Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Tuesday, 27 June, 2006

       

تأثير النص الديني المقدس في الفكر الإسلامي :
تدمير قانوني السببية والنسبية

دراسة تحليلية نقدية
(*)

صلاح الحداد

(2)

تمهـيد:
غني عن القول إن عصر التنوير الأوروبي (عصر العقل) في القرن الثامن عشر، كان بداية الانقلاب الحقيقي في علم اللغويات ، ذلك حينما اتفق غالبية فلاسفته على اعتبار اللغة إبداعا من إبداعات العقل، وبالتالي فهي أداة من أدواته. إذن، كل الأفكار لابد أن تمر عبر اللغة ، فمن دونها يكون الفكر أشبه بخريطة غامضة المعالم. وفي خضم هذا الجدل الدائر، دخل الفلاسفة في موضوع علاقة اللغة برؤية العالم لناطقيها، وطرحوا هذا السؤال: هل تؤثر اللغة في ثقافة الشعوب، أم أنها مجرد اختراع من اختراعات الثقافة؟. وكان الجواب أن الثقافة تُوّرث من الأب إلى ابنه بواسطة اللغة، إذ عن طريق كلماته، يلتقط الطفل أيضا نكهة الانفعالات والأحاسيس العاطفية. لذلك فإن اللغة تصبح الثروة المشتركة لأي أمة من الأمم. وبناء على ما مضى، تقرّر أن تكون اللغاتُ الأداةَ التي تميز طريقة رؤية كل شعب من الشعوب للعالم.
سيقودنا هذا بالطبع إلى طرح المزيد من الأسئلة الصعبة ؛ وهي: إذا كانت اللغة هي التي تشكل وتحدد رؤية كل مجتمع للعالم من حوله ، فأيُّ رؤية للعالم تكون هي الرؤية الصحيحة ، أو الأكثر صحة من رؤية الآخر؟ . أيُّ لغة يمكن لها أن تكون الأقرب في عكس الحقيقة ؟ . أيُّ لغة يمكن لها أن تزودنا بصورة أفضل للواقع ؟ . ثم ما هي اللغة الأكثر ملاءمة للفكر الإنساني؟ . (Schlesinger, 1991:8-13) . في الإجابة عن مثل هذه الأسئلة الملغزة ، وقع كثير من الفلاسفة في فخ "المطلق" ، كالفيلسوف الألماني "ولهلهم فون همبولت/1835" ، الذي ذهب إلى الزعم صراحة بأن "اللغات التي تنحدر من العائلة الهندوأوربية هي الأكثر ملاءمة لصياغة الفكر البشري . وهو ما يعني ضمنيا أن همبولت يتبنى العقلية التي مفادها أن ناطقي هذه اللغات هم أعلى منزلة من غيرهم من البشر" . (Ibid:14) . وعند هذه النقطة تحديدا ، يحق لي أن أطرح هذا السؤال: ما الخطب إذن إذا كانت اللغة هي لغة الوحي، أي لغة الإله المطلق؟. هل يبقى أي مجال للتردد في الإجابة عن الأسئلة الآنفة الذكر؟ . هذا ما سنطلع على خفاياه لاحقا. لكن بقي شيء مهم لم يوضح توضيحا وافيا ، وهو أيُّ جزء في اللغة ، يا ترى ، يكون المؤثر الرئيس في صناعة أو توجيه الفكر البشري؟. تكمن الإجابة عن هذا السؤال في ثلاث رؤى؛ هي: قواعد اللغة، المفردات، النظام البنيوي. من بين أشهر اللغويين الانثروبولوجيين المناصرين لنظرية قواعد اللغة، وما لها من تأثير في تشكيل الفكر الإنساني، وبالتالي فإن ناطقي اللغات المختلفة تكون لديهم بالضرورة رؤية مختلفة للعالم؛ هما "ادوارد سابير/1939"، وتلميذه "بنيامين لي وورف/1941". وللتذكير، فإن عنايتنا في هذه الدراسة ستتركز على النظام البنيوي، أي على الأسس والمبادئ، التي تحكم وتتحكم في تشكيل الرؤية البيانية لعالم الإنسان العربي المسلم.

لمحة تاريخية عن قصة هـبوط الوحي :
حسب المصادر الإسلامية ، فإن محمد بن عبد الله كان معتادا على الدخول في عُزلة في غار حِراء خارج مكة ، حيث يتعبد الله من كل سنة شهرا . وفي أحد الأيام أتاه الملك يقول له: اقرأ . فقال له محمد: ما أنا بقارئ ؛ فغته حتى ظن أنه الموت ، وقد فعل ذلك به ثلاث مرات ، في كل مرة يقول له: اقرأ ، فيقول له : ما أنا بقارئ . فقال له جبريل: "اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم" (ابن هشام، 1955:236-237).

حدث هذا في سنة 610 من ميلاد المسيح ، وقد كان محمد يبلغ من العمر 40 عاما . وخلال ثلاث وعشرين سنة ، كان الوحي يهبط عليه في مناسبات مختلفة حسب الوقائع ؛ فيحفظه ويبلغه للناس ، ويأمر بكتابته ، فيقول : ضعوا هذه السورة بجانب تلك السورة ، وضعوا هذه الآية بإزاء تلك الآية ، فيُحفظ ما كُتب في منـزله ، بعد أن ينسخ منه كُتّاب الوحي نسخًا لأنفسهم . وقد كُتب الوحي في العسب واللخاف والرّقاع وقطع الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع . جاء في القرآن :"إنه لقرآن كريم ، في كتاب مكنون ، لا يمسه إلا المطهرون ، تنزيل من رب العالمين" (الواقعة:77-80) . وبعد أن جمع القرآن في كتاب واحد عُرف باسم "المصحف" ، أرسل الخليفة الثالث عثمان بن عفان نسخا منه إلى مختلف الأقاليم في العالم ، التي كانت تخضع آنذاك للحكم الإسلامي . يحتوي القرآن على مائة وأربع عشرة سورة مرتبة في المصحف حسب طولها ، لا حسب وقت نزولها . ويجدر بالذكر أنه منذ نزول القرآن بلغة العرب ، فإن العربية أصبحت هي اللغة الرسمية للامبراطورية الإسلامية ، التي امتدت حدودها من الصين شرقا إلى المحيط الأطلنطي غربا، وقد اعتبر المسلمون هذه اللغة بحكم اندماجها العميق في الدين لغة معجرة ومقدسة . ووفقا لوجهة النظر الإسلامية ، فإنه لمن المستحيل محاكاة القرآن أو حتى الإتيان بشيء يشبهه . أرقى أشكال الخطاب العربي وأجود الأساليب الأدبية العربية يمكن إيجادها في هذا الكتاب . باختصار ، إنه كتاب مدهش يستحوذ على الإعجاب . لذلك ، فإن الاثنين (اللغة والدين) ارتبطا معا في عقل المسلم حتى بات من الصعب على أحد التفريق بينهما. يقول أشهر فقهاء اللغة في زمانه ، الإمام "أبو منصور الثعالبي/1038م":
من أحبَّ الله تعالى أحبَّ رسوله محمدا (ص) ، ومن أحب الرسول العربي أحبَّ العربَ ، ومن أحبَّ العربَ أحب العربية التي نزل بها أفضل الكتب على أفضل العرب والعجم ، ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته إليها ، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان ، وأتاه حسن سريرة فيه ، اعتقد أن محمدا (ص) خير الرسل ، والإسلام خير الملل ، والعرب خير الأمم ، والعربية خير اللغات والألسنة (ص:(25.

من خلال هذا الاقتباس ، يبدو من الواضح التأكيد على أن ناطقي اللغة العربية ، يؤمنون بأن اللغة العربية أعلى منزلة من اللغات الأخرى ، ذلك بما تتضمنه من بلاغة وتحمله من فصاحة وبيان ، ناهيك عما أضفاه الدين على العربية من قداسة ، قلبتها إلى مركز الجذب في الشخصية والهوية العربية . علاوة على ذلك ، فإن ميدان العرب المعرفي والعلمي ، وما يشملانه من لغة وأدب وتاريخ وعلوم واجتماع وسياسة ، كان قد شُكِل وثُبِّتَت معالمه الرئيسة بواسطة عامل الدين المركزي . وامتزجت العربية بشكل حميمي في الدين منذ الوقت الذي ظهر فيه الإسلام كنظام عقدي . لذلك جنت اللغة العربية كل هذا الاحترام وهذه المهابة ، التي ارتبطت بعلاقة وطيدة بالكتاب المقدس . وما هو جدير بالملاحظة ههنا هو ذلكم التأثير القرآني ، الذي يمكن رؤيته واضحا في اختراقه للغة العرب ومن ثم السيطرة عليها .

بعد كل هذا ، ليس مفاجئا أن نسمع أن اللغة العربية هي اللغة التي تكلم بها الإله وأنزل بها وحيه وجعلها رسالته للناس كافة في الدنيا . وبناء عليه ، فإن الصلة بين اللغة والوحي أُحْكِمتا في النظام اللاهوتي الإسلامي . وقد حمي وطيسُ الجدل بين اللاهوتيين حول الحكم الشرعي بترجمة القرآن إلى لغات أخرى ، مقررين في نهاية المطاف حُرمة ترجمته حرفيا ؛ لأن الترجمة الحرفية معناها ذكر المرادف ، أو المقابل للفظ من اللغة الأخرى ، وهذا ما لا يمكن في اللغة العربية مع غيرها . وبما أن اللغة العربية أضحت لغة الله المختارة ، فإنه لا مجال البتة لمناقشة ؛ لا بل لطرح مثل تلك الأسئلة التي طرحت آنفا ؛ وهي: أيُّ لغة يمكن لها أن تكون الأقرب في عكس الحقيقة ؟ . أيُّ لغة يمكن لها أن تزودنا بصورة أفضل للواقع ؟ . ثم ما هي اللغة الأكثر ملاءمة للفكر الإنساني؟ .

إلى اللقاء ..

haddadsalah@yahoo.com
________________________

(*) هذه الدراسة مترجمة عن الأصل الإنجليزي ، وهي بعنوان :
The Influence of Islamic Sacred Texts on Muslim Thought and Culture: Destroying the Causality & Relativity Principles. By Salah Haddad, Jan 2006.
(1) See Language in mind: advances in the study of language and thought. Dedre Gentner & Susan Goldin-Meadow (eds.) 2003, A Bradford Book, the MIT press, Cambridge, Massachusetts. pp 223-38.


       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home