Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Saturday, 28 January, 2006

     

الطريق إلى الديمقراطية (2)

نجح الألمان والإسبان فهل سينجح الليبيون؟

دراسة تحليلية مقارنة (*)

صلاح الحداد

العوامل في فترة حكم فرانكو (الطريق إلى الديمقراطية) : من العوامل ، التي ساهمت في عملية التحول إلى الديمقراطية، هو ذلك النمو الاقتصادي الذي شهدته البلاد في أواخر حكم فرانكو . من المعلوم أنه حتى مطلع الستينيات كان الاقتصاد الإسباني بالدرجة الأولى اقتصادا زراعيا ، مع قليل من الصناعة (Arango, 1985) . ففي بداية الخمسينيات انكسر الجليد مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وذلك عندما لعب فرانكو بورقة عدائه للأنظمة الشيوعية . وكنتيجة لهذا الموقف ، وقعت إسبانيا اتفاقية معونات مع الحكومة الأمريكية ، سمحت بتدفق الاستثمارات والأموال الأمريكية في السوق الإسبانية ، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى إنعاش الاقتصاد الإسباني من الركود ، الذي اعتراه طيلة العقود القليلة الماضية . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن وقوع البلاد في أزمة اقتصادية حادة في 1959 ، جعل فرانكو يسارع إلى طرح خطته الاقتصادية الطموحة ؛ تجنبا للكارثة . كل هذه التطورات المتسارعة ، سمحت ببروز طبقة جديدة لم تكن موجودة ، وهي طبقة التكنوقراط (الكفاءات المتخصصة) ، التي استطاعت بخبرتها القانونية والاقتصادية تسيير عجلة الاقتصاد في البلاد . ولتسليط المزيد من الضوء على خطة فرانكو الاقتصادية ، سأشير ثانية إلى Arango ، الذي قال ما نصه : "عملت هذه الخطة على تحفيز الاقتصاد من جانبين هما : جعل الاقتصاد الإسباني أكثر قربا من نظام السوق الغربي الرأسمالي ، كما عرّضت الشركات الإسبانية للمنافسة الخارجية"(1) . وعلاوة على هذا ، فقد طفت على السطح المنظمة الكاثولوكية المعروفة بـ Opus Dei (من أجل الرب) ، كقوة متنفذة في أجهزة الدولة . ولحسن الحظ ، فإن غالبية التكنوقراط ، الذين وضع فرانكو إدارة اقتصاد الدولة في أيديهم ، كانوا ينتمون إلى هذه المنظمة ، وهم من وضعوا على عاتقهم السير بالبلاد نحو الرأسمالية الغربية (Arango, 1985) .

ومن سخرية الأقدار هنا ، أن الدمقرطة في إسبانيا خلال عقد السبعينيات ، ما كان لها أن تنجح لولا ما تم إنجازه من تغييرات اقتصادية واجتماعية جوهرية في فترة الستينيات . كل هذه التطورات كانت "من العمق والقوة بحيث عملت على تقويض المؤسسات السياسية للنظام الفاشي ، التي قاومت بشق الأنفس من أجل البقاء منذ عام 1936 "(2) إذن ، من الممكن القول هنا إن خطة فرانكو الاقتصادية عام 1959 ، كانت بلا شك علامة فارقة للبدء في تفتيت بنية النظام الفاشي . ولتلخيص ما سبق ، فإن النمو الاقتصادي الذي تم في عهد فرانكو ، كان قد تضمن حزمة من التغييرات الإيجابية ؛ هي : (1) سهلت الطفرة الاقتصادية في خلق حالة من الانقسام في صفوف حزب الفالانج الحاكم ، ما أدى في نهاية الأمر إلى عزف قسم منه كبير على سمفونية الإصلاحات السياسية والاقتصادية (2) وفرت الطفرة الاقتصادية للإسبان فرصة السفر بإعداد هائلة إلى خارج البلاد ، والاطلاع عن كثب على التجارب الديمقراطية في الدول الأوروبية الغربية الكبرى (3) عملت الطفرة الاقتصادية على تقويض النفوذ التقليدي للكنيسة الكاثولوكية ، ما أدى فيما بعد إلى تخليها رسميا عن دعم نظام فرانكو في الستينيات (4) شكلت الطفرة الاقتصادية أسسَ المجتمع المدني الإسباني ، التي تمثلت في كل من طلبة الجامعات وعمال النقابات والليبراليين الجدد من أتباع الكنيسة الكاثوليكية . (5) عملت الطفرة الاقتصادية على انتشار التصنيع في المدن والقرى ، ما أدى إلى تمدين أهل الريف على وجه الخصوص . لذلك أصبح النظام السياسي مندمجا تدريجيا بعملية التحول الاقتصادي ، التي نجم عنها واقعا اجتماعيا جديدا . هذه التغيرات التي طرأت على أساس البنية الاقتصادية الإسبانية ، ستدشن حقبة في التاريخ الإسباني المعاصر ، حينما يتوج الأمير "اخوان كارلوس" ملكا على البلاد ؛ ليصير اللاعب الرئيس في تغيير وجه إسبانيا . بالطبع ، فإنه من دون الجهود الدستورية ، التي بذلت في العملية السياسية ؛ كي تتكيف البلاد مع قوانين الديمقراطية الحديثة ، القائمة على التمثيل النيابي برلمانيا ، والتي اقتضت أول الأمر التخلّصَ من الميراث الفاشي الثقيل ، وتطهير البلاد من مؤسساته المتفشية كالسرطان في كل أنحاء البلاد ، يبقى من الصعب المراهنة على نجاح الدمقرطة . وبناء على هذا ، فإن ما أحاول عمله في هذا السياق هو تسليط الضوء على العامل ، الذي ساهم في تحقيق الديمقراطية وتوطيدها ، ألاَ وهو دور الأفراد .

عوامل ما بعد فرانكو (التحول الناجح) : بلا أدنى شك ، فإن من أهم العوامل هي تلكم ، التي ابتدأت في النصف الثاني من عقد السبعينيات ، وذلك باعتماد النظام الديمقراطي الغربي في البلاد . ففي عام 1977 ، شهدت إسبانيا أول انتخابات ديمقراطية ، وقد عزز هذا النهج قبولُ إسبانيا في منتصف الثمانينات في الاتحاد الأوروبي . وأيا كان الأمر ، فإن هذه السنوات من تاريخ إسبانيا كانت بحق السنوات الحاسمة ، وذلك فيما يتعلق بعملية الدمقرطة واستحقاقاتها من تحديثٍ لأجهزة الدولة ، وسنٍّ للتشريعات القانونية والدستورية وغير ذلك . وبالفعل ، فإن أهم ما تم عمله في هذه الفترة بالنسبة للقوانين الإسبانية والتغييرات والتعديلات ، التي أدخلت عليها هو إقامتها على أسس من الحقوق المدينة ، بما يتماشى مع متطلبات الدستور الديمقراطي ، الذي أجيز عام 1978 (Bonime-Blanc, 1987) . ومهما يكن من أمر ، فإن ما أريد عمله الآن هو تحليل كيفية إنجاز كل هذه التغييرات ، أو بالأحرى معرفة من كان يقف وراءها . في العشرين من نوفمبر 1975 ، وبعدما انهار النظام الفاشي بموت فرانكو ، قام الملك "إخوان كارلوس" على الفور بمهامه كحاكم للبلاد ، وذلك بتشكيل حكومة انتقالية ؛ لتفضي بعد سنة تقريبا 1976 ، إلى توقيع البرلمان الفرانكولي على شهادة وفاته ، وذلك بإجازته جملة من الإصلاحات السياسية ، التي قضت بترخيص إنشاء الأحزاب السياسية واتحادات ، ونقابات العمال وغيرها من المنظمات الأهلية . كما قام بوضع جدول زمني لأول انتخابات تعقد في البلاد ، وذلك بحلول السنة المقبلة (Arango, 1985) . في يونيو 1977 ، ظهر "أدولفو سوارز" ، صحبة حزبه يمين الوسط (UCD) ؛ ليحقق انتصارا في أول انتخابات إسبانية حرة منذ 1939 ، وقد شرع في أولى مهامه ، التي انصبت على تصفية مؤسسات الدولة من مخلفات النظام الفاشي(Arango, 1985) . وفي ديسمبر 1978 ، أقرّ الشعب الإسباني دستورا جديدا ؛ لتكملة عملية الدمقرطة . وفي هذا السياق الدستوري ، فإن أكبر تحدٍ واجه الإسبان ، هو طرح النظام شبه الفدرالي واعتماده في الدستور الإسباني (Arango, 1985) . وبعد هذا الإنجاز الدستوري الكبير ، وما صاحبه من إجراءات تم بموجبها تقويم الحياة السياسية برمتها ، ومن ثم تقنينها شرعيا وقانونيا وفق العملية الديمقراطية ، التي أظهرت للمرة الأولى قدرتها على دمج وتوحيد كل مكونات الشعب الإسباني المتنوعة ، في دستور واحد للأمة الإسبانية .
وبعد كل هذا ، فإنه لم يعد سرا وقوف تلكم القيادات السياسية البارزة وراء هذا التحول الكبير ، بعد أن جعلت المسار الديمقراطي خيارا استراتيجيا والتزاما وتعهدا وطنيا . وفي مقدمة هؤلاء القادة ، يأتي الملك "إخوان كارلوس" ، الذي ضرب مثالا متميزا في العمل السياسي الجاد ، وقد استحق بجدارة لقب (كابتن التغيير) في إسبانيا . وحقيقة أخرى في هذا المقام ، لا يمكن التغافل عنها ، تمثلت في عمل رئيس الوزراء "سوارز" ، الذي ساعد بفضل حنكته السياسية البارعة ، وعبر مفاوضات مضنية على إحراز إجماع وطني من كل الأطراف السياسية ، كان عنوانه تلكم القيمة التي تجذرت في الدروس ، التي تعلمتها الأمة الإسبانية من تجاربها السابقة ، لا سيما تجربة الجمهورية الإسبانية الثانية ، وما أعقبها من سفك للدماء في الحرب الأهلية . وأخيرا وليس آخرا ، وبعد مسيرة شاقة وطويلة وُطِِّدت فيها أسس الديمقراطية الحديثة ، فُتحت الطريق لإسبانيا على مصراعيها ؛ لتنضم إلى الاتحاد الأوروبي 1987 ، ولتلتحق من ثم بركب العالم الأول ، نحو مجتمع أكثر ليبرالية وتقدما . وأيا كان الأمر ، فإنه يمكن التأكيد على أن نمو الاقتصاد في عهد فرانكو ، كان قد سمح بنقلة مهمة في طريق الدمقرطة ، جنبا إلى جنب مع دور الأفراد لاحقا ، الذي كان نجماه بلا منازع الملك إخوان كارلوس ورئيس وزرائه أدولفو سوارز . وبالانتهاء من هذا التحليل ، نكون قد خلصنا إلى الملف الألماني .

إلى اللقاء..
haddadsalah@yahoo.com ________________________________________________

(*) هذه الدراسة مترجمة عن الأصل الإنجليزي مع بعض الإضافة الجديدة المتضمنة تعليقات تخص الوضع الليبي، وهي بعنوان :
"Beyond the Successful Transition to Democracy: Spain & Germany, by Salah Haddad, Jan 2006"
1. E. Ramon Arango, Spain from Repression to Renewal (Wstview Press, 1985, U.S.) p 195. .
2. Gilmour David, the transformation of Spain: from Franco to the constitutional Monarchy (Quartet Books Limited, 1985, UK) p 33.


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home