وحدة الخلق والحياة والبشرية والحقيقة . خذ على سبيل المثال لُبَّ شرعة الإسلام ، التي تتلى على مسامع المؤمنين خمس مرات في اليوم والليلة ؛ لتجد أنها تفتتح بهذا الإعلان : "أشهد أن لا إله إلا الله" . لذلك ، فإنه من الطبيعي أن تنطبع وحدانية الله المطلقة في عقل ووجدان كل مسلم . ومع هذا ، فلا يكفي الوقوف عند النصوص وحدها ، بل ما ينبغي علينا فعله الآن هو التحرّك خلف هذه المفاهيم الأوليّة لرؤية الصورة الإلهية مكتملة ، كما رُسمت من قبل المدرسة اللاهوتية الإسلامية . ولبلوغ هذا المرام ، أرى من المهم النظر في هذا النص ، الذي ورد في كتاب كلاسيكي شهير هو (إحياء علوم الدين) لصاحبه الفقيه (أبو حامد الغزالي/تـ1111) .

أنه في ذاته واحد لا شريك له ، فرد لا مثيل له ، صمد لا ضد له ، منفرد لا ند له ، وأنه واحد قديم لا أول له ، أزلي لا بداية له ، مستمر الوجود لا آخر له ، أبدي لا نهاية له ، قيوم لا انقطاع له ، لم يزل ولا يزال موصوفاً بنعوت الجلال ، لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال ، بل ‏هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ... وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر ، وأنه لا يماثل والأجسام ولا التقدير ولا في قبول الانقسام ، وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرَض ولا تحله الأعراض ، بل لا يماثل موجوداً ولا يماثله موجود ‏"‏ ليس كمثله شيء ‏"‏ ولا هو مثل شيء ‏.‏ وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات‏ ... وأنه بائن عن خلقه بصفاته ليس في ذاته سواه ولا في سواه ذاته ، وأنه مقدس عن التغير والانتقال ، لا تحله الحوادث ولا تعتريه العوارض ، بل لا يزال في نعوت جلاله منزهاً عن الزوال ، وفي صفات كماله مستغنياً عن زيادة الاستكمال‏ ... وأنه ذو الملك والملكوت والعزة والجبروت ، له السلطان والقهر والخلق والأمر والسموات مطويات بيمينه والخلائق مقهورون في قبضته ‏.‏ وأنه المنفرد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع ، خلق الخلق وأعمالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم ، لا يشذ عن قبضته مقدور ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور ، لا تحصى مقدوراته ولا تتباهى معلوماته‏ (1:127-135) . ‏

إن ما يهمنا فيما جاء في هذا الاقتباس هو التركيز على خصيصتين جوهريتين لطبيعة الله ؛ الأولى : الانفصال الكلي عن عالم المخلوقين ، والثانية : الحق المطلق . في هذا السياق ، فإني أودُّ توضيح هذين المفهومين الأساسيين ؛ لأنهما موضوعا دراستنا هذه من جهة ، ولكونهما مترسخين في الفكر الإسلامي ترسخا عميقا من جهة أخرى ، أدّى في نهاية المطاف إلى تدمير قانوني السببية والنسبية . ومهما يكن من أمر ، فإن واحدا من المفاهيم المهيمنة في القرآن هو مفهوم الألوهية ، الذي يتركز على نفي الشرك عن الله بكافة صوره وأشكاله . فالله هو الأزلي الخالق لكل شيء والفعال لما يريد ، الأمر الذي يعني أن الله خلق العالم من لا شيء ، وأنه كان قبل خلقه للعالم ولا شيء معه ، وبالتالي فلا شيء يقوم واسطة بينه وبين العالم في عملية الخلق ، التي هي عملية متواصلة على الدوام ، لا يشاركه فيها أحدٌ. هذا من جانب ، ومن جانب آخر ، فإن أفعال الله حُرّة لا تخضع لقوانين البشر ، أي لا يمكن أن يتأثر الإله بأية عوامل سببية . وهنا بعض الآيات التي تؤكد على صفة الألوهية القائمة على مفهوم الانفصال الإلهي الكلي عن الكون والإنسان : (1) ففي هذه الآية توكيد على أن أمر كل الخلق هو بين الكاف والنون "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون" (يس:82) . (2) أما في هذه الآية فتوكيد على أن البشر خاضعون لأمره ، إذ لا يمكن لأحد ؛ لا بل لمثقال ذرة أن تغيب عن علمه الشامل "لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين" (سبأ:3) . (3) وهذه الآية تؤكد على قدرة الله المطلقة ، التي لا تخضع لأي قانون سببي "والله على كل شيء قدير" (آل عمران:189) . (4) أما في الآية الأخيرة ففيها أن لا أحد يستطيع مساءلة الله عن أفعاله "لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون" (الأنبياء:23) .

من الواضح هنا أنه إذا كان الله واجب الوجود أزليا ، لا شيء قبله ولا شيء بعده ، وقد خلق الخلق من العدم وأحصى كل شيء عددا ، فقد وجب أن تكون أشياء الكون قابلة للعد ، وبمعنى آخر فإن الله قادر على أن يفرق أي شيء ، ويبطل ما فيه من الاجتماع حتى يصير جزءا لا يتجزأ . يقول سيد قطب :

إن التصور الإسلامي يقوم على أساس أن هذا الوجود كله من خلق الله ، اتجهت إرادة الله إلى كونه فكان ، وأودعه الله ـ سبحانه ـ قوانينه التي يتحرك بها ، والتي تتناسق بها حركة أجزائه فيما بينها ، كما تتناسق بها حركته الكلية سواء . "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له :كن فيكون" النحل:40 "وخلق كل شيء فقدره تقديرا" الفرقان:2 (معالم في الطريق ، 1982:108-9).

هذه الخلاصة عن مفهوم الانفصال الإلهي الكلي ستقودنا إلى التطرق بالحديث ، ولو بشكل مختصر عن نظرية الجوهر الفرد في الفكر الإسلامي(1). وملخص هذه النظرية يكمن في أن العلاقة بين الأشياء (الأجسام) الموجودة في العالم هي علاقة تجاور واقتران ، وليس علاقة تأثر وتأثير . وهذا يعني أنه :

لما كانت الجواهر الفردة متماثلة كلها من جميع الوجوه ، فلا يمكن أن يكون بعضها مؤثرا في بعض ؛ لأن التأثير والتأثر لا يكون إلا بين مختلفات ... ومن جهة أخرى ، فالجواهر الفردة التي يتألف منها الجسم تبقى منفصلة مستقلة ؛ لأن اجتماعها لا يكون بالتداخل ، بل بالتجاور ، وهذا مما لا يترك مجالا للسببية ؛ لأن التأثر السببي يقتضي نوعا من الاتصال ... والتغير إنما يكون في الأعراض ]الحوادث الطارئة[ ، وقد سميت أعراضا لأنها تتغير ... وهذا يعني أنه عندما يخلق الله جوهرا يخلق معه في نفس الوقت أي عرض شاء ... وواضح أن القول بالخلق المستمر يلغي السببية (الجابري ، 2004:193) .

هذا التصور ينطبق أيضا على مفهوم الزمان ، الذي فسّره الإسلاميون على أنه عبارة عن أجزاء منفصلة لا تقبل القسمة . لقد تبنى الفكر الإسلامي إذن هذه النظرية ، ذلك حتى يتم إقصاء أي فعل للطبيعة في أمر الخلق ، وإثبات أن الله هو خالق الكون من العدم من جهة ، ولفتح الباب لحدوث الخوارق والمعجزات الإلهية من جهة ثانية ؛ فقال بخلق الأعراض متتابعة . وحسبنا هذا الاقتباس الذي يوضح أن لا ارتباط ضرورى بين السبب و المسبب . فمبدأ السببية هو عادة ذهنية توهمنا بوجود علاقة ثابتة بين شيئين ، بينما فى الواقع لا ارتباط حقيقى بينهما ، ويبقى الفاعل الحقيقي في هذا الكون الفسيح الله وحدَه . بالطبع فقد راج القول بعدها بجواز عدم احتراق القطن عند ملاقاته النار ، والسبب كل السبب هو أننا اعتدنا أن نرى القطن يحترق عند ملامسته النار ؛ فقلنا إن النار هي سبب الاحتراق ، بينما الصحيح أن المسألة مجرد اقتران وتجاور ، وليس مسألة تأثر وتأثير(2). وهاكم الاقتباس حسبما أورده الجابري عن الفيلسوف اليهودي (ابن ميمون/تـ1204) في صدد مناقشته رأي الأشاعرة وسواهم :

إن عند تحريك القلم خلق الله أربعة أعراض ليس منها عرض سببا للآخر ، بل متفاوتة الوجود لا غير . العرض الأول إرادتي أن أحرك القلم ، والعرض الثاني قدرتي على تحريكه . والعرض الثالث نفس الحركة الانسانية ، أعني حركة اليد . والعرض الرابع تحرك القلم . (المصدر السابق:202) .

لسوء الحظ ، فإن هذا الاعتقاد كان قد غمر الثقافة الإسلامية برمتها ، ومنذ ذلكم الحين أخذ الفكر الإسلامي يتجه حثيثا نحو عالم الخرافة والسحر والشعوذة ، وهو غارق فيه إلى يومنا هذا . وعلاوة على هذا ، فإن هذه المفاهيم اللاهوتية كانت قد ولّدت رغبة جامحة لدى المسلمين بالجنوح إلى الأوهام وتصديق الخرافات وكرامات الأولياء ، كما الميل إلى عقيدة الجبر ، التي ترد كل الظواهر الطبيعية في هذا الكون إلى مبدأ واحد هو الله . وهذا يعني بالطبع نفي الإنسان ، ونفي القوانين الطبيعية والتاريخية معه . ولا يخفى هاهنا أن ردّ الظواهر كلها إلى علة أولى من شأنه أن يقود بالضرورة الى الحاكمية الالهية ، بوصفها مقابلا ونقيضا لحاكمية البشر ، كما حلّل ذلك نصر حامد أبو زيد 2003 في كتابه (نقد الفكر الديني) ، والذي نقتبس منه كلاما مُهما للقرضاوي ؛ تلميذ سيد قطب النجيب ، يُعدّ الجامع الأساس بين كل الجماعات الدينية على اختلاف مشاربها ومذاهبها وأفكارها :

إن العلمانية تنسجم مع التفكير الغربي الذي ينظر إلى الله على أنه خلق العالم ثم تركه ، فعلاقته به علاقة صانع الساعة بالساعة ، صنعها أول مرة ثم تركها تدور بغير حاجة إليه . وهذا الفكر موروث من فلسفة اليونان ، وخاصة فلسفة أرسطو الذي لا يدبر الإله عنده شيئا من أمر العالم ... بخلاف نظرتنا نحن المسلمين إلى الله ، فهو خالق الخلق ، ومالك الملك ومدبر الأمر ، الذي أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا ، ووسعت رحمته كل شيء ورزقه كل حي ، لهذا أنزل الشرائع وأحل الحلال وحرم الحرام وفرض على عباده أن يلتزموا بما شرع ويحكموا بما أنزل وإلا كفروا وظلموا وفسقوا (نقد الخطاب الديني:82) .

إلى اللقاء ..

haddadsalah@yahoo.com
________________________

(*) هذه الدراسة مترجمة عن الأصل الإنجليزي ، وهي بعنوان :
The Influence of Islamic Sacred Texts on Muslim Thought and Culture: Destroying the Causality & Relativity Principles. By Salah Haddad, Jan 2006.
(1) أول من قال بهذه النظرية (الجوهر الفرد) أي الجزء الذي لا يتجزأ هو القطب المعتزلي أبو الهذيل العلاف المتوفى سنة 235 هـ. انظر: بنية العقل العربي للجابري، 2004/الطبعة السابعة، ص:179 وما بعدها .
(2) انظر: تهافت الفلاسفة، لأبي حامد الغزالي، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، ط 6: 1972. ص:245-46


       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home