Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

جريدة النهار اللبنانية
الاربعاء 21 ديسمبر 2005

بحر "جون" بانفيل يجتاح صحراء الحياة
بريق الأرجوان في متاهة الفقدان

صلاح الحداد

دبلن...
أبدى بعض النقاد دهشتهم تجاه "البحر"، عنوان الرواية الذي لم يجدوا له ذكرا، لا في المتن ولا في الحواشي. وبالفعل، فإن كل قراءة عابرة لرواية جون بانفيل الملغزة، التي فازت أخيراً بجائزة "بوكر" للرواية، لا تولّد سوى هذا الانطباع الساذج. السؤال إذاً: ما لغز التسمية، أو ما علاقة البحر بحوادث القصة؟ قبل الجواب، علينا أن نحيط علما بموضوع الرواية ومجريات حوادثها أولا. إنها تحكي قصة ماكس موردن مؤرخ الفن الكهل، الذي يعود بعد وفاة زوجته آنا ـ إثر صراع مع السرطان لم يمهلها طويلا ـ إلى منتجع مطلّ على البحر الايرلندي كان يمضي فيه العطلات الصيفية أثناء طفولته؛ ليقيم في المنزل الذي حصل فيه حبه الأول منذ عقود خلت. لا ريب أنها خطوة من ماكس للتخلص من شعور الفناء، فجاء قرار الالتجاء إلى مهد الطفولة ومرتع الصبا؛ عله يجد لمصابه سلوانا ولفقد شريكة حياته عوضا؛ فيتمكن من فتح عينيه على عالم جديد. لكن جروحا أخرى نكئت، وذلك حينما انتقلت به ذاكرته إلى الماضي البعيد، إلى عائلة الدوق الاريستوقراطية وسنوات غرامه الأولى مع ابنتهم كلوي، التي أسرت قلبه، ليغرق من ثم في عالم من الحنين والحب والطفولة والخسارة والحزن. وفي وقت قصير جدا، وجد ماكس نفسه منغمسا في علاقة قوية بالعائلة، تطورت حتى صارت جزءا رئيسيا من ذاكرته وكيانه. سؤال الرواية هو: هل يستطيع التخلص من أثقال الماضي؟


عـالم البحار الغـامض
ترجع بنا بداية الرواية إلى أكثر من خمسين عاماً، وبالتحديد إلى الإجازة الصيفية التي أمضاها طفلا بصحبة أسرته، وذلك بعدما ناهز ماكس الستين من العمر، عائدا إلى قرية باليلس الساحلية. ليس ثمة شك في مغزى هذه العودة التي تنطوي على معنيين؛ الأول: محاولة الهرب مما لحقه من فقدان زوجته، والثاني: مواجهة الصدمة ومحاولة التخلص من آثارها. من اللحظة التي وصل فيها، يسحب الكاتب القرَّاء بهدوء كالهدوء الذي يسبق العاصفة إلى دوامة أفكاره وأحزانه المتراكمة؛ التي ستشكل أجواء القصة وتلوّن حوادثها. يسمح الكاتب لبطله ماكس أن ينساق وراء ذكرياته، من طفولته البعيدة إلى جرح فقدان شريكة حياته. نبدأ بالتعريف بعائلة الدوق الاريستوقراطية مع الطفلين التوأمين كلوي ومايلز، والمربية روز، جنبا إلى جنب مع الفتى العاشق الذي لم يتجاوز الحادية عشرة. كان المشهد بداية يبدو متآلفا حباً وغنىً وحرية وبهجة ونعمة، إلى حدّ فتن روح ماكس. وسرعان ما أصبح متيّما بالدوقة، ثم بابنتها، مستعدا في سبيل ذلك أن يكون موضع سخريتهم وتندّرهم، معتقدا أن العيش في كنفهم أفضل في كل الأحوال من قسوة أمه. وفي مثل هذه الأجواء من التذكر، يدخل ماكس عالما من الاضطراب والاهتياج والغموض لا يبعد كثيرا عن عالم البحار.

تقمص وجداني
على امتداد عمله السردي كتب بانفيل بأسلوب نثري راق، تحفّه لغة مخملية شاعرية كـ"بريق أرجواني" وهو لون بشرة الرجل الضاربة إلى السمرة، و"فرو القطة الملحوس" لشعر المرأة كما بدا عقب العلاج الكيميائي. تركزت براعته السردية في تصويره الدقيق للمشاعر الإنسانية من قلق وخوف وحزن، ووصفه المضبوط للصور الطبيعية مع تمكنه من زخرفة الصورة بكلمات منتقاة بعناية، مما أضفى على المشاهد حسا جماليا وبعدا فنيا، رغم أن حجم التفاصيل المتعلقة بالمشاهدة في الرواية، يميل في بعض الأحيان إلى حد الإفراط، مقارنةً بما يمكن أن يحتمله السرد. رغم أن الرواية أيضاً يعتريها نوعٌ من القصور في عنصر رئيسي كالحبكة مثلا، ونوع آخر من التقعر اللغوي في ناحية استدعائه مفردات لم تشاهد منذ مئة عام تقريبا. إلا أن هناك مقاطع طويلة من المونولوغ الداخلي، تتفتق فيه معاني الشرود والتأمل والغموض. لنتأمل: "في الكثير من الحياة سكون وعندما كنا صغارا أو حتى إلى وقتنا الحاضر بقيت الحياة ساكنة، يقظة. كنا ننتظر. نترقب المستقبل، كجنود مختبئين في الحقل يراقبون مقدم العدو".
لا شك أن كلّ كلمة تبدو كغيمة، تبرق برؤيته للعالم وفلسفته للوجود، الذي هو أشبه بلوحة زيتية خرساء ساكنة. وفي النهاية يبرر الكاتب تهربه من الواقع حينما ختم ذلك بقول على لسان بطل الرواية، بعد تأمل طويل في جوهر الوجود: "ربما أصبت بالجنون". وبين المقدمة والخاتمة يشع ذكاء بانفيل، الذي يكمن في قدرته على تمزيق عناصر الإثارة الصغيرة الخارجية، مما يترتب عليها كم هائل من التحركات الداخلية، كالصبي الذي يقع في حب امرأة بمجرد أن يتناول منها تفاحة من دون أن يترتب على هذا المشهد أي تمزق يطفو على السطح. وبين المقدمة والخاتمة أيضا، يطلّ التقمص الوجداني في الرواية بقوة؛ ليدلف بالقارئ إلى حال لاشعورية من الاستجابة المتوقعة لأجواء الحزن والألم.
ولد جون بانفيل في مدينة ويكسفورد على الساحل الايرلندي الشرقي عام 1945. تلقى تعليمه في مدرسة الأخوة المسيحيين وكلية القديس بيتر. عمل بعد تخرجه في شركة الطيران الايرلندية، ثم محرراً أدبياً لدى صحيفة "أيرش تايمز". عام 1970 ظهرت له مجموعتان قصصيتان، "لانكين"، و"ألعاب ليلية"، وله حتى الآن أربعة عشر عملاً روائياً من أهمها "كوبرنيكوس" 1976، "نيوتن" 1982، "أشباح" 1993، "كسوف" 2000، "الكفن" 2002 و"البحر" 2005. حاز جائزة "بوكر" للرواية لسنة 2005 عن رواية "البحر"، وذلك بفضل تصويت رئيس لجنة التحكيم جون ساذرلاند لمصلحتها بعدما انحسرت المنافسة بينها وبين رواية "لا تدعني أرحل". علما أن القائمة النهائية لم يكن بينها أسماء روائيين مرعبين من أمثال كويتزي، أو ماكوين. قبل الإعلان عن فوزه لم يبع من روايته هذه أكثر من 3,318 نسخة في بريطانيا، وبعد الإعلان اختفت روايته من رفوف المكتبات العامة في دبلن. علق بانفيل على ذلك: "في إمكان الرواية الجادة أن تجلب المال في الزمن المهووس بالشكليات والشخصيات الاستعراضية".

غـسيل الروح
يرى كثير من النقاد الايرلنديين أن فوز بانفيل بالجائزة جاء متأخرا نوعا ما، وقد كان مستحقا الفوز سنة 1989 عن روايته "كتاب الأدلة". تتميز أعماله بفلسفتها العميقة وسردها المتأنق المثير للقلق إضافة إلى احتوائها على بعض عناصر الواقعية السحرية.
"البحر" هي مصالحة مع الفقدان والخسارة والتأمل العميق في الذات والوجود والفناء والذكريات والأسى والموت. وهنا يبرز معنى البحر كعالم مفتوح، يلوذ به الإنسان المفجوع، يتأمل فيه مداعبة الموج لرمال الشاطئ؛ فيشعر كأن روحه تغسل من القنوط. يحملق في زرقته الداكنة؛ ليحس أمام مداه اللامتناهي بتفاهة كل الآلام والأوجاع. يرقب صخب أمواجه من البعيد، وهي تتهشم على الصخور الشامخة في محاذاة الساحل متقهقرة؛ ليحوّل نار الخوف والبعد والفناء رمادا. يرصد جزره في النهار وزحفه في المساء؛ ليخلق له هامشاً من الحياة، يرمم فيه ندوب الحاضر وجروح المستقبل. وعلى ضفافه حيث اختفى حبه الأول وحيث هو مختفٍ اليوم، يشكل البحر ذكرى لموجة توشك أن تغرق الحاضر والماضي.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home