Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

الأحد 24 اكتوبر 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

رواية

ألسنة اللهب (15)

صلاح الحداد

-15-

يا للهول .. الشرطة في منزل الحاج علي التومي . نزل هذا الخبر كالصاعقة على قلب التومي وقد أخذ يذرع غرفة الاستقبال جيئة وذهابا، وهو يصيح غير مصدق لما يقع كالمجنون "الشرطة في منزل الناطق الرسمي!".

يبدو أنه لم يحسب حساباته جيدا هذه المرة ، إذ كان يتوقع من حسن الاستسلام لابتزازه وإرهابه بسرعة ؛ ليحصل على كل ما يريد ويتمنى . لقد خطط لكل شيء حتى إنه أطلع ابنته كريمة على الزوج الإخواني الثاني ، الذي سيعقد عليها على سنة الله ورسوله ، بعد فسخ عقدها مع حسن . صحيح أنه متزوج وطاعن في السن ، لكنه كان ثريا ومتنفذا في التنظيم ، ويريد أن يعمل بسنة النبي محمد في التعدد .

"ابنتي لا يتزوجها إلا إخواني" ، قال التومي متفاخرا أمام عائلته وعدد من أصدقائه . لا أحد يستطيع الاعتراض على اقتراحاته وأفعاله ، والويل والتبور لمن يعترض . هكذا تعلموا ، وعلى هذا تربوا ونشأوا وكبروا .

شعر وكأن الشياطين مجتمعة عند تخوم نعيمه ، وهي تقرع بعنف لكي تفسد عليه بهجته ونشوته بالنصر الذي على وشك أن يتحقق . كان منذ قليل يضحك ملء شدقيه ، وهو يربت فخورا على كتف ابنته ، وهي تُكفّر "حسن" وتخرجه من الملة ، إذ لم يشعر بنشوة غامرة في حياته كنشوته بسماع آهات صهره حسن على الهاتف وحشرجاته وبكائه . "أخيرا ، سننهي حياة هذا الكافر" ، صرخ هاتفا في الغرفة بكل قوة ، وهو في منتهى درجات السادية ، لكنّ كل هذا الفرح العامر قد توقف الآن ، وقد بدت مفاصله ترتعد ويداه ترتعشان ، وشفتاه تهتزان وعيناه تتقلبان . وها قد جاء اليوم الذي سيقف فيه الناطق الرسمي بين يدي العدالة ؛ اليوم الذي طالما حاول التملص من مواجهته ، عندما واجهه حسن في منزله تلكم المواجهة الشجاعة ، مطالبا بإحقاق الحق ، ومعاقبة المخطئ ؛ اليوم الذي سينتهي فيه اعتقاده بأنه فوق القانون ، وأنه يَسأل ولا يُسأل . فهل يا ترى يفلت هذه المرة ؟ .

في مركز الشرطة ، وعند تمام الساعة الحادية عشرة ليلا ، تم فتح محضر أُخذت فيه أقوال حسن ، التي شرح فيها بالتفصيل ظروف الخطف وملابساته وأسبابه . وفي غضون نصف ساعة ، كانت الشرطة الأيرلندية ، قد أبلغت شرطة مانشستر عبر الهاتف بالحادثة ، مزودة إياهم بصور طفلي حسن وبرقم هاتف منزل التومي ورقم موبايله الشخصي . وعلى الفور باشرت شرطة مانشستر بالاتصال به ، لتطلب منه تزويدهم بعنوانه ، لكن كلا تلفونيه لم يردا ؛ لأنه ببساطة كان قد قطع جميع خطوط الهاتف ، ظانا أن الشرطة لا تستطيع الوصول إلى وكره .

كان التومي يريد كسب الوقت لا أكثر ، وذلك حتى يتمكن من تلقين عائلته ما يجب عليها قوله إذا ما استجوبتهم الشرطة من جهة ، والتخلص من كل الأدلة التي قد تورّطه في قضية التنظيم السري والجهاز الخاص من جهة أخرى . وخلال دقائق معدودة ، انقلب منزل التومي رأسا على عقب ، بعد أن سحب كل الوثائق والرسائل والمذكرات وأقراص الكمبيوتر ؛ لتلتهمها ألسنة اللهب في موقد النار ، ثم قام بجمع ما تبقى منها من رماد ؛ لتجد طريقها في المرحاض ، فيما استدعى على وجه السرعة أحد أعوانه من الإخوان ؛ ليبلغه بالخبر ويُسلّمه مسدسه الشخصي . لقد شوهد التومي وابنته وزوجته ، وهم يتناوبون جميعا على دخول الحمام عدة مرات ، وذلك لحالة الارتجاف والرعب التي أصيبوا بها .

وبينما هم في حالة يُرثى لها من التخبط والفزع ، كانت الشرطة برشاشاتها ومسدساتها وسياراتها المجهزة بأحدث وسائل القبض والاعتقال والصعق الكهربائي وحتى القتل إن اقتضى الأمر ، تحاصر منزله الفخم ، الذي اشتراه مؤخرا من الأرباح التي جناها من عملية غسيل الأموال ، مصحوبة بالكلاب البوليسية المرعبة . أشارت عقارب الساعة إلى ثلاثين دقيقة بعد منتصف الليل ، عندما قرع اثنان من شرطة مكافحة الإرهاب جرس باب منزل التومي . كانت الأوامر واضحة بخلع الباب إذا ما رفض التومي فتحه .

تلا التومي بدايات سورة ياسين ، ثم أخذ يمشي مرعوبا باتجاه الباب . كان لتوه قد شاهد عبر النافذة حشود شرطة مكافحة الإرهاب بدروعهم الواقية وخوذهم المضادة للرصاص ولباسهم الأسود ، وهي تطوق منزله من كل جانب ، وقد انتابه شعور بالغضب والحنق والعار والخجل أيضا ، إذ كيف سيقول عنه الجيران وكيف سيجيبهم غدا ، لكن الأدهى من هذا وذاك ، هو ضياع فرصة حصوله على الجنسية البريطانية ، إذا ما ثبتت عليه هذه الجريمة الشنعاء ، فهو يعلم جيدا –حسب القانون الأيرلندي والبريطاني- أنه لا يمكن بحال للأم التصرف في الأطفال ونقلهم دون إذن الأب وعلمه ، ما لم يكن لها حق الحضانة الكامل .

ارتدى ثياب النوم حتى يتظاهر بأنه كان نائما في الفراش ، ثم فتح الباب وهو يفرك عينيه متثائبا ، فيما عصفت بذهنه صور غائمة ومشوشة ، ودوّت أصوات مريعة في رأسه .

- هل أنت السيد علي التومي ؟ . سأله الشرطي . كان رجلا ضخما مربع الصدر ، يمتاز بملامح حادة ، تضفي عليه سلطة أمنية مهيبة .

- نعم . أجاب مرتعشا بعينين نصف مغمضتين ، وقد بدا الضياع على وجهه .

- هل تسمح لنا بالحديث معك وتفتيش المنزل ، سيدي ؟ . أنا الملازم فرانك بلونت ، لدينا شكوى مقدمة ضدك من شرطة دبلن ، فيما يتعلق بقضية محاولة اختطاف أطفال قصر .

- تفضلوا . أجاب التومي مذعورا ، وهو يُحدّق بعينيه الناعستين زورا ، في الكلاب البوليسية المتوحشة ، التي تنتظر الإشارة بالاقتحام . لم يكن لديه خيار آخر غير الإذعان .

بعد أن تحققت الشرطة من هويته وهوية ابنته كريمة ، وتعرفت على أطفال حسن واطمأنت على أنهم بخير ، شرع المحقق بتوجيه الأسئلة لكريمة ، بعد رفضه إلحاح التومي بإكرامه بكوب من الشاي أو القهوة ؛ قائلا له بصوت لاذع : نحن في مهمة تحقيق جنائي ، وليس في مهمة شرب قهوة .

- هل صحيح أنكِ قمتِ بتكفير زوجك حسن ، وتنوي بالتالي اختطاف أطفاله ، وذلك بتهريبهم قسرا إلى ليبيا ؟ . أجفلت كريمة وأمالت عنقها نحو أبيها ؛ لكي تتمكن من سماع السؤال مترجما إلى العربية عبر أبيها .

- معاذ الله ، يا حضرة المحقق ، فهذا الكلام لا أساس له من الصحة . تصنعت ابتسامة متوترة وهي تجيب .

- لكن زوجك يقول إنك قد أبلغتيه عبر الهاتف من هذا المنزل أنه كافر مرتد ، وعليه فإنه لا ولاية له عليك ، ولا حضانة لأولاده ، ولا حصانة لدمه وماله . بالطبع إن في هذا مخالفة صريحة لقوانين دول الاتحاد الأوروبي ، وهذه التهمة -إن صحت- قد تصل عقوبتها إلى عشر سنوات وراء القضبان .

- هذا غير صحيح إطلاقا ، حضرة المحقق . ما حصل هو أنني أبلغته بعدم رغبتي في الاستمرار بالعيش معه كزوجة ، وأنني أريد منه الطلاق ؛ لأنه كان يضربني ، يا حضرة المحقق . انخرطت كريمة في البكاء تصنعا ، ثم تابعت : لقد لجأت إلى بيت أبي هنا هاربة منه ، وها هي آثار الضرب على جسدي . كشفت كريمة للشرطية ماري عن كتفها وقد بدت آثار عض وجلد عليه ، كان التومي قد طبعها تمويها وخداعا للشرطة .

- لكن إذا كان ما تقولت به صحيحا ، فلماذا لم تتقدمي بشكوى إلى أقرب مركز شرطة لك في دبلن ، بدلا من الحضور إلى مانشستر ؟ . أعتقد أن الأمر إذا كان بهذه الخطورة والجدية ، لكان عليك المبادرة بالشكوى هناك ، لا الهروب إلى مانشستر . وإذا كان هذا غير ممكن هناك ، فلماذا لم تبلغي الشرطة هنا ، أو تذهبي إلى الطبيب ، أو الاختصاصية الاجتماعية ؟ .

- .....

التزمت الصمت ، فيما كانت يداها ترتجفان من شدة الصدمة ، في حين كان ذهن الحاج مشوشا بفعل كثرة الأسئلة التي لم تجد كريمة لها أجوبة . حاول التومي التفوه ، لكن المحقق ألجمه وصده بيده .

- إن صمتكِ بهذا الشكل ، يجعل من الصعب عليّ تصديقك ، ما سأطلبه منك الآن ، هو التالي :

1- إعادة الأطفال إلى دبلن في بحر ثلاثة أيام .

2- تسليم جواز سفرك وجواز سفر طفليك .

3- الحضور مرتين في اليوم لدى مركز الشرطة ، للتوقيع حتى يوم عودتك إلى دبلن .

صمت المحقق لبرهة من الوقت ، وهو يحدق في عينيها المتحجرتين والخاليتين من الأحاسيس ، ثم أردف بالقول : "غدا سنرسل لكِ الطبيب الشرعي ، للتحقق من آثار العضات على كتفك ، طابت ليلتكم ... آه ، لا تنس أن تبقي هاتفك مفتوحا ، يا سيد تومي" .

غادر المحقق فرانك ، ووقع خطواته يتردد صداه في عقل التومي ، الذي بدا مرهقا ومنهكا ومستنفد القوى ، وهو يقول في قرارة نفسه : لم يكن هذا تصرفا حكيما ... ستدفع الثمن غاليا ، يا حسن .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home