Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

الإربعاء 28 يوليو 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

رواية

ألسنة اللهب (8)

صلاح الحداد

-8-

- إنه يتطرق لموقف البنا المتخاذل من الاحتلال الإيطالي لليبيا ، ويشرح بإسهاب كيف تواطأ الإخوان مع السنيور موسيليني ، كما كان يحبذ أن يطلق عليه البنا ، في احتلال برقة وطرابلس ، وكيف قبضوا ثمن خيانتهم لأهلهم في ليبيا . وحتى لا يترك البروفيسور جونسون مجالا ولو لذرة واحدة من الشك في عقل حسن ، فتح ديفيد الصحفة 33 من الكتاب ، وأخذ يقرأ كلام العقاد : "والذين يقومون بهذه الدعوة ويقبضون المال من أصحابها ، هم الذين يشنون الغارة على الدول الديمقراطية ، ويثيرون الشعور باسم الدين ، دفاعا عن سوريا وفلسطين‏ ، بينما يسكتون على غزو الألمان والطليان لألبانيا وبرقة وطرابلس والصومال‏ ، ويصير بعدما تقدم أن نعرف من أين تتلقى هذه الجماعات المتدينة أزوادها ونفقاتها‏ ... إن سيادة الدكتاتورية –ويقصد هنا الحكومة الفاشية بإيطاليا ، والنازية بألمانيا- لن تنتهي إلي سيادة الإسلام ، ولا إلي سيادة المسلمين ، وإنما تنتهي إلي ضياع المسلمين‏ ". وليس خفيا الآن ، بعد أن ظهر في أراشيف الحكومة الفاشستية ، أن الجماعة ، كانت توفّر الدعم اللوجستي للطليان ، بما في ذلك تقديم معلومات عن المجاهدين الليبيين المقيمين بمصر . وعلاوة على هذا وذاك ، فإن الأرشيف البريطاني ، مشيرا بيده إلى الأرشيف رقم 6 ، يحتوي علي وثائق أخرى ، تصب في ذات الاتجاه . ففي الثلاثينيات من القرن الماضي ، رأت الحكومة الألمانية فى عداء الإخوان المسلمين للسامية ، وآرائهم المناهضة للشيوعية ، حليفا مفيدا . ومن هنا موّلت ألمانيا الجناح العسكرى للجماعة . فهناك برقيتان من السفير البريطاني إلى وزارة خارجيته ، تحتويان علي ترجمة إنجليزية لوثائق بالألمانية ، عثر عليها عند تفتيش مسكن مدير مكتب الدعاية الألماني بالقاهرة‏ ، تشير إلى تلقي الجماعة أموالا من الحزب النازي آنذاك ؛ لتعزيز موقفهم من الناحية العسكرية ، ولتمهيد أمر الانقضاض على السلطة ، في حال فوز ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية . الوثيقة متاح الاطلاع عليها الآن ، في موقع "ويكيليكس" الشهير على النت . وبالمناسبة ، هل سبق أن سمعتَ عن تبرع الإخوان ، ولو بفلس واحد للمجاهدين في ليبيا ؟ . هل أرسل الإخوان ، ولو مجاهدا واحدا ليقاتل إلى جانب صفوف المجاهدين في برقة ؟ . هل قام الإخوان بإيواء ، ولو مجاهدا واحدا في مصر ؟ . الإجابة طبعا بلا . وهذا يجعلني أطرح عليك السؤال التالي : لماذا سارع الإخوان بالتوجه إلى فلسطين للجهاد هناك ، ولم يسارعوا إلى برقة ؟ هل ثمة سر في ذلك ؟ . ضع هذا السؤال نصب عينيك عندما تشرع في كتابة رسالتك .

جمد حسن في مكانه فاغر الفم ، وقد حاول أن يستجمع أفكاره ، ألا أن ذهنه كان في الواقع عاجزا عن التركيز من هول الصدمة . هز كتفيه استهجانا ، وقال دون شعور بالإنجليزية :

- Holy shit ... لكن ما الذي جمع البنا بهتلر وموسيليني ؟ . أهي ظروف الحرب العالمية الثانية ، أم ثمة أسباب أخرى ؟ .

- سؤال في محله . لقد أصبحت الأسرار الآن من وسائل الترف ، التي لم يعد بإمكاننا تحملها ، أليس كذلك ؟ . عقب على سؤاله ضاحكا ؛ لأنه أدرك أنه لم يفهم قصده الحقيقي . في الواقع ، فإن البنا لم يُخفِ إعجابه بالنظم الدكتاتورية ، إذ كان يصف كلاً من هتلر وموسوليني بقادة النهضات الحديثة . وقد برر البنا ذلك الإعجاب بموقف هذه الأنظمة في ألمانيا وإيطاليا من الدين ، الذي ارتكزت عليه في محاربة الشيوعية . أما السبب الآخر لإعجاب البنا بهذه الأنظمة الفاشية ، فكان لمعاداة هذه الأنظمة للنظام البرلماني ، الذي كان يعارض البنا أسلوبه القائم حين ذاك في مصر . وقد بلغ الإعجاب إلى أقصى مداه ، عندما شكلت حركة الأخوان مليشيات عسكرية سرية ، على غرار حركة القمصان البنية في ألمانيا النازية ، والقمصان السوداء في إيطاليا الفاشية ، وسميت بـ"القمصان الخضراء" ، وكان شعارها "الحركة ، الطاعة ، الصمت" ، على غرار شعار حركة موسوليني الفاشية القائل "إيمان ، طاعة ، قتال" . لكن المثير للدهشة ، وما هو أكثر من الدهشة ، هو أن البنا استخدم الدين الإسلامي ، وادعاءات غير معقولة ولا منطقية ، في تبرير علاقته بألمانيا وإيطاليا .

- كيف ؟ . سأل حسن ، وقد بدأ يستعيد قدرته على التركيز .

- لقد كتب البنا نفسه مقالة غاية في التهييج والإثارة والكذب ، نشرها في مجلة النذير ، العدد 30 ، الرابع من ذي القعدة سنة 1357 للهجرة ، وهي لسان حال الجماعة آنذاك . سحب جونسون المجلة من الرف ، ونفض من عليها الغبار ، وقال وهو يعتدل في وقفته : يُمكنك أن تصور نسخة منها ... أجل ، وكما ترى ، لقد زفّ فيها إلي المصريين والمسلمين جميعا نبأ سعيدا ، مفاده أن إيطاليا وألمانيا ، تفكران في اعتناق الإسلام ؛ لا بل إن إيطاليا قررت تدريس اللغة العربية ، في مدارسها الثانوية بصفة رسمية وإجبارية . ثم تحدث عن أن هذه الدول الثلاث ، قد وضعت في برنامجها التقرب التام من العالم الإسلامي‏ ،‏ والتودد إلي العرب والمسلمين ،‏ وقدمت لذلك مقدمات كبناء المساجد ،‏ ودعوة الشباب العربي إلي المدن والعواصم عندهم ‏..‏ واستطرد بالقول : إن هذه الدول إنما تعجبها القوة والكرامة والفتوة والسيادة ،‏ وهي شعائر الإسلام ،‏ ويكمل البنا كلامه هذا ، بالإشارة إلى ما كتبه الإخوان المسلمون ، إلى ملوك المسلمين وأمرائهم وعلمائهم وحكامهم ، بوجوب التبليغ لهذه الأمم باسم الإسلام . ولمزيد من إضفاء مسحة من الجدية على هذا الأمر‏ ، قام البنا بتوجيه رسالة مفتوحة على صفحات ذات العدد –كما ترى هنا- إلى شيخ الأزهر ، يدعوه فيها إلي تبليغ ألمانيا وإيطاليا واليابان بالإسلام ، مع إمدادهم بالعلماء لشرح عقيدة الإسلام .

- ألهذا الحد وصل به التلاعب بعقول المسلمين ؟ . تنهد تنهيدة مثقلة بالهم والقلق والندم ، وهنا عاد حسن بذكرياته إلى الوراء ؛ ليعيش لبعض الوقت تلك اللحظة اللعينة ، التي اصطاده فيها الحاج علي التومي . لقد كان ذلك في شهر أغسطس عام 88 ، عندما كان يعوده بشأن إجرائه عملية جراحية على ساقه . لقد سمع من أبناء الجامع عقب تأديته لصلاة العصر ؛ فسارع مع مجموعة من الشباب إلى الاطمئنان على صحته ، طمعا في الأجر . جرى هنالك حديث عن التغيير والحرية والعدالة والمساواة ؛ فاندفع حسن اندفاعة شاب مراهق ، وراء مغريات لسان التومي اللبق ، عالقا في شباكه ، كما تعلق الفريسة في شباك العنكبوت . ومن هناك صار يمده بالكتب والرسائل الإخوانية ، حتى تمكنت من قلبه ؛ ليفاتحه في نهاية الأمر بأمر التنظيم السري ، ويصير عضوا في جماعة محظورة ، حبلى بالأسرار الفتاكة والألغام القاتلة . لم يُشِرْ البتة إلى هذه المرحلة المخزية من تاريخ الإخوان . تبا له من وغد ، لقد دس لي السُمَّ في العسل ! . تمتم حسن في داخل نفسه ، بعد أن اختفت فجأة تلكم الذكريات من رأسه تماما ، كطلقة النار التي تفرق الجماهير والحشود الغفيرة .

- لو كنتَ في ذلك العصر لكنتَ قد انطلت عليك حيلته ، يا حسن . إن الأمر جد معقد ، وثمة قوى خفية كانت توجّه البنا ، وهي ذاتها التي قامت بتصفيته . على أية حال ، ولمزيد من تعزيز فكرة الموالاة للمحور الديكتاتوري ألمانيا ـ إيطاليا ـ اليابان ، التي أعجب بها البنا أيما إعجاب ، ينشر البنا شائعة مثيرة للسخرية ، وهي أن هتلر شخصيا ، قد أشهر إسلامه وقام بالحج سرا ، وأسمى نفسه الحاج محمد هتلر .

- الحاج محمد هتلر ... كشف حسن عن أسنانه ضاحكا .

***

كان النفق شاسعا ومهجورا ، ونزار يمشي بخطى واسعة داخله ، وعلامات الاستفهام بادية بجلاء في عينيه السوداوين ، ففيهما كان يقترب من مكانه المقصود . إنه بوسعه الآن أن يشاهد في سراديب مستطيلة عديدة ممتدة على مدى البصر ، صناديق الأسلحة الأوتوماتيكية والجرثومية ، ويطلع على القنابل القذرة والبيولوجية المهربة من المافيا الروسية ، إلى جانب تشكيلة من طائرات التجسس والاستطلاع من دون طيار صغيرة جدا ، بحيث تلائم الحقيبة التي يحملها الجندي على ظهره ، يتم التحكم فيها عن بُعد ، وتوجيهها عن طريق كمبيوتر محمول ؛ لتحديد الأهداف في عمليات الاغتيال . وهي إسرائيلية الصنع ، تسمى موسكيتو ، أو البعوضة ، استطاع الجهاز الخاص الحصول عليها من السوق السوداء . هذا إلى جانب صواريخ سكود الإيرانية الصنع ، وحزم من الدولارات واليورو ، وأكوام من سبائك الذهب . أجال بعينيه على أدوات التعذيب ووسائل التخفي وقوائم المستهدفين بالخطف والاغتيال ، وأجهزة التنصت الالكترونية الحديثة ، والكاميرات الخفية متناهية الصغر ومختلفة الأحجام والهيئات ، والرموز المشفرة والملفات السرية ، وصور لمئات العقارات ، التي يستثمر فيها الإخوان في أنحاء متفرقة من العالم ، والخطط والخرائط العسكرية لأهم المنشآت والمواقع الحساسة ، كحقول النفط والغاز في ليبيا ، بما في ذلك التقارير الأمريكية ، وتقارير الأمم المتحدة للتنمية ، وفيها إحصاءات عن الأمية والتعليم والاقتصاد وعدد السكان ومعدلات النمو .

كانت كلمات العجوز عباس الأخيرة ، لا يزال صداها يتردد في ذهنه : (سوف تبدأ المرحلة التالية عمّا قريب . خذ قسطا من الراحة الآن ) . ابتسم نزار ابتسامة تكلف ، فهو كان قد أمضى ليلته مستيقظا ، يشاهد فيلم الإثارة والأكشن بعنوان Hitman .

كان الاغتيال بالنسبة له كالهيروين ، يشبع رغبة المدمن عليه إشباعا مؤقتا ؛ لكي يعود بعد ذلك ويزيد من رغبته فيه وتوقه إليه أكثر فأكثر ، المرة تلو الأخرى . الآن وقد زال شعوره بالاتبهاج ، عاد يشعر برغبة ملحة في القتل . وفيما كان ينهض من سريره ، راح يفكر بفخر واعتزاز بالعمل الذي يتعين عليه الآن القيام به ، والذي يكون من الشرف له تأديته .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home