Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Saturday, 25 February, 2006

نزهـة فـوق بلوتـو
( Breakfast on Pluto )

نهاية رحلة لاكتشاف أغـوار الذات

صلاح الحداد

هل ترغب في النجاة من عالم التفخيخ والاغتيالات والتفجير.. هل تود النأي بنفسك عن القرف والتكفير والكراهية والتهميش؟ حسنا.. كل ما تحتاجه ـ عزيزي القارئ ـ هو تذكرة سينمائية لمشاهدة آخر أفلام المخرج الأيرلندي "نيل جوردان"، بعنوان (نزهة فوق بلوتو)، والذي يُعرض حاليا في صالات السينما العالمية. في هذا الفيلم يحاول جوردان تقديم مشهد سريالي لفتى أيرلندي، يتمكن بذكائه المتوقد وروحه الفكاهية وخياله الرحب، من النجاة من براثن هذا العالم المتوحش؟ أجل، إنها لنزهة تجنح بخيالنا إلى الغوص في أعماق عالم اللاوعي واللاشعور.. نزهة تتجلى فيها الدعوة إلى التحرر من الرغبات المدسوسة في النفس البشرية.. نزهة تدعونا إلى السخرية من الموت والإرهاب، وإلى التمرد على واقع الكبت والقمع المجتمعي، والرنو إلى فضاءات أكثر انفتاحا، أو بالأحرى إلى جنون، تُحقِّقُ فيه النفسُ لحظة الانتصار على الوجع والموت والألم. وكأنّ خلاصَ العقلاء في هذا العالم المتموج كامنٌ في اللامعقول. لقد تزيت السريالية هذه المرة بزي الطفل اللقيط المنبوذ من مجتمعه ومن المحيطين به؛ لينقلب من ثم على المستور والمخفي في أدراج حياتنا الملئية بالتناقضات السياسية والاجتماعية على السواء. هناك فوق سطح بلوتو المشع نورا وجمالا وسلاما؛ أقصى الكواكب بُعدا عن أرضنا الموغلة في الخطيئة والظلام والقتل، ارتضى جوردان أن يُجسِّد لنا مأساةَ عَالَمٍ مهوس بالتهميش والكراهية والموت، بعد نهاية رحلة انكشف منها المخبوء وتعرّت فيها أغوار النفس على حقيقتها.

البحث عن السلام ..
تدور أحداث الفيلم المستمدة من رواية تحمل العنوان الملغز نفسه للكاتب الأيرلندي "باتريك ماكيب"، والتي خضعت لعدة تعديلات وإضافات من المخرج، حول فتى أيرلندي، نُبذ من مجتمعه وهُمّش. ففي مطلع الستينيات من القرن الماضي وفي قرية أيرلندية حدودية صغيرة، يُهجر باتريك برادن(Cillian Murphy) ،وقد ألقي على عتبة كنيسة بإشراف الأب بيرنارد (Liam Neeson) .قضى الطفل باتريك طفولته الأولى تحت رعاية أسرة محافظة، تعمّد أن يقابل قسوتها وقسوة المدرسة معها تجاهه ببرودة أعصاب، لا تخلو من تهكم وسخرية واستعلاء. تجسدت هذه المواقف يوم أن اكتشف باتريك أنه ليس كالآخرين من أبناء جيله، وقد عثرت عليه حاضنته يوما، وهو يحاول ارتداء ملابس نسوية؛ فصرخت في وجهه قائلة: سأمرغ أنفك في التراب قبل أن تلحق بنا وبالقرية العار. بيد أن الفتى باتريك مضى ليقابل التحدي بتحدٍ أكبر منه، وذلك عندما قرر وهو في العاشرة من العمر أن يكون اسمه الهرة، منتحلا شخصية فتاة في كامل أنوثتها وتبرجها الفاتن، في محاولة منه على ما يبدو للهروب، أو ربما للانتقام من عالم ازدراه وأدار له ظهره منذ أن رأت عيناه نور الحياة. وتتفاقم الأزمة وتشتد حينما يُطرد باتريك من المدرسة شر طردة، على خلفية كتابات قصصية مسلية في الصف. وبإدراكه سنّ البلوغ، يشتعل ولع الهرة بمصاحبة رجال القرية، والتي سرعان ما تنتهي بعلاقة غرامية في أحد المراقص الليلية، مع مغنى الروك "بيللي هاتشيت" (Gavin Friday) ، والذي كان أيضا عضوا نشطا، يُشرف سرا على عمليات تخزين أسلحة الجيش الجمهوري الأيرلندي. ومع بداية السبعينيات وإثر حوادث تفجيرية مؤلمة، فَقَدَتْ في إحداها أعزّ أصدقائها "لورانس"، قررت الهرة الهجرة إلى لندن، بحثا عن السلام وعن أمها؛ لتصير من ثم إحدى الوجوه المألوفة في متاجر بائعات الهوى. في هذه الفترة، ارتبطت الهرة بعدة علاقات ؛ منها علاقة غرامية بفتاة لندنية سوداء، وعلاقة عمل بساحر المرقص الليلي "بيرتي" (Stephen Rea)، الذي أعطى الهرة مهنة مساعد له على خشبة المسرح. وما بين البداية والنهاية، تزدحم مشاهد عنفية لا تخلو من لحظات الهزل والمرح والحب، فيها من خفة الأسلوب وسرعة الحركة وعمق الشخصية، التي تواجه المحن تلو المحن بابتسامة معهدوة وبإيمان راسخ لا يتزعزع.

انتصار الهرة على الموت ..
ابتدأ الفيلم باقتباسات للشاعر الأيرلندي الراحل المثير للجدل "أوسكار وايلد"، لا تخلو من مغزى ومعنى، وقد بدت على شكل حوارات بين طائري أبي الحناء الشقراوين، وهما يحومان حول السلة، التي ألقي فيها الطفل الرضيع على عتبة دار الكنيسة. ومن هذه اللقطات الأولى، يظهر غرام المخرج المفرط بالصورة المرئية الخلابة المُجسِّدة للتكوينات البصرية بكل أبعادها الحسية، حيث يُطوّع الكاميرا من مختلف الجهات؛ ليجعلها تلتقط ما يريده. ومن بين المشاهد الرئيسة، التي حظيت بعرض بطئ متكرر من المخرج، مشهد تفجير الحانة اللندنية بعبوة ناسفة من قبل الجيش الجمهوري الأيرلندي، في وقت كانت تكتظ فيه بالأجساد الراقصة البريئة، وقد تناثرت الأشلاء ممزوجة بقطع الزجاج في كل مكان ؛ لتحول المكان إلى جحيم حقيقي . هذا إلى جانب استناد الفيلم إلى بناء موسيقي راقص، استحوذت على جملته أغاني الروك الرائجة في فترة السبعينيات . وبلا شك، فإنه مما زاد مشاهد الفيلم إثارة هو ذاكم النجم الهوليوودي الصاعد (كيليان مورفي) في دور الهرة، حيث استطاع ببراعة تجسيد شخصية متضاربة المشاعر والأفكار .. مغرقة في العاطفة .. مشحونة بالانتقام .. طافحة بالسخرية .. مملوءة بالشهوة .. ناطقة بالبراءة .. شخصية تجتمع فيها كل المتناقضات، ولا تجد سوى الجنوح إلى الخيال فرارا من الواقع المُر . وبالسباحة في عالمي الخيال واللاوعي، استطاع الفتى المتقمص دور العاهرة أن يخفف من وطأة الصدامات، التي تلقاها بكل ما فيها من عنف وقسوة، محافظا في ذات الوقت على قدر من الاعتدال والتوازن في أمر التفاؤل والرغبة في إشعار العالم بوجوده، وبرغبته في العيش بسلام من غير استسلام للقنوط والموت . وبالفعل، فقد نجح الدور في نهاية المطاف في إبراز شخصية الهرة المحبة البريئة، وهي تطفو منتصرة فوق جميع الآلام ؛ لتخرج من بين ركام عصابات القتل والإجرام والاغتيال صادحة : بإمكانكم أن تقتلوني، لكن ليس بإمكانكم أن تغيروا شيئا من قناعاتي، ولا من نمط حياتي في العيش حرا كطير أبي الحناء الأشقر .

أخرج نيل جوردان وهو كاتب روائي أيضا من مواليد أيرلندا/سلايقو 1950، العديدَ من الأفلام التي كان من أشهرها فيلم (لعبة البكاء 1992)، وفيلم (الفتى القصاب 1997). تتميز أعماله السينمائية في مجملها بعمق شخصياتها وكثافة مادتها الضاربة في قاع العلاقات الغرامية الجنسية . شارك فيلمه الأخير، الذي صُورت لقطاته في كل من المملكة المتحدة وأيرلندا (كلفة 12 مليون دولار)، تصنيف الفئة العمرية (16)، في جميع المهرجانات السينمائية باستثناء مهرجان كان الفرنسي، الذي رفض عرضه . ومن أهم الترشيحات، التي تحصل عليها الفيلم (Breakfast on Pluto)، في مهرجان الكرة الذهبية الأمريكي (Golden Globes, USA)، ترشيح النجم "كيليان مورفي" لأفضل ممثل كوميدي أو موسيقي .

12/02/06


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home