Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Sunday, 28 January, 2007

 

التعـددية الثـقافية في عـصر العـولمة (2)

التعـددية الثـقافية في الغـرب

دراسة نقدية(*)

صلاح الحداد

(2)

1.2 التعـددية الثقافية : المصطلح والنظرية : عندما ننظر في مصطلح التعددية الثقافية ، وفي معناه الأساسي ونسبيته الطبيعية المحايدة ، فإننا نجده يشير إلى مجتمع يحتوي على عدد من المجموعات الثقافية . لكن عندما نعرّف مثلا مجموعة ثقافية ما ، استنادا إلى العرق ، أو الجنس أو الدين أو اللغة ، كيف يمكننا الجواب عن السؤال التالي : هل تعني التعددية الثقافية ببساطة التعايش (سلميا أو خلافه) بين المجموعات الثقافية الصغيرة في ظل الثقافة الأكبر؟ . وللجواب عن هذا السؤال ، أو على الأقل معرفة أين تدور رحى معركة التعددية الثقافية ، فإنه من المفيد معرفة ما تعنيه "الثقافة" في مصطلح "التعددية الثقافية" . فالثقافة يمكن أن تفهم على أساس أنها طريقة أو أسلوب الحياة ، الذي يشمل الأفكار والمواقف واللغات والاعتقادات والممارسات والمؤسسات ونظم القوة (Billington et al, 1991: 2- 9) . يفتح مثل هذا التعريف الواسع للثقافة الطريق لسؤال هو: ما هي "الثقافة" وأين حدودها ؟ . ثم ينجر الحبل لأسئلة ذات علاقة بالسؤال الأول ؛ هي: من يؤسس المجتمع ، أو على أي ثقافة يُبنى ؟. وما الذي يحدد ثقافة بعينها ، وما الذي يفرقها أو يربطها بالثقافات الأخرى ؟. ماذا عن الثقافات الصغرى ضمن الثقافة الأكبر؟. ثم أي أسلوب حياة وأي ممارسة ثقافية يمكنهما أن يؤسسا لثقافة متميزة ؛ صغيرة كانت أم كبيرة ، بخاصة إذا ما وافقنا على أن التعددية الثقافية ، يمكن لها أن تُحدث تعايشا سلميا بين المجتمعات والأمم ؟. أو بشكل أدق ، وكما أورد Eller (1997) "أيُّ مجموعة ثقافية يكون لها حق الاستحواذ على القوة ؛ لتعمل من ثم على صياغة المجتمع وإعادة تشكيله في ميادين مهمة كالتعليم ، والفنون ، والحكومة ومؤسساتها بشكل عام؟"(p. 251).

لعل الأمر الذي بات واضحا حين النظر في مثل هذه الأسئلة الحرجة ، هو أن معركة التعددية الثقافية يمكن أن يدور رحاها هنا . وكما لاحظ Goldberg (1994) ، فإن التعددية الثقافية "تدل ضمنيا على منافسة ضارية حول الاستحواذ على القوة ، وعلى من يحشدها ويمارسها . إنها منافسة ضارية حول من يجني تأثيراتها ونفوذ مؤسساتها الضاربة" (p. 30) .

صراع المصطلحات: التعـددية الثقافية في مقابل التفاعـلية الثقافية(1)
سؤال آخر بحاجة إلى أن يطرح هنا : هل هناك من اختلاف بين مصطلحي "التعددية الثقافية" و"التفاعلية الثقافية" ؟. أعتقد نظريا ـ وكما سأبين لاحقا ـ أنه ليس ثمة من اختلاف جوهري بين المصطلحين ، إنما الاختلاف الوحيد يمكن أن يكمن في فعل "inter" ، الذي يعكس 'interaction' ؛ أي التفاعل بين الثقافات المشاركة ، بدلا من معنى "التعدد" ، الذي يوحيه المصطلح الأول . ومهما يكن من أمر ، فإن ما يدل عليه مصطلح التفاعلية الثقافية ـ على حسب رأي أحد المتخصصين ـ هو التفاعل بين الثقافة المهيمنة وبين الأقليات العرقية في المجتمع ، الأمر الذي "يؤدي إلى عكس قضايا مثل كيف تتوزع القوة في المجتمع ، وكيف يُصنع القرار فيه ويُنظم (Farrell & Watt, 2001:26) .

لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل هذا كل شيء ؟. بمعنى آخر كيف يمكن للضعيف أن يتفاعل مع القوي ؟ . الجواب الحاضر لدى القوى المهيمنة هو بالطبع : الاحتفال بالتنوع الثقافي ! . لكن مثل هذه الاحتفالات والتظاهرات الموسمية على أهميتها ، لا يمكنها أن تلبي وحدَها حاجات المجتمع المتنوع ثقافيا ، إنما الذي يلبي حاجات هذه المجتمعات في رأيي هو أولا : الاعتراف الرسمي بالتنوع الثقافي في المجتمع دستوريا وقانونيا ومؤسسيا ، ثم ثانيا : وجود آلية فاعلة لتقاسم القوى والنفوذ بين المجموعات الثقافية سوية . لكن لسوء الحظ ، فإنه لجملة من الأسباب المعقدة تاريخيا وسياسيا ، نجد أن كلا المصطلحين دائما ما يربطا أساسا بالمجموعات العرقية والإثنية . خذ على سبيل المثال التعددية الثقافية ، التي غالبا ما تستخدم في الغرب وبالأخص في مجال التعليم ؛ لتدل على "أجناس وأعراق عديدة أخرى " ، وفي بعض الأوقات تستخدم كمرادف لتعريق "غير البيض" . في هذا السياق ، فإنني أجد نفسي متفقا مع Rex (1996) ، الذي قال "إن التعددية الثقافية غالبا ما تستخدم كقناع ، تتخفّى وراءه قيم عدم المساواة ومشاريع الأحياء المنعزلة ، أو تعني وَسْم المجموعات البشرية بالأقليات ؛ كي يُتمكن من السيطرة عليها والتلاعب بها ، أو إخضاعها للمعاملة غير العادلة" (p. 243) .

إذن ، فإن استخدام مثل هذه الاستعمالات لمصطلحات كـ"التعدد الإثني" ، و"التعدد العرقي" ، و "التعدد الثقافي" ؛ لتشير إلى الشعوب الملونة فقط ، يمكن أن يعزّز المفهوم العنصري ، الذي ينطوي على أن العنصر الأبيض ، أو الأوروأمريكيين ذوو هوية طبيعية فطرية ، وليسوا عنصرا مركبا تركيبا اجتماعيا . بطريق أو بآخر ، فإن تبني هذا المفهوم "يجعلنا (نحن المهمشين) نمنح البيضَ حقّ أن تكون ثقافتهم معيارا ومقياسا ، نقيس ونحدد به الثقافات الأخرى"(Mclaren, 1994:59) . وإذا ما أردنا الذهاب أبعد من هذا ، فإنه يمكنني أن أستشهد بما لاحظه كل من Kincheloe و Steinberg (2002) ، وهو أن"العنصر الأبيض يُقدّم نفسه ليس كقوة ثقافية ، أو كنموذج ومعيار ثقافي يُوزن عليه الأخرون وحسب ، بل يضع نفسه في موقع يتوارى خلف الثقافة والتاريخ ؛ أي لا يتموضع في حيز الأعراق وخانة الإثنيات" (P.30) .

علاوة على هذا وذاك ، فإن ما يبدو جديا هو أن كل أقلية يجب عليها أن تصب مساهمتها في المركز ، الذي تستحوذ عليه القوى المهيمنة ، لكن ليس مسموحا لها في ذات الوقت أن تدور في محيط هذا المركز ، فضلا عن أن يكون لها نصيب في القوى التي تتحكم في المجتمع ، بحيث تخوّل المهمشين تعريفَ هويتهم وتحديد رؤيتهم للواقع ، بدلا من هز الرأس بالموافقة على الخطط ، التي تفرض عليهم من علٍ . إن تصورا كهذا التصور لا يعترف بالأوضاع غير العادلة في المجتمع ، ناهيك عن وضع خطط واستراتيجيات لتحديها ، يظل تصورا غامضا ينطوي على تقييم سلبي ، يتدفق من سلوك الثقافة المهيمنة وقصدها تجاه الثقافات المهمشة . إنه لمن المؤسف حقا أن تتحول التعددية الثقافية في الخطاب الأوروبي المعاصر ، وكما أشار Gundara (2000) إلى مجرد سياسة يتم فيها "تسليط الضوء على حضور غير الأوروبيين (الأخرين) في المجتمع ليس إلا" (p.119).

بعد كل هذا ، فإن ما بدا لي جليا هو أن مفهوم التعددية الثقافية نفسه مجرد استراتيجية ، صُمِّم لإنقاذ الثقافة الغربية كفكرة حضارية متفوقة ، وكنظام رأسمالي للسيطرة الاجتماعية . بمعنى آخر ، فإن التعددية الثقافية في عصر العولمة ، ليست إلا ديكورا مزركشا هدفه العمل على جذب المستهلكين (المهمشين) ، وما الذي يستهلكه المستهلك في سوق العولمة ؟ . صور ومهرجانات ! . كل أقلية عرقية سُمح لها الآن بقليل من رد الاعتبار لهويتها . فعلى سبيل المثال ، يجب أن تعامل كل أقلية اليوم ببعض من الكرامة في المنهاج الدراسي وبرامج التلفاز ، هذا بعد أن أضحت الثقافة المهيمنة تثمن على استحياء التنوع الثقافي ، وتشعر إلى جانب ذلك بقليل من الحنين المباح إلى تقاليد الشعوب الملونة . لكنهم في قلب هذه المعمعة ، يبقون في صُلب مناهجهم الدراسية الرئيسة تلك العقلانية الأوروبية المتفوقة ، وتلكم العلوم والاختراعات والانتصارات والفتوحات الباهرة ، التي تمت على أيديهم وحدَهم دون غيرهم . ومرة أخرى نعود إلى كل من Kincheloe و Steinberg (2002) حيث يقولا إنه "من الممكن أن يًضمّن الليبراليون المؤمنون بالتعددية الثقافية الثقافاتِ المهمشةَ في المناهج الدراسية ، لكنهم في المقابل لا يقومون باختبار ثقافة البيض نقدا وفحصا . وفي نفس الاتجاه ، من الممكن لهم أن يشيروا إلى الشعوب الملونة كإثنيات وأعراق ، لكنهم لا يقومون بالعمل ذاته تجاه الشعوب البيضاء ، التي لا تخضع هويتها وطريقة حياتها لهذا التصنيف" (p. 30) .

إلى اللقاء ..

haddadsalah@yahoo.com
________________________

(*) جزء مترجم من أطروحة بالإجليزية بعنوان
"Examining Multicultural Literature Books for Children" May, 2006. by Salah Haddad
(1) يجدر بي الإشارة إلى أن المصطلح الشائع في دول أوروبا باستثناء بريطانيا هو interculturalism ، في حين أن الشائع في الولايات المتحدة وكندا واستراليا هو multiculturalism .


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home