Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

الإثنين 20 سبتمبر 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

رواية

ألسنة اللهب (12)

صلاح الحداد

-12-

جلس حسن على الكرسي ، في مكتب الطبيب النفساني (مايكل أو براين) ، وراح يدعو الله طالبا منه العون .

- كيف هي أمورك ، يا حسن ؟ . سأله مايكل ، وهو يرتدي نظارته الطبية ، رابطا آلة قياس الضغط بذراع حسن اليسرى .

- أموري في تدهور مستمر . أجاب حسن مطرقا ، وقد خالجه شعور بالخوف والقلق .

- ماذا تقصد ؟ . سأله ، وهو يزيل آلة قياس الضغط من ذراعه . كان ضغطه مرتفعا .

- لم أعد قادرا على النوم ، كما أنه تنتابني بين الفينة والأخرى ، حالة من الفزع والخوف والقلق طوال اليوم . كما أعاني ضعفا في الذاكرة .

- ومِمّ القلق والفزع ؟ .

- القلق على أولادي والفزع من المستقبل .

طالما كان حسن ، يتحلى بقدرة على الإحساس بالتنبؤ بمشاعر الآخرين ضده ، فضلا عما سيحل به . سمه إن شئت الحدس ، وبالتالي ثمة شيء ما يخالجه ويزعجه هذه الأيام . كفكف حسن دموعه بمنديل ورقي ، ثم استطرد قائلا بصوت مرتعش : أشعر أن مؤامرة تحاك ضدي .

- المعذرة على تطفلي ، لكن من تعتقد يقف وراء هذه المؤامرة ؟ . عبس الطبيب متفاجئا .

- ومن غيره ؟ . تمنى حسن في هذه اللحظة لو أن والده كان حيا ؛ لكي يمده بالإيمان .

- تقصد صهرك ؟ . كان الطيبب على علم مسبق بمضايقات التومي وتحرشاته بحسن .

- أجل ، لقد اكتشفتُ مؤخرا خطة لخطف أولادي مني .

- كيف ؟ .

- لقد استعمل ابنته . اختنق صوت حسن بالعبرات ؛ فقدم إليه مايكل المزيد من المناديل الورقية .

- لا عليك ، يا حسن ، الآن أنت أمام تحد صعب ، وعليك أن تكون حذرا في التعامل معه ، فلديك مرض السكري ، بالإضافة إلى حالة الكآبة ، وأنت صاحب أطفال وأسرة ، ولا أظن أنك تريد أن تهمل صحتك ، ولا أن تخسر أولادك . صحيح أن الفرق كبير بين النظرية والتطبيق ، لكنني أرى أن تحافظ على اتزانك ، فليس من صالحك ، يا حسن ، أن تستسلم لحالة الفزع والخوف هذه ؛ لأنها بالضرورة ستؤدي في نهاية المطاف إلى تدميرك صحيا ونفسيا ، وهو ما يصبو إليه صهرك ، ومن ثم ستكون في موضع يُحسد عليه أمام أطفالك . نصيحتي إليك ، ألاّ تبدو ضعيفا أمامهم . لا تنجر وراء الماضي ، فالماضي قد انقضى ، ولا تفكر كثيرا في المستقبل ، فهو ليس بين أيدينا بعد ، فلا أحد يستطيع التكهن به ، إنما كل ما لديك الآن هو الحاضر ، ولتذكر أنك لا زلت في مأمن وآمن ، ما يجعلك قادرا على التحكم في عقلك ومشاعرك ، ومن ثم في صحتك . سوف أصرف لك أقراصا تساعدك على النوم ، تداوم عليها لمدة شهر ، ثم تعود إلي ؛ لنرى ماذا حصل معك . أما الآن فأريد منك أن تراقبني جيدا ؛ لكي تمارس تمارين الاسترخاء وإزالة الأرق هذه في المنزل ، فهي ستساعدك كثيرا إذا ما واظبت على فعلها بانتظام .

***

كان الحاج علي التومي محظوظا ، عندما كُشِف التنظيم السري واعتُقلت قياداته ، حيث كان في بعثة دراسية على حساب المجتمع في جمهورية التشيك . ولو لم يكن خارج البلاد ، لكان قد علق على عود المشنقة ، أو حُكِم بالمؤبد . إن هذه ليست هي المرة الأولى ، التي ينجو فيها التومي من مخالب السلطة ، إذ سبق أن فرّ عدة مرات إلى تونس ، كلما وقعت هفوات أمنية هنا أو هناك . وها هو الآن ، يعرض بحماسة وغضب آخر تطورات قضية حسن ، على أعضاء المكتب التنفيذي ، في اجتماع طارئ ، بمنزل المدير المالي الفخم ، في حي تشلسي اللندني الراقي .

كانت السماء تمطر بغزارة ، والجو قارسا والليل معتما ، عندما افتتح رئيس المكتب التنفيذي الجلسة ، التي جرت العادة الجديدة ، على أن تكون حول مائدة مستديرة ؛ ليجلس حولها الأعضاء العشرة ، وهم يمثلون مكاتبهم ، دون أن يكون لواحد منهم ما يميزه عن غيره ، حتى تنتفي بينهم المنافسة الضارية ، التي أشعل أوارها الحاج التومي مؤخرا ، تماما كفرسان الطاولة المستديرة ، على عهد الملك آرثر .

بعد تلاوة آيات من الذكر الحكيم ، ألقى المراقب الجديد كلمة الافتتاح ، منوها على عظم المسؤولية المنوطة بهم في السير بالتنظيم قدما ، وسط معتركات صعبة وعقبات هائلة ، مركزا على إعطاء الأولوية في فترة ولايته هذه ، لإعادة بناء التنظيم داخل ليبيا ، وربط الخلايا النائمة بعضها ببعض من جديد ؛ لتستأنف عملها استعدادا لمرحلة التمكين ، وإعلان لواء الدولة الإخوانية ، في الذكرى المئوية لتأسيس الجماعة ، حسب ما ورد في خطة التنظيم الدولي الاستراتيجية .

"لا نريد أن نخيب آمال إخواننا المعلقة علينا في أرجاء الأرض .. إنهم وضعوا كل إمكانيات التنظيم الدولي والجهاز الخاص تحت تصرفنا" ، قال المراقب بخشوع ورهبة ، وهو يداعب شكيمته البيضاء الأنيقة بأنامله ، فيما كانت السماء ترعد بأصوات مدوية مخيفة ، ثم استأنف قائلا : "إنها فرصتنا لتحقيق شرع الله فوق هذه الأرض الطيبة ، وذلك بالالتفاف حول مشروع الإصلاح ، الذي يرعاه أخونا في الله (سيف الإسلام) ، والقيام بالدعاية له" . توقف لبرهة ، وقد شعر بغصة في حلقه عند ذكره اسم سيف الإسلام ، سببتها له صور شبكة عنكبوتية من أصدقاء ومستشاري هذا الأخير من الماسونيين العالميين ، والصهاينة الموتورين ، ومجرمي الحرب ، كتوني بلير ؛ الملوثة يداه بدماء المسلمين في العراق ، وقد توافدت على ذهنه كالشلال ، لكنه سرعان ما استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، متمتما بينه وبين نفسه بشعار الحشاشين الخالد : "لا حقيقة في الوجود ، وكل شيء مباح" .

رشف جرعة ماء واستأنف كلمته مرتعشا : "إنه لأمر واجب وضروري لمصلحة الجماعة ، هيأ الله تعالى لنا أسبابه ، في تحقيق أهدافنا المرجوة ... إن النظام – أيها الأخوة - بأمس الحاجة إلينا اليوم ، أكثر من أي وقت مضى ؛ ليمرر مشروع التوريث ، ولن يجد أفضل منا في إنجازه وتحقيقه على أرض الواقع ؛ الأمر الذي يضمن لنا المشاركة الفعلية في إدارة دفة الدولة ، كمرحلة أولى من مراحل التمكين . إنه يبحث عن الحزب البديل ، ونحن - إن شاء الله - سنكون حزبه البديل . لنشد على أيدي بعضنا البعض ، ولندع كل خلافاتنا جانبا ، ولنكن رجال هذه المرحلة بحق ، فالتاريخ لا يرحم ، يا إخوان ... إن ليبيا تنتظرنا جميعا ، بما حباها الله من خيرات وثروات هائلة ، وأناس بدو طيبين سذج" .

حملق بعينيه في وجوه الحاضرين ، وكأنه يريد أن يتأكد من أنهم يوافقونه الرؤية ، ثم رفع ذراعيه داعيا بورد الرابطة الإخوانية ، وقد ترقرقت عيناه بدمعتين خفيفتين :"اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك ، والتقت على طاعتك ، وتوحدت على دعوتك ، وتعاهدت على نصرة شريعتك ، فوثق اللهم رابطتها وأدم ودها واهدها سبلها ، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك ، وجميل التوكل عليك ، وأحيها بمعرفتك ، وأمتها على الشهادة في سبيلك ، إنك نعم المولى ونعم النصير".

قُدّم الشاي الساخن على الطاولة المستديرة في آوانة فاخرة مطلية بالفضة ، وتلا ذلك ، عرضُ التقارير على شاشات الداتا شو ، أو البروجكتور ، وشاشات LCD Plasma ، وذلك من كل المكاتب ؛ السياسي منها والإعلامي والتربوي ، والمالي والتخطيطي والأمني والعسكري ، والتي تركت ارتياحا وقبولا جماعيا ، لِمَا حققه التنظيم حتى الآن ، من إنجازات جبارة ، في اختراق النظام الليبي ، لا سيما على المستويات الإعلامية والعسكرية والأمنية والمؤسساتية .

كان من الواضح تأكيد رئيس المكتب السياسي ، وهو يقدم ورقته للمكتب ، على الأسباب التي دعت الإخوان إلى اتخاذ هذه الاستراتيجية ، هذا علاوة على توصيات التنظيم الدولي ، وقد جاء فيها : "أن بلادا كليبيا ، تحتل موقعا استراتيجيا على ضفاف المتوسط ، مطلة على أوروبا ، ومتوسطة بين المشرق العربي ومغربه ، تربض على بحيرات من النفط والغاز ، يسيل لها كل لعاب ، فضلا عن لعاب الإخوان ، فالمستقبل السياسي المجهول ، والمنفتح على كل الاحتمالات ، وضعف مؤسسة الجيش ، وخراب الاقتصاد ، وقلة عدد السكان ، الذين يدينون جلهم بالإسلام السني على المذهب المالكي ، حيث لا فرق ولا طوائف ذات بال ، إضافة إلى هيمنة التقاليد القبلية ، وانهيار نظام التعليم القائم على التلقين أساسا ، مع تفشي الأمية وانتشار الفساد والفقر والبطالة ، وعدم وجود نظام اجتماعي قوي ومنظم برعاية الدولة ، يقوم برعاية المحتاجين والفقراء والعاطلين عن العمل . كل هذا وذاك ، يرفع من حظوظنا في الظفر بالكعكة ، ناهيك عن مركز سيف وحظوظه السياسية الأوفر في وراثة الحكم ، وقربه فكريا من منهج الجماعة ، لا سيما بعد تحديده للخطوط الحمراء ، علاوة على علاقات بعض الإخوان الشخصية به ، ثم خصومته مع الحرس القديم ، وعلى رأسهم الأجهزة الأمنية ، وحزب اللجان الثورية ، وأخيرا وليس آخرا ، ذعرنا من انقلاب الموازين القوى ، وانفلات الأمور في أيدٍ أخرى علمانية كافرة ، أو عسكرية ذات ميول أمريكية غربية" . عقب الفراغ من تقديم ورقته ، ارتجت الغرفة بتكبيرات المكتب التنفيذي ثلاثا "الله أكبر ولله الحمد" .

اشرأبت أعناق أعضاء المكتب الآن ، نحو الناطق الرسمي باسم الجماعة ؛ الحاج علي التومي ، بعد أن جاء الدور عليه ليلقي تقريره الخاص ، عن حالة حسن صهره ، الذي بات وجوده يشكل تهديدا للجماعة ، ولاستراتيجيتها الجديدة ، حسبما يعتقد الكثير من الإخوان .

تنحنح الحاج ، بعد أن ألقى رزمة من الأوراق والوثائق على الطاولة أمامه ، وقال بنبرة منكسرة ، مقوسا حاجبيه كعادته ، بعد أن احتسى رشفة عميقة من الشاي الأخضر المنعنع :

- إن بحوزته الآن أكثر الوثائق سرية عن تاريخ الجماعة ومؤسسها ، ناهيك عن اطلاعه على خطة التنظيم الدولي السرية ، بما في ذلك الجهاز السري . إن الأمر جد خطير –أيها الأخوة- ، وسيكون أخطر إذا ما نشر هذه الوثائق على الملأ . رفع التومي حاجبيه المقوسين ، داقا ناقوس الخطر ، ثم واصل قائلا : لسوء الحظ ، فقد فشلت الخطة الأولى ، التي كانت تقضي بخطف أولاده منه ، والتي كنا سنتمكن من خلالها من ابتزازه وإرهابه ، ومن ثم إسكاته إلى الأبد .

انتابت الفرسان العشرة رعشة كهربائية ، سرت في أجسامهم ، بفعل هذا الخبر التعيس .

- لحظة من فضلك ، ماذا تقصد باطلاعه على خطة التنظيم الدولي السرية ؟ . - لسوء الحظ ، فقد عمل حسن فيما سبق ، في مكتب التخطيط الدولي ، وشارك في الكثير من جلساته ، التي كان آخرها في باريس ، وقد أعلمت أنه قد حصل على نسخة من الخطة ، التي وقع اختيار التنظيم الدولي فيها على ليبيا ، لتكون الدولة الإخوانية .

تلا كلامه هذا صمت وقع عليهم أشبه بقصف الرعود .

- ابن الكلب .. وما العمل الآن ؟ . سأل رئيس المكتب غاضبا زاما شفتيه .

- بقيت لدينا الخطة ب .

- وهل تظن أنها ستنجح ؟ .

- بالتأكيد ، فلا مجال لاكتشافها ، فضلا عن إفشالها . اتركوه لي ، سأتدبر أمره . أومأ التومي برأسه .

- لكن ماذا لو اتصلنا بالجهاز السري لتدبر أمره ؟ . عرض رئيس المكتب العسكري ، وهو يحدق حنقا من خلال عينيه الواسعتين ، كعيني بعض الطيور الليلية ، اللتين استحق عليهما لقب البومة .

- تقصد التخلص منه كلية ؟ . كلا ، ستكون هذه الخطوة مبكرة نوعا ما ، ناهيك عن أن العواقب المترتبة من اغتياله ، ستكون وخيمة على التنظيم في هذه المرحلة . غمز الحاج عينه اليسرى كعادته ، كناية عن شدة دهائه ومكره . كان كثيرا ما يتباهى بساديته أمام حسن ، الذي لا يزال يتذكر يوم أن أبرز الحاج التومي له ، سخريته وتهكمه من طالب بقسم الهندسة الكهربائية ، وقد علق على ورقة إجابته بالإنجليزية ساخرا hahahah . أصيب حسن في ذلك الوقت بالدهشة ، جراء هذا الأسلوب الصبياني الصادر من أستاذ جامعي .

- وماذا أعددتَ له هذه المرة ؟ . سأل المراقب ، محاولا إخفاء الحماسة والإثارة من صوته الجهوري .

- وجبة دسمة وشهية . علّق الحاج مبتسما ابتسامة ماكرة ، والثأر يشع في عينيه كالنيران المشتعلة .

- هل لك أن تطلعنا على تفاصيل الخطة ب ، بخاصة أن هذا الأمر ، بات يهدد أمن الجماعة ووجودها ؟ . سأل المراقب الشاب الجديد (فرحات سالم) بقلق ، وهو متشوق للسماع ولإبداء بعض الأراء والملاحظات إن لزم الأمر .

- أجل ، أيها الإخوان .

***

استمرت حياة حسن ما بين الجامعة والمنزل ، بشكل روتيني حتى قارب الانتهاء من أطروحته . كانت المعلومات هائلة وصادمة ومزلزلة . لقد حصل أن دار نقاش مثير في أحد الأيام ، بينه وبين البروفيسور جونسون في مكتبة الجامعة ، حول علاقة الإخوان بالماسونية .

- يبدو أن حركة الإخوان ذات جذور ماسونية ، فسيد قطب ـ على سبيل المثال ـ ، الذي كان يكتب مقالاته في (التاج المصري) ، وهي لسان حال المحفل الأكبر الوطني المصري ، وإن لم يصرح أي من مصادر الماسونية ، أنه كان ماسونيا ، لكن الصحف الماسونية ، لم تكن لتسمح لأحد من غير الأعضاء في الماسونية ، بالكتابة فيها مهما كانت صفته أو منصبه ، فما مدى انتمائه إلي الماسونية ؟ وما الغرض من انضمامه ؟ ولأي مدى كان اقتناعه بمبادئها ؟ .

- لا يمكنني الإجابة عن أسئلتك هذه ، يا حسن ، فهي جزء من بحثك المكلف به . أجاب مبتسما ، ثم استطرد وهو يحك ذقنه قائلا : "إن الاختلاف الوحيد ما بين حركة البنائين الأحرار وحركة الإخوان ، هو أن الماسونية أكثر تحررا وليبرالية ، من حيث سماحها للأفراد من جميع الديانات للانضمام إليها ، في حين تركز الماسونية الإخوانية ، على وجه التحديد ، على الأفراد الملتزمين بعقيدة الإسلام . ومهما يكن من أمر ، فإنهما يتشابهان في كل الأمور الأخرى ؛ من الأهداف والوسائل والمبادئ ، إلى الطموح والطقوس والرؤى والمنطلقات . ألم تسمع عن شعاري "النظام العالمي الجديد" ، و"أستاذية العالم" ، اللذين يرددهما قادة الحركتين ؟ . وبالمناسبة ، فإن أول من رفع شعار أستاذية العالم ، هو حسن الصباح ؛ زعيم حركة الحشاشين . وإذا أردتَ المزيد من الدقة حول هذا وذاك ، فما عليك إلا إلى الرجوع إلى عضو الماسونية الأول ؛ الشيخ جمال الدين الأفغاني ، وتركته التي خلفها بعد أن توفي عام 1897 ، وهي مجموعة كبيرة من المقالات السياسية والدينية ، التي من شأنها أن شكلت جزءا من أساس ، قامت عليه حركة الإخوان في وقت لاحق . كان هذا الأساس ، في الواقع ، مبنيا على تصور الأفغاني ، لإعادة إحياء حركة الحشاشين من جديد . ولا تنس بالطبع ، أن تمر على علاقته بالشيخ التنويري محمد عبده ، الذي حصل على رتبة (الأستاذ الأعظم) . ومن هناك تستطيع أن تقتفي أثر علاقته بتلميذين نجيبين له هما : الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا ، وهو أبو حسن البنا ، والشيخ محمد رشيد رضا ؛ أستاذ البنا ومربيه ومرشده الروحي .

- هل أفهم من هذا أن شخصية الأفغاني شخصية محورية ، بكونها حلقة الوصل ما بين حركة الحشاشين والماسونية والإخوان ؟ . نظر إليه متطلعا إلى حركة شفتيه ، وهما تتدفقان بالمعلومات الغزيرة كالنافورة .

- هذا صحيح ، نظرا لأصوله الفارسية ونشأته وترعرعه على مرمى حجر ، من قلعة الموت ، ناهيك عن ميوله السياسية المبكرة ، وطموحه القيادي الكبير . لقد اطلع على كل تراث الحشاشين ، وزار قلعة الموت مرارا ، وكان مثله الأعلى حسن الصباح ، كما كان حلمه الأكبر ، يتمثل في إعادة إحياء الحركة من جديد . وازداد وعيه تفتحا ، عندما صار عضوا ماسونيا كبيرا ، حيث ساوره شعور كبير بإقامة صرح شرقي مشابه . أجاب بثقة ، ثم أضاف بصوت هادئ وقوي ، وهو ينظر إليه بعينين زرقاوين ، تشعان حكمة ورزانة وعلما : إن الماسونية باختصار ، يا حسن ، هي امتداد لحركة التنويرين ، (The Illuminati‏) ، التي نشأت في القرن الثامن عشر ، مستلهمة مبادئها من حركة الحشاشين في الشرق الأوسط ، التي هي منبع الحركات السرية السياسية في العالم . إن الخيط الرفيع الذي يربط بين هذه الحركات السرية جميعا ، هو الهدف المتمثل في التحكم في العالم والسيطرة عليه . كان شعار حركة الحشاشين : (لا حقيقة في الوجود ، وكل أمر مباح) ، والمقصود بالطبع على غير ما وقع في تفسيره المؤرخون خطأ أو عمدا ، من اتهامات باطلة بالاتحاد والحلول والكفر . كلا ، فالمقصود هو المعنى الباطن ؛ أي لا حقيقة في الوجود سوانا ، والغاية تبرر الوسيلة .

- إن هذا بالضبط ما يعمل به حشاشو هذا العصر من الإخوان المسلمين .

- لا شك في ذلك ، وإضافة على ما قلت ، فإن نظرية (الغاية تبرر الوسيلة) ، تنسب خطأ إلى الفيلسوف الإيطالي (نيكولو مكيافيلي) ، إذ يرجع الفضل في تخريجها في عالم السياسة ، للحشاشين ، وليس لأحد سواهم .

- إنه لأمر مثير للاهتمام فعلا . لكن ماذا عن المقولات الأخرى التي تنسب إليه ؟ .

- مثل ماذا ؟ .

- أذكر على سبيل المثال مقولة : "إن الدين ضروري للحكومة ، لا لخدمة الفضيلة ، ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس" ، ومقولة "من واجب الأمير أحيانا أن يساند دينا ما ، ولو كان يعتقد بفساده" .

- حسب المعلومات التاريخية المتاحة لدي ، فإن جميعها تشير إلى أن رواد عصر النهضة بما فيهم مكيافيلي ، كانوا قد نهلوا كثيرا من تراث الشرق الإسلامي ؛ الفلسفي والصوفي ، إثر الاحتكاك الذي حصل بين الثقافتين إبان الحروب الصليبية ، ولن أكون مبالغا إذا ما قلت إن عصر النهضة الأوروبية ، لم يكن لتقوم له قائمة لولا الحروب الصليبية .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home