Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Monday, 24 March, 2006

آلام دبلن(*)

ـ قصة قصيرة ـ

صلاح الحداد

(1)

منذ أن شرع (هشام) في عمله الجديد كبائع متجول بين أعمدة إشارات المرور في وسط العاصمة دبلن ، لأكثر الصحف شعبية لدى الدبلنيين ، ألا وهي صحيفة ((Evening Herald ، وهو لا يفتأ عن تلقي الصفعات تلو الصفعات من قبل المارَّة ؛ مترجلين وراكبين على حد سواء . وقد كانت أغلب هذه الصفعات صفعات عنصرية ؛ تسخر من جنسه العربي تارة ومن لونه المائل إلى السمرة الشديدة تارة أخرى . في البداية وجد صعوبة في التأقلم على هذا الجو المحموم ، وعلى مثل هكذا ألفاظ سمجة وتعابير وقحة ؛ فكان يرد الصاع صاعين لكل من يتجرأ على فتح فمه عليه ، ويدخل على إثرها في مشاجرات ، تسفر أحيانا عن خسائر طفيفة في الطرفين . لكنَّ هذا لم يزد أولئك الساخرين إلا عنادا . عندها شعر هشام ألاَّ جدوى من اتخاذ هذا الموقف ، ورأى أنه من الأفضل التزام الصمت والهدوء ، خاصة بعد أن ذكَّره أحد القساوسة ، حينما كان مارّا به في أحد الأيام وهو في مثل هذه الحال من التوتر الشديد ، مستشهدا له بمقولة السيد المسيح : ( إذا صفعك أحدهم على خدك الأيمن ، فأدر له خدك الأيسر ) .

لكنَّ مشكلة هشام لم تكن لتقف عند هذا الحد ، فقد كانت تواجهه مضايقات من هذا النوع حتى وهو في بيته، الذي انتقل إليه حديثا، والكائن في منطقة غرب العاصمة، تُدعى (Tallaght) .وبالتحديد في حي شعبي هو (Greenhills). وغالباما تأتي هذه المضايقات من قبل جارته العجوز (روز)، التي كلما وقعت نظراتها الحادة على وجهه ، أشبعته سبا وشتما . كانت لا تطيق النظر إليه ، على الرغم من أنه لم يكن يضايقها في شيء . اعتقد أنها ربما تعاني من مرض عصبي معين ، أو من حالة نفسية مضطربة ؛ فترك هذا للزمن ، إذ وحدَه الكفيل بمعالجة مثل هذه الظواهر العصبية والأمراض النفسية . قائلا في نفسه : إذا أنا قبلتُ بسخرية هؤلاء الشبان الأحداث ، على نواصي الشوارع والطرقات ، فلِمَ لا أقبل بسخرية هذه العجوز الشمطاء ، التي شارفت على السبعين من عمرها! .

(2)

ومرَّت الأيام يوما بعد يوم إلى أن أطل يوم الـ 16 من يونيو من عام 2004م ، وقد بدا فيه هشام سعيدا سعادة استنثائية . كيف لا ، وهو يوم عيد ميلاده الأربعين . وكان من حظه أن جاء الجو صيفيا منعشا ، والهواء باردا وعليلا تحت قبة سماء زرقاء صافية ، قلما يُحظى بها في دبلن ؛ عاصمة الظلام . استحم كعادته كل صباح ، وارتدى ملابسه ومشَّط شعْرَه على المرآة وقد بدا البياض على جانبيه واضحا ، ثم تناول فطوره المتواضع ، وتابع نشرة أخبار السابعة الصباحية على شاشة قناة (RTE ONE) الأيرلندية . لم يكن فيها خبر واحد مسلٍ لديه ، غير خبر الاحتفال بالذكرى المئوية ، لليوم الذي بدأت فيه سلسلة أحداث رواية (Ulysses) ، لكاتبها الأيرلندي (James Joyce) . لقد كانت مصادفة غير عادية ، ومناسبة جديرة بالمتابعة والاهتمام . وهذا مما زاد من نشوة هشام وفرحته ، الذي كان هاويا للأدب و ميالا للأدباء ، وخاصة للأيرلنديين منهم بشكل منقطع النظير .

التقط هشامُ موعد الاحتفال وزمانه ، ودوَّنه على مذكرته الصغيرة . ومن حسن حظه أنه لم يتعارض مع الموعد ، الذي ضربه للاحتفال بعيد ميلاده ، المقرر أن يكون حوالى الساعة السابعة مساء ، فيما سيبدأ الاحتفال بالذكرى المئوية ، على تمام الساعة التاسعة مساءً أمام مركز جيمس جويس ، في قلب العاصمة دبلن . ورأى أن ساعة واحدة كافية وزيادة ، فهو على أية حال لن يدعو إلى هذا الحفل أحدا سواه . وهذا هو الأسلوب الذي درج عليه منذ مجيئه إلى أيرلندا لاجئا . ثم خطر على باله أن يرسل دعوة إلى جارته العجوز روز ، إذ ربما يطوي بهذه الدعوة صفحة العداء المستحكم بينهما إلى الأبد . فكتب على بطاقة الدعوة الوردية المزخرفة ، هذه العبارات اللبقة : إلى جارتي العزيزة (روز) ، يشرفني ويسعدني أيما سعادة ، أن تتقبلي دعوتي لحضور حفلة عيد ميلادي الأربعين اليوم ، على تمام الساعة السابعة مساءً . تقبلي تحياتي من الأعماق .. التوقيع : جارك المخلص هشام .

(3)

ركب هشام الحافلة متجها إلى عمله ، الذي يبدأ عادة عند منتصف النهار ، بعد أن وضع بطاقة الدعوة في فتحة بريد باب جارته روز . لم يكن يرغب في أخذ إجازة لعيد ميلاده . فهو عموما ليس بالحجم الذي يستحق ذلك ، ولم يعهد عليه أن فعل مثل هذا من قبل ، خصوصا في سنوات غربته هذه . وفي الحافلة ظل يرقب الأجواء المشمسة والمقاهي والبارات ، التي نثرت طاولاتها وكراسيها خارجا على الأرصفة ؛ بحثا عن أشعة الشمس والنسيم العليل ، وقد استلقى الناس عليها ؛ جذلين بهذا اليوم الدافيء الجميل ، منهم من يحتسي القهوة والشاي والشراب بمختلف أنواعه ، ومنهم من يلعق المثلجات . وهنا طافت ذاكرة هشام بين هاتيك المقاهي المشرّعة وتلك الدكاكين والمحلات الجميلة المُرتبة ؛ مستذكرا وجه الوطن ووجه مدينته الغائبة ، التي غادرها منذ عشر سنوات تقريبا . وحطت ذاكرته أخيرا في ليبيا ، وتحديدا في منطقة شارع ميزران بالعاصمة طرابلس ، حيث شقته وزوجته (هالة) وابنته الوحيدة (لُجين) ذات العشر سنوات . كان آخر اتصال أجراه معهما منذ حوالى ثلاث سنوات ، لقد كان الاتصال بالغ الصعوبة ، إذ قطع خط الهاتف لديهم ، وأصبح المنفذ الوحيد للاتصال عبر مراكز البريد العامة ، ومع ذلك فقد فرضت عليهما رقابة صارمة من قبل أجهزة الاستخبارات الليبية ، بحيث لو تم ضبطهما متلبسين بمكالمة معه فلسوف يحالون فورا إلى التحقيق ، وهناك تتضاعف مأساتهما . كانوا يسألونها عادة أسئلة سخيفة ووقحة ؛ لا بل وصل الأمر يوما بأحد ضباط التحقيق ، أن طلب منها صراحة أن تضاجعه . وعندها لم تلبث هالة أن تفلت على وجهه ، وشتمته على وقاحته هذه ! . وما كان منه إلا أن أمر بتوقيفها أسبوعا كاملا في السجن ، مستعملا ضدها ضروبا شتى وأصنافا عدة من التعذيب الجسدي والنفسي ، الأمر الذي سبّب لها ضيقا حادا في التنفس ، ومن ثم الدخول في حالات متقطعة من الغيبوبة . وقد ظلت على هذه الحال حتى بعد مراجعة الطبيب المختص ، الذي لم يجد الحيلة في علاجها مما تعاني منه ، سوى نصحها بالتوجه إلى تونس للعلاج هنالك عند أطباء مهرة وعيادات أحسن تجهيزا وأكمل عدة ! . لكن قلة ذات اليد منعتها من السفر هناك ، واستسلمت بعد هذا لقدرها المحتوم ، تنتظر الفرج من مفرِّج الكروب ! . ومن الجدير ذكره أنها كانت قد فُصلت من وظيفتها كمدرسة في إحدى المدارس القريبة من بيتها ، عقب ما بدر من زوجها الصُحُفي - عبر مقالات له نشرت في إحدى الصحف العربية - من معارضة شرسة للسلطات الحاكمة في انتهاكاتها الصارخة لحقوق الإنسان من جهة ، ولما آل إليه حال البلاد من تردٍ للأوضاع على كل المستويات من جهة أخرى .

ومن جرَّاء تلك الحادثة اعتقل لمدة عام كامل في سجن (أبو سليم) المركزي ، جنوبي العاصمة ، وقد عُذب شرَّ تعذيب حتى ترك هذا التعذيب قروحا في جسده ما زالت ماثلة إلى يومنا هذا . ثم أفرج عنه لتدهور حالته الصحية ، وفرَّ بعدها بأعجوبة من البلاد ؛ أي بجواز سفر مزوَّر ، وذلك لأن السلطات الأمنية كانت قد سحبت منه جواز سفره ، وحظرت عليه السفر كلية خارج البلاد . لم يكن لديه خيار آخر ، كما لم يكن باستطاعته أخذ زوجته معه ؛ لأنها كانت حاملا في شهرها التاسع آنذاك بابنتها لُجين . واستطاع الوصول إلى أيرلندا بعد رحلة شاقة ؛ طالبا اللجوء السياسي فيها . وقد أعطي حقَّ اللجوء فورا ، وذلك لما يملكه من أدلة قاطعة ، وحسبك من ذلك آثار التعذيب والقروح البادية على جسده . وهو الآن يتمتع بالجنسية الأيرلندية بعد أن أمضى في هذه البلاد قرابة العشر سنوات ! . أما زوجته هالة ، فقد انقطعت بها سبل الحياة ، وتشردت في رعاية ابنتها الوحيدة لوحدها ، وقد تخلى عنها كل أقاربها بما في ذلك أسرتها ، تحت ضغط كبير من السلطات الحاكمة ، وراحت تجوب الشوارع والأزقة ، تارة تبيع شيئا تصنعه في بيتها من الحلوى والكعك ، وتارة تبيع بعضا من اللعب والتحف المستعملة ، حتى أفضى بها الحال أخيرا إلى التسوَّل أمام المساجد وعلى قوارع الطريق . ومع هذا كله لم تكن لتسلم من ملاحقة المخابرات ومطارداتهم القذرة ! .

(4)

كان هشام لا يعلم بهذا الأمر البتة ، فهي لم تحدثه بتاتا عما حصل لها وعما تعانيه وتشتكيه من علل وأمراض وفقر وألم ، إذ لم تكن ترغب في أن تزيد من جراحاته وآلامه وهمومه . كان فيها من الحب له ما جعلها تتحمل في نفسها كلَّ هذا العذاب . بمعنى آخر لقد أرادت أن تضحي بروحها وحياتها من أجله .. لقد أرادت أن تشاركه آلامه وهمومه وجراحه . وفي المقابل ، كان هشام يتمنى أن يسمع صوت زوجته وابنته ، التي لم يرها . فقد خرج من الوطن وهي في بطن أمها . كان يتشوق لسماع صوتهما على الأقل في هذه الذكرى ، التي يحاول جاهدا أن يجد فيها سلواها ، وأن ينسى من خلالها عذاباته وشكواه ! . وذرفت عيناه دموعا رقراقة دافئة دفء الشمس المشرقة ، ساطعة كسطوعها ، وقد مسحها بأنامل أصابعه ؛ خشية أن يراها أحدٌ بجواره . وطفق يفكر مستغرقا وهو ينظر إلى الناس الراكضة والسيارات المنطلقة من خلال النافذة . وبينما هو كذلك إذ رنَّ جرس هاتفه الخلوي . لقد كان الاتصال من لندن ، من قبل أحد أصدقائه هناك . إنه الصديق بشير ؛ رفيق درب النضال ضد النظام الفاشي في ليبيا . فتح الخط بعدما ظهر على شاشة جهازه الخلوي ، قائلا بصوت خفي ؛ خشية التشويش على الركاب داخل الحافلة :

- ألو .. مرحبا ! . لقد كان الصوت مألوفا على الهاتف .
- ألو أهلا وسهلا عزيزي بشير ! . ما أخبارك وأخبار العائلة ؟ . أرجو أن تكونوا جميعا بخير ! . وقد تهلل وجهه بابتسامة مشرقة .
- نعم ، نحن بخير . في الحقيقة لا أخفيك ، فلقد .. لقد أرسلتُ العائلة إلى ليبيا في إجازة صيفية . ثم أكمل متلعثما كأنه يشعر بالذنب : وهأنذا وحيد في البيت .. لقد شعرت بالوحِدة ، فقلت لعلِّي أتصل بك ، وأطمئن على أخبارك كيف هي ! .
وهنا شعر هشام بالصدمة .. أحسَّ كأن شخصا قد طعنه بسكين . نعم إلى هذا الحد كانت الصدمة كبيرة ، وساد صمت مطبق على الطرف الآخر من الهاتف . لم يجد ما يقوله له . لقد كانت حقا مفاجأة غير سارة .. لم يكن يتوقعها من صديق مناضل مثله . إن مثل هذا التصرف الأخرق في رأي هشام يعني الكثير لديه . تغير صوته وصار أشبه بصوت إنسان مبحوح ، وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه من جديد ؛ ليكلمه .
- ألو .. ألو .. هل ما زلت معي هشام ؟! .
- نعم ، ما زلت معك . قالها وقد شعر بغصة في حلقه ! .
- آسف لقد كنتُ أرغب في أن أُعْلِمَكَ بذلك قبلها، إذ لربما كنتَ تريد شيئا تبلِّغه إلى زوجتك وابنتك هناك، لكن صدقني لم يكن لدينا الوقت الكافي. لقد مضى كل شيء سريعا ومفاجئا!. ساق كل هذه التبريرات دون أن يطلبها منه هشام. إنه لا شك شعور يوحي بالذنب والخيبة والخجل لا غير!.
وبعد أن سمع هشام هذا الهراء ، ثارت ثائرته وتغير لون بشرته واختفت تلكم الابتسامة المشرقة من على وجهه ، وباغته بهذا السؤال :
- هل ستشارك في المظاهرة التي ستعقد قابلة السفارة الليبية في لندن ؛ تنديدا بمذبحة سجن (أبو سليم) ، التي راح ضحيتها مئات السجناء السياسيين ، والتي تدخل عامها الثامن هذه الأيام ؟ . لقد كان هذا السؤال بمنزلة قنبلة ألقاها على وجهه ، وهو يعلم مسبقا ماذا ستكون إجابته ! . وازداد بشير حرجا على حرج ، وشعر أن قنبلة فعلا قد انفجرت في وجهه . ولم يجد ما يقوله لصديقه هشام .. لم تسعفه الكلمات ولا الحروف .. لقد ضاع منه كل شيء ، وشعر فجأة بأنها كانت حماقة كبيرة منه أن يتصل به ! . ولمَّا لم تكن ثمة إجابة منه ، اضطر هشام إلى اختصار المكالمة ، قائلا :
- عموما أنا لا أريد الإطالة عليك . وشكرا على اتصالك ! .

(5)

أقفل الخط متحسرا على ما سمع من داعية حقوق الإنسان سابقا . وقد عَدَل حتى عن إبلاغه بعيد ميلاده هذا اليوم . لقد كانت هذه أولى المفاجآت غير السارة فعلا في مثل هذه المناسبة . انبجست عيناه بدمعتين نقيتين على وجنتيه السمراوين ؛ تعبيرا عن توديع لآخر أصدقائه للوطن ومأساته ! . وسرعان ما أثار هذا الموقف تداعيات هائلة من الأسئلة والتساؤلات . لا يدري كيف جاءت ومن أين أتت . كان يرغب أن يمر هذا اليوم بسلام دون منغصات ودموع وآلام ومكدرات ، إذ يكفيه ما هو فيه ، لكنه لم يستطع أن ينفك عن التفكير والتحسر والتألم . وشعر أن مجرد التهرب منها ومن الإجابة عليها ، هو في حد ذاته عذاب وألم وصداع . ولم يكن ثمة فرصة للإفلات .. لقد أحس وكأنه وجه لوجه مع ذاته وضميره وقلبه ومصيره .. ربما إحساس داخلي بالخيبة والخذلان ، خاصة بعد مهاتفة صديقه الأخيرة .. وربما حسرته ولوعته عن ضياع قضيته العادلة ، وعن فساد ضمائر البشر ، الذين باتوا لا يفكرون إلا في مصالحهم الشخصية .. ربما عما اعتمل في قلبه من تذمر وهو ينظر إلى رجل ، يجلس قبالته متصفحا بأريحية كاملة صحيفة من الصحف الرئيسة ، التي يدعو أحد كتابها في عنوان بارز على الصفحة الأولى ، إلى محاسبة الحكومة وإسقاط رئيس الوزراء ، وتقديمه للعدالة على اختلاسات اختلسها .. أو ربما وربما .. .. احتمالات كثيرة ، وكلها متوقعة ! .

وقال مسائلا نفسه بقسوة بالغة ، لم يعهدها من قبل وكأنه في جلسة محاكمة أمام قاض متمرس : ما نوع الجرم الذي اقترفته يداي حتى أعاقب كل هذا العقاب .. لماذا أنفى عن وطني وأحرم من لقاء زوجتي ورؤية ابنتي .. لماذا أعيش غريبا طريدا لاجئا حقيرا ، بينما يرغد غيري من الأنذال المتسلقين أنصاف المثقفين والمتعلمين في نعيم العيش ورغيده .. لماذا أعرّض نفسي لكل هذه الإهانات ، وكل هذه الآلام والأخطار والتضحيات .. ثم في سبيل مَنْ أفعل كل هذا يا ترى .. وهل من أحد يحسّ بآلامي ودموعي وآهاتي .. هل من أحد يشقى لشقائي ويحزن لحزني ويأنّ لأناتي .. ها هو أقرب الأصدقاء إليّ ورفيق دربي في الكفاح ضد القهر والاستبداد والفاشية ، يستسلم دون أي مقابل .. كم هي حقا أرواحنا ذليلة ، وكم هي حقا شعوبنا وأوطاننا رخيصة .. يا الله ما أبخسه من ثمن ! .

وبينما كان العرقُ يتصبَّب على جبينه وحاجبيه المقطبين ؛ متحدرا على قميصه الأبيض ، سمع صوتَ مجاور له في المقعد ، يطلب منه إفساح المجال ؛ كي يمضي إلى سبيله . تنبه معتذرا عن شروده . لقد ظنه للوهلة الأولى قاضيا في المحكمة ، يطلب منه أجوبة عن تساؤلاته تلك . لكنه سرعان ما اكتشف أمره ؛ فأزال تقطيب حاجبيه وابتسم له ابتسامة مجاملة مفسحا له الطريق . لم يبق إلا محطة واحدة ويصل إلى مقر شغله . لقد وصلت الحياة خارجا إلى حد الذروة .. أي إلى ساعات الظهيرة ، كما وصلت أسئلته هذه إلى حد القرف والبكاء والانتحار ، لم يكن يشأ أن تنهال عليه كل هذا الانهيال في هذا اليوم بالذات ؛ يوم عيد ميلاده .. يوم فرحته وسروره .. اليوم الذي كان من المفروض ، أن يصرف كل جهده وتفكيره لما من شأنه ، أن يفرحه ويسعده وينسيه جراحاته وآهاته . لكنه أخيرا وجد الإجابة من نفسه ، ولم يجد الإجابة من الآخرين .. لقد وجد نفسه يقول ، وبكل أسىً وألم وحرقة : إنها ضريبة الثقافة والمثقف .. إنها ضريبة الإنسان الشقي بآلام الآخرين ، المعذب بآهات الناس المظلومين المقهورين.. الإنسان الذي يشقى من أجل سعادة الآخرين وحياتهم ومستقبلهم .. كان بإمكاني أن أعيش مثلهم مُنعَّما .. كان بإمكاني أن أنافق مثلهم وأداهن وأتسلَّق.. كان بإمكاني أن أقتات على حساب شعبي ووطني، لكن إذا فعل كل الناس ذلك فكيف سيعرف الحق من الباطل.. وكيف سيعلم الخير من الشر.. ومن سيقول للظالم قف فأنت ظالم.. من سيقول للطاغية والمستبد توقف فأنت طاغية ومستبد ودكتاتور.. وإلى متى ستظل حقوق الناس ضائعة؟ .

وهذا هو المثقف ، أجل ليس المثقف الذي يجيد سبع لغات ، ويحفظ الإلياذة والمعلقات ، ويعرف أسواق الأسهم ويفهم لغة البورصات . كلا ، إن المثقف أكبر من ذلك بكثير .. إن المثقف الحق هو الذي لا يرى الخير لنفسه قبل أن يراه لشعبه .. ولا يهم المثقف إن شعر الناس بمصيبته وعذابه أم لم يشعروا .. المهم أن يُرضي المثقف ضميره أولا وأخيرا . إن الثقافة ليست تلكم الكلمة المبتذلة الباهتة على ألسنة السماسرة الذين باعوا ضمائرهم للطغاة ، وسمسروا بأقوات شعوبهم وقضايا أوطانهم .. إن الثقافة واجب مقدس وشهادة وتضحية من أجل الآخرين ، قبل أن تكون كلمة أو بدلة أو ربطة عنق أو طلعة بهية في فضائية من الفضائيات . وما إن انتهى من هذا المونولوج الداخلي الصاخب ؛ حتى توقف العرق عن السيلان ، زافرا همومه عبر نافذة الباص .

(6)

غادر الحافلة متجها إلى مقر عمله ، وقد تسلم نسخ عدد اليوم من الصحيفة الصادرة للتو ، وحزم بعضا منها على ظهره ، وارتدى قبعته التي طبع عليها دعاية الصحيفة ذاتها ، وانطلق يجول بين السيارات الواقفة عند الإشارات . كان يوما عاديا روتينيا كالأيام السابقة ، لم يكن ثمة مفاجآت سارة . لقد ألقيت في وجهه وعلى مسامعه كالمعتاد أكداس من الإهانات والشتائم ، التي لم يُبدِ لها أي اهتمام ! . وزاد من حزنه وتأثره ما حمله عدد الصحيفة من جرائم قتل وانتحار واغتصاب . عاد هشام إلى بيته الصغير مبكرا هذا اليوم ، آملا أن تلبي العجوز جارته دعوته للحضور . ولم ينس بالطبع أن يشتري بعض الحلوى والشوكولا ، وشيئا من المشروبات والعصائر ، إضافة إلى كعكة عيد الميلاد . وفي وسط البيت الذي بدا بهيجا ، أعدّ هشام كل شيء ورتبه على أحسن وجه . بقيت خمس دقائق على الساعة السابعة . كان متحمسا للقاء العجوز والتعرف عليها أكثر ، أو على الأقل شرح وجهة نظره إليها ؛ علها تنثني عن مواقفها المتصلبة العنصرية تجاهه . وفي هذه اللحظات رنَّ جرس البيت ؛ فنهض هشام مسرعا ؛ ليفتح الباب ويستقبل جارته روز أحسن استقبال . لكن حصل ما لم يكن في الحُسبان ، حيث وجد بطاقة دعوته ملقاة على عتبة البيت دون أن يجد العجوزَ نفسها . وقد كتب عليها : أيها الوغد ، عُد إلى بلادك ، واحتفل هناك بعيد ميلادك ! .

دهش هشام وصُدم من هذه المعاملة القاسية ، وصفع الباب بقوة وعبس وجهه وامتقع لونه ، وانهار على ركبتيه وأخذ يجهش في البكاء . كان بكاء مرا من شاب لم يكن يحلم أن يكون مستقبله على هذا النحو . وألغي الاحتفال بعيد الميلاد ، وقذف بكل الأشياء التي أعدها في صندوق القمامة ، كما ألغيت مشاركته في الاحتفال المزمع عقده تلك الليلة ، بمناسة الذكرى المئوية لرواية (Ulysses) ، وانكب على فراشه في غرفته ينتحب كالثكلى . لم يكن يرغب في شيء غير البكاء والنحيب ، وقد غمس وجهه في الوسادة ، إلى أن مضى مستغرقا في نومه حوالى الساعة العاشرة ليلا . وعند الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، استيقظ على أصوات غير مألوفة ، كانت تنبعث من جدار بيت جارته روز ، وما هي إلا ثوان قليلة حتى سمع صياح العجوز وهي تستغيث طالبة النجدة .

وثب هشام من على سريره، وانطلق مسرعا نحو بيت جارته، الذي وجده مفتوحا على مصراعيه ووجد شخصا نحيفا مُلثّما في وسط صالة الجلوس، وهو يحاول خنق العجوز روز وهي في ثياب نومها. قفز على رقبته وسحبه جانبا، ثم سدد له لكمة قوية على وجهه. استغل هشام متانة بنيته، وطول قامته وقوة عضلاته، وسدد له ضربة قاضية أخرى من يده اليمنى باتجاه بطنه. ترنح السارق على الأرض وتمايل، لم يعد يملك السيطرة على نفسه، وسقط على عبتة المطبخ، ومن هناك أخذ يزحف إلى أن وقعت يده على مدية حادة؛ فالتقطها. لكنَّ هشام لم يعطه الفرصة الكاملة لتلقي طعنته؛ فركله بقدمه على وجهه ثانية حتى سال الدم من أنفه وفمه ، ووقعت المدية من يده . وبدا كأنه يفقد الوعي من جراء تلكم الضربات المسددة القوية. اتجه بعدها هشام مباشرة إلى روز وهي تلهث من شدة الخناق حول رقبتها، وكأنها ستلفظ أنفاسها الأخيرة!. أسندها على كتفيه محاولا تهدئتها، ثم جلب لها كأسا من الماء، وطمأنها أنها ستكون على ما يرام. وفيما كان يسقيها الماء تلقى طعنة أخرى مباغتة من السارق خلفه، الذي استجمع ما تبقى من قواه المنهكة؛ لينتقم، لكنَّ ضربته لم تكن بالقوة لتصيبه إصابة مباشرة في كتفه الأيمن، إذ انزلقت يده نتيجة لفقده السيطرة ، ولتسفر في نهاية المطاف عن جرح صغير غير ذي بال. هبَّ على إثرها هشام ؛ لينقضّ عليه انقضاضة الأسد الهصور ؛ محاولا تهشيم وجهه، وما هي إلا ثوان حتى فقد الوعي تماما. وطفق هشام يتصل بالشرطة والإسعاف ، في حين استعادت العجوز روز أنفاسها وعادت دقات قلبها إلى طبيعتها . فرح هشام واستبشر خيرا وحمد الله على أنه لم يكن مسلحا، وطمأنها ثانية أنها ستكون بخير . وراح يضع بعض الشاش على جرحه الخفيف . ووصلت الشرطة إلى البيت وعلى الفور شرعت في فحص الجاني . قُدمت إليه بعض الإسعافات الأولية كتلك الجروح على وجهه وفمه . لم يجدوا فيه إصابات خطرة . وبعد دقائق معدودة استطاعوا أن يفيقوه من غيوبته ، وقد عُقِدت يداه بوثاق حديدي ونقل إلى سيارة الشرطة . في حين استمع قائد الفرقة إلى أقوال هشام في عجالة بعد أن اطمأن عليه وعلى العجوز ، التي لم يسمح لها وضعها الصحي بأن يأخذ أقوالها في القضية . كان المسعفون آنذاك يتفحصون روز ، وقد وجدوا أن لا ثمة حاجة داعية لنقلها إلى المستشفى . وغادر الجميع ما عدا هشام ، الذي بقي إلى جانب روز يخفف من صدمتها . كان هشام بمنتهى اللطف معها ، يعاملها وكأنها أمه ، وكانت هي في منتهى الصدمة . لم تحسب أن غريبا كهشام يقدم لها كل هذه المساعدة ؛ لا بل لم يخطر لها على بال ، أنها ستكون يوما ما في حاجة لمساعدته وخدماته . هذه العجوز ذات العينين اللامعتين القاسيتين كعيني الذئب ، التي لم تدخر جهدا ولا وسعا في شتمه وسبه ولعنه وإهانته ، ها هي اليوم تتوجه إليه بالشكر الجزيل وتدين إليه بالعرفان الشديد ، والذي لا يمكن أن ينسى ويمحى من ذاكرتها . وبعد أن وجَّهت إليه أسمى آيات الشكر لإنقاذ حياتها ، وهي تشعر بالأسى على ما أصابه بسببها . سألها عما إذا كانت ترغب في شيء باستطاعته تقديمه لها قبل أن يغادر إلى بيته ، فلم تجد إلا أن تشكره ثانية . وعندها ودَّعها مقبِّلا رأسها وداعيا لها بالحفظ والسلامة ! .

(7)

عند صباح اليوم التالي جاءت الشرطة من جديد ؛ لتأخذ أقوال العجوز روز حول ما جرى . وكان من ضمن ما قالته لهم في شهادتها : إنها حوالى الساعة الثانية إلا خمس دقائق بعد منتصف الليل ، قامت تريد تناول دوائها ، إذ رأت شخصا نحيفا مُلثّما في ردهة المنزل ، يهمُّ بسرقة بعض الأثاث المنزلي ؛ فذهلتُ وطفقتُ أصيح ، فهجم عليَّ يريد خنقي وقتلي قبل أن أوقظ أحدا من الجيران ، وكاد أن يفعل لولا جاري هشام ، الذي هبّ مسرعا لنجدتي ! . فأنا حقا مدينة له . قالت ذلك بكل شفقة وأسى . عقّب رئيس الشرطة بعد الاستماع لشهادتها : إنهم سيوجهون تهمة محاولة القتل للجاني عليها أمسِ ، إلى جانب تهمة السطو . وردت العجوز قائلة : المهم أن تأخذ العدالة مجراها ! . وغادر الشرطة المنزل ، فيما كانت ابنتها (شينيد) ذات الثلاثين ربيعا ، تصل بسيارتها إلى المنزل بعد أن تلقت مكالمة من أمها عبر الهاتف وحدثتها بما جرى الليلة الفائتة . دخلت مذعورة وقد احتضنت أمها بين ذراعيها ، تردد قائلة بصوت متهدج :
- حمدا لله على سلامتك يا أماه .. حمدا لله على سلامتك !! .
- لا عليك بنيتي ، فأنا على ما يرام .. اطمئني ، لقد نجوتُ بأعجوبة .. حمدا للربِّ على ذلك ! .
- لكن كيف تم ذلك ؟ . سألتها هذا السؤال بعد أن أخذتها من يديها المرتعشتين ؛ لتقودها إلى الجلوس على الصالون .

وقصَّت عليها ما جرى لها ليلة البارحة من أمر ذاك السارق وهي تنصت باهتمام بالغ لكل ما حصل ، لكنَّ المفاجأة الكبرى كانت في ذلك الجزء المتعلق بجارها هشام ، الذي تم على يديه إنقاذ حياتها . وهنا فغرت شينيد فاها وهي لا تكاد تصدق أنه ذات الشاب اللاجيء ، الذي ما انفكت أمها تنتقده ، وتصفه بأقبح الصفات ، ولقد كانت تسميه باللاجئ الوقح ، والذي كتبت شينيد نفسها مقالا سيئا بسببه عن اللاجئين في أيرلندا في صحيفة (Irish Times) الشهيرة ، وعن كونهم مجرد لصوص وقطاع طرق محترفين ومافيات ، لا همَّ لهم سوى الاستفادة من الخدمات الاجتماعية ، التي تتيحها الحكومة لهم ، وسوى استغلال أجواء الحرية والديمقراطية ؛ لتحقيق مآربهم الخاصة . ولم تستبعد في مقالها هذا من أن يحصل لأيرلندا من التفجيرات كتلك التي حصلت في إسبانيا ، واصفة إياهم بأوصاف لاذعة كالذباب والسوس الذي ينخر في المجمتع الأيرلندي ، وأن هذا السوس ليشكل تهديدا خطيرا لثقافة المجتمع ونمط معيشته وحياته ، في حال تساهلنا مع مثل هذه الظاهرة الشريرة ! . لقد كان هذا ملخص ما كتبته الصحفية اللامعة شينيد ، في عمودها اليومي ، تحت عنوان : (اطردوا الذباب) ، منذ حوالى أسبوع مضى .

والمفارقة العجيبة أنها اليوم تحمد ربها على نجاة أمها من الموت المحقق ، بسبب شجاعة الشاب نفسه ، الذي كانوا يشتمونه ، ويدعون لطرده من البلاد . ويا لعجائب الأقدار ! . وقالت لأمها بعد ذلك نادمة ووالهة :
- يا إلهي ، كم كنا مخطئين في حق هذا الشاب البريء ! .
- الذنب ذنبي أنا يا بنيتي .. أنا التي عاملته بقسوة وعنصرية دون أي سبب سوى كراهيتنا وعنصريتنا العمياء . يا إلهي .. سامحني يا رب ! . لقد أرسل إليَّ أمسِ دعوةً خاصة لحضور عيد ميلاده ، فما كان مني إلا أن رميتها أمام منزله وقد كتبتُ عليها عبارات لاذعة وقاسية .. قالت ذلك متأثرة وقد نزلت دموعها على تجاعيد وجهها .
- بحق الجحيم ماذا يا أماه كتبتِ ؟ . سألت بتوتر وانفعال .
- لقد كتبتُ عليها عبارة : ( أيها الوغد ، عُد إلى بلادك ، واحتفل هناك بعيد ميلادك ! ) .
- وامصيبتاه .. لا أكاد أصدق . إنها لعبارات قاسية فعلا يا أماه .. أترى يسامحونا الرب ؟! . كم نحن قساة أحيانا ! . وقد غطت وجهها بكلتا يديها الناعمتين ؛ تعبيرا عن حالتي الحزن والخجل ! .
- لكن يا بُنيتي ليس قبل أن نطلب صفحه وعفوه عنا أولاً . قالت وهي تنشج بصوتها ! .
- صدقتِ يا أماه . أجل ، إنه لمن الواجب أن نذهب إليه ؛ كي نعتذر له عما بدر منا من سوء تصرف وخلق . وهذا أقل ما يمكن أن نقدمه .
- حسنا يا بنيتي ، ما رأيك في أن نقوم بزيارته مساء هذا اليوم ؟ .
- لكن يا أماه ، كيف سنزوره من غير أن نحدد معه موعدا أولا ؟ .
- لا تهتمي بهذا ، إنه جاري وأنا أعرفه جيدا ! . إنه لا يأبه كثيرا بمثل هكذا أمور .
- حسنا ، سأحضر معي باقة ورد ، كتعبير عن تقديرنا وعرفاننا له . فكرة جيدة ، أليس كذلك ؟ .

(8)

وعند الساعة الثامنة مساءً رنّ جرس بيت هشام ، الذي أنهى لتوه حماما ساخنا بعد يوم عمل شاق . مشَّط شعره بسرعة وارتدى ملابس فضفاضة خفيفة ، وخرج يفتح الباب . وما إن فتح الباب حتى وجد العجوز روز ، مع فتاة طويلة ممشوقة القامة ، جميلة الوجه ذات شكل جذاب ، وقد زادت باقة الورد التي تحملها بين ذراعيها من سحرها . رحَّب بهنَّ كثيرا وأدخلهن إلى غرفة الضيافة . استهلّ حديثه بالاطمئنان على العجوز روز ، ومن ثم بالترحيب بهن ثانية .
- هذه هي ابنتي شينيد ، وهي تعمل كصحفية في جريدة Irish Times. قالت العجوز . وفي الحقيقة فلقد احمرّ وجه شينيد، التي لم تكن ترغب في التعريف بها على هذا النحو، الذي يذكرها وربما يذكره هو كذلك بما كتبته ضد اللاجئين في مقالها المثير للجدل.
- يشرفني التعرفُ عليكِ. قال هشام مبتسما. وابتسمت هي بدورها ابتسامة خفيفة؛ لتخفي احمرار وجهها، وهي تقول :
- أنا سعيدة بالتعرف عليكَ أيضا!. في الحقيقة كم نحن فخورون بما قمتَ به من عمل رائع وشجاع بالأمس؛ لإنقاذ أمي.. إننا لمَدينون لكَ حقا!. ولتقبل منا باقة الورد هذه ، كعربون وفاء وتقدير لك!.
- شكرا جزيلا لكما . في الواقع لا داعي لتوجيه كل هذا الشكر إلي ، فأنا لم أقم بأي شيء أكثر من أداء واجبي تجاه جارتي العزيزة روز ! . وابتسم لها وقد كانت عيناه تلمعان وتعكسان مدى الغبطة التي يشعر بها . فيما شعر كل منهما بمزيدٍ من الخجل والخزي تجاه مَنْ كان يكنَّان له كلَّ كره وبغضاء ! . كانت فعلا لحظات قاسية ، أحسا فيها بمستوى جهلهما لمعادن الناس وثقافاتهم . وقف هشام وهو يعرض عليهما قائلا :
- لا يمكنني الانتظار أكثر من هذا ، ماذا ترغبان أن تشربا ؟ . ثم تابع حديثه بعد عدم حصوله على إجابة منهما سريعة وقد ظهرتا مرتبكتين ، تحدق إحداهما في عين الأخرى . حسنا ، ما رأيكما في قهوة عربية ، هل جربتما من قبل مذاقها ؟ . إنها ستكون لذيذة . أرجو ذلك ! . قالها مازحا بروح من الدعابة .
همست شينيد في نفسها معجبة : إنه لفتى خفيف الظل مرح ، ومن العيب أن يستأهل منا كل هذا ! . لقد خطف بدعابته وخفة روحه وتواضعه وانفتاحه عقلها وأسَرَ روحَها وتفكيرها ، وبكل هذه السرعة . وانطلق هشام إلى المطبخ لتحضير القهوة . وهنا انتهزت شينيد فترة غيابه ؛ لتأنِّب أمها على تقديمها لها على هذا النحو ، الذي يبعث على الخجل والاستحياء ! . وما هي إلا دقائق حتى كانت القهوة بـ(الحَب هان) جاهزة تفوح بين أيديهما .
- يا لها من رائحة زكية ! . قالت العجوز وهي ترفع حاجبيها ، تعبيرا عن مدى إعجابها .
- أجل إنها لرائعة ، لم أشم في حياتي قهوة كهذه ! . علَّقت شينيد مبتسمة .
وظلا يستمتعان بمذاقها اللذيذ ، حتى آخر رشفة بينما خيّم الصمت على الجميع . ولم يكسر هذا الصمت المطبق إلا حينما بادرنه بتوجيه الشكر على حسن إعداده للقهوة . لقد كان حقا لقاء صعبا ، ظلوا يتبادلون فيه النظرات تلو النظرات ، ولم يستطيعوا فيه تجاوز الحواجز النفسية المتراكمة ، التي كانت أشبه بجبل جليدي ! . كان هشام مستغرقا في التحديق بوجه شينيد طويلا وكأنه ينعش ذاكرته ، وقد ابتسم ابتسامة حذرة ، فور تذكره هذا الاسم ومعه هذا الوجه الصبيح . لم يكن اسما غريبا على مسامعه . وبعد لحظات تأمل وتذكر ، تركز في ذهنه أنها شينيد تلكم الصحفية ، التي فتحت بمقالاتها النيرانَ على اللاجئين والمهاجرين الأجانب . وزاد من تأكده صورتها ، التي كانت عادة ما توضع على صدر مقالاتها في الجريدة . وانتابه شعور بالدهشة ، لكنه وجد أن الوقت غير ملائم للبوح بهذا ؛ فكتم أنفاسه ومشاعره الجياشة . وفي المقابل فقد ازددات شينيد إعجابا بهدوء شخصيته ورزانته وانفتاحه ، على الرغم من أن الحديث بينهما لم يجرِ طويلا ، وعلى مدى هذا اللقاء القصير ، لم تستطع أن تنفكَّ بعينيها الخضراوين الجميلاتين عن النظر إلى وجهه . وفي هذه الأثناء نظرت أمها إلى الساعة بحذر ، وقالت :
- لقد تأخرنا يا بنيتي ، علينا أن ننصرف ! .
- أجل يا أماه ، لقد تأخرنا ، ونخشى أن نكون قد أخذنا من وقت السيد هشام . قالت وهي تتمنى في قرارة نفسها أن تبقى فترة أطول معه ! .
- لا عليكما ، يمكنكما البقاء أكثر ! . قال هشام مجاملا .
- شكرا جزيلا لكَ يا ولدي هشام ، سوف نوفِّر هذا الوقت لزيارة أخرى . قالت وهي ضاحكة ! .
- كما تريان ، مرحى بكما في أي وقت شئتما ! .
لقد سُرّت شينيد لسماع هذه الكلمات أيما سرور ، وفي الواقع هذا ما كانت تتوق إليه وترجوه . ابتسمت كابتسامتها الساحرة التي دخلت بها ، وخرجا معا على أمل إعادة الزيارة ثانية . لقد ترك هذا اللقاء بشكل عام انطباعا حسنا في نفس هشام ، كما ترك ذات الانطباع وأكثر لدى روز وابنتها . وشعرا الاثنان معا أن صفحة من العداء وسوء التفاهم قد طويت وسويت إلى الأبد . وقد كان هذا بمنزلة انتصار كبير لهشام ، الذي ذاق الأمرّين من هذه العجوز . وعبّر عن فرحته هذه بقوله وهو يسد الباب وراءهما متنهدا عن كبد حرَّى : ( تفعل الصدف أحيانا ما يعجز الخلق جميعا عن فعله ! ) . في إشارة إلى الحادثة التي وقعت مؤخرا .

(9)

ومرّت الأيام والأسابيع وهشام لا يزال منهمكا في عمله ، يخرج ضحىً ويعود مساء وسط تحيات جارته روز ، التي لم تعد تلقاه إلا بوجه طلق . هذا وقد انتشرت قصته لدى الجيران الآخرين ، وصار حديثهم لفترة من الوقت وقد ذاع صيته بينهم . وذات عشية وفيما كان عائدا إلى بيته ، التقى شينيد وهي تهم بالدخول إلى منزل أمها . كانت ترتدي تي شيرت قرمزي مع سروال جينز سماوي . بادرته بالتحية بيدها مبتسمة وشعرها المصبوغ باللون الأسود . كان قد بدا منسدلا على كتفيها ووجهها المضيء وعينيها الخضراوين . لقد كان حقا منظرا رائعا وساحرا وجذابا . ردّ هشام عليها التحية ، لكنه لم يجد الرغبة في الحديث إليها ، ودخل مسرعا إلى منزله . خمنت شينيد حينها أنه ربما كان متعبا .
وبعد أن تجاذبت أطراف الحديث مع أمها ، خطر على بالها أن تزوره ، لكن هذه المرة بمفردها . وأحست أنها فكرة جيدة ومناسبة . إنها ومنذ أن راقبته عن كثب في زيارتها الأولى ، وهي لا تنفك عن التفكير فيه .. لقد شغل عليها كل تفكيرها .. إنها لأول مرة تشعر أن إنسانا يستحوذ على قلبها ، بمثل هذه السرعة كما استحوذ عليه هشام . ربما ستكون اليوم من أشد المؤمنين بالحكمة التي تقول : إن أشد الصداقات هي التي تنشأ عقب أشد العداوات ! . سألت أمها بعض الأسئلة الفضولية ، التي كانت تتحاشى أن تسأل هشاما عنها مباشرة . كنوع العمل الذي يزاوله وكعُمُره وأصدقائه وزُوَّاره وروحاته وعشيقاته إن كان له عشيقات ، ومتزوج هو أم غير متزوج . كانت أسئلة كثيرة وثقيلة ، وقد أجابت أمها عما تستطيع الإجابة عنه . لكن لم تكن لتفوّت لها كل هذا الاهتمام ؛ فسألتها بشكل لا يخلو من الذكاء والمداعبة ، التي تخفي وراءهما شغفها بمعرفة ما يدور في ذهن ابنتها ، إن كانت ستقدم فعلا على الزواج منه ! . ردَّت شينيد بشكل لا يخلو من المداعبة والحيلة بقولها :
- إنه مجرد فضول وحسب ! . عموما أنا سأحاول زيارته الآن ، أم يا ترى نسيتِ ما وعدناه به ؟ . قالت هذا ؛ بعد أن وجدته مبرِّرا كافيا ، يُبعد الشبهة على الأقل عما يدور في رأس أمها .
- لا يا بنيتي لم أنسَ . لكن ألا تؤجلينها إلى يوم آخر ، فأنا كما تري منهكة هذا اليوم ، ولا أستطيع القدوم معكِ .
- واأسفاه . ليتني كنت أستطيع تلبية طلبك هذا ، لكنني لن أجد وقتا بعد هذا اليوم ! .
- حسنا يا بنيتي ، إذا كان هذا هو رأيك ، فلتنقلي إليه سلامي وتحياتي ! .
- سأفعل يا أماه . ردت وهي تكاد تطير من الفرح .
ودخلت شينيد إلى غرفة أمها ؛ لترتب نفسها وتسرّح شعرها الحريري الناعم ، وتضع شيئا من العطر الفرنسي على عنقها ، وهي تأمل في أن تحقق شيئا في زيارتها هذه ، وليس أقل من دعوته على تناول عشاء في مطعم إيطالي راق . ثم خرجت .. وقفت أمام بيته وأخذت تقرع الجرس . كان هشام وقتها مستمتعا بالاستماع إلى محطة (98FM) على الأثير ، وما تقدمه من أغانٍ رومانسية هادئة . قطع استماعه ودموعه وهرع لفتح الباب ، وإذ به وجها لوجه مع شينيد وهي تبتسم طالبة الإذن منه بالدخول . لم يجد هشام ما يقوله لها غير أن لبى طلبها مع ابتسامة مماثلة ، ودخلا معا إلى غرفة الاستقبال .. جلست وجلس هشام قبالتها . احتارت بأي شيء تفتتح به حديثها ، ثم تشجعت وقالت بعد أن مررت يدها على شعرها تسرحه :
- لقد رأيت أن نفي بوعدنا لكَ ، ولتعذرْ أمي عن عدم تمكنها من زيارتك ؛ وذلك لانشغالها ، وهي بالمناسبة تنقل إليك تحياتها وسلامها الحار . أرجو ألاَّ تكون مشغولا سيد هشام ! . قالت مستدركة وهي ترقب ردة فعله .
- كلا ، جل ما في الأمر أنني كنتُ أستمع إلى الموسيقى . ما هي أخبارك ؟ . قالها وهو يتصنع ابتسامة يخفي بها إحساسه بالألم الذي يعصر قلبه ، ليس منها ، ولكن من ذاك الألم البعيد ! .
- على خير ما يرام ! . وقد وجدتها فرصة طالما أنه ذكر الموسيقى ؛ للولوج معه في الحديث . وطفقت تسأله عن نوع الموسيقى التي يحب الاستماع إليها ، وعن أفضل المطربين لديه ، وعن أحدث ألبوم نزل في السوق وعن الحفلات التي يرتادها ... وهكذا دواليك . ونجحت الخطة ، وها هو هشام يمضي معها ناسيا حتى نفسه ، فضلا عن آلامه وجراحه . لقد كانت ساعة ممتعة بكل معنى الكلمة ، بدت فيها شخصية هشام الحقيقة .. شخصية هشام المرحة المثقفة والمُلمة بكل جوانب المعرفة . وقد وجدت شينيد ضالتها ، فقد كان هذا النوع من الحديث يستهويها أشد استهواء ، واستطاعت من خلال هذا الحوار الممتع ، أن تضرب عصفورين بحجر واحد كما يقولون .. فإلى جانب تسليها بالحديث الشائق ، تسلت أيضا ببعض المعلومات المهمة لديها ، والتي ظلت تلح وتتطلع إلى معرفتها . فعرفت أنه صحفي ، كما عرفت أنه ليبي الأصل أيرلندي الجنسية مثلها وكان هذا مفاجئا لها .. وعرفت أنه يعمل كبائع للصحف ، ومحب للأدب والأدباء وخاصة الأيرلنديين منهم .. لكنّ الشيء الذي لم تتمكن من معرفته حتى تلكم الساعة ، هو قضيته وهمه وحزنه وألمه وجرحه النازف منذ عشر سنوات ، والمتمثل في زوجته وابنته ! . وكان من الصعوبة بمكان أن تصل إلى معرفة جرح دفين وعميق كهذا ، كما أنه اعتذر عن تلبية دعوتها له لتناول عشاء في أحد المطاعم . وانتهى اللقاء عند هذا الحد ، وأقنعت شينيد نفسها بهذه الغنيمة على أن تعاود الكرة تارة أخرى . ودَّعته بحرارة على أمل اللقاء به ثانية .

(10)

مضى شهر تقريبا على لقائهما الأخير ، وقد زاد هذا من ولع شينيد وتلهفها لرؤيته من جديد . كانت صورته لا تفارقها ، وكان حديثه المنمق لا يغيب عن مسامعها . كانت شينيد في الثلاثينيات من عمرها ، تقطن في شقة لوحدها قرب مقر عملها في الصحيفة ، أي وسط المدينة . وفي إحدى المرات وبينما كانت تتجول بفستانها الفيروزي الجميل في حديقة (Stephens Green) ؛ للتخفيف من ضغط العمل ، التقته صدفة جالسا على أحد الكراسي أمام بحيرة صغيرة ، يفكر في المصير الذي سيؤول إليه . وبمجرد رؤيتها له تمنت لو تضمه بين ذراعيها وتقبله ، وفجأة سمع صوتا بلبليا يغرِّد وراءه قائلا :
- هل تسمح لي بالجلوس معكَ سيدي ؟ . كانت تمازحه .
التفت خلفه ، فوجد نفسه ينظر إلى عينين خضراوين كانتا مباشرتين دافئتين ودودتين . لقد بدت جذابة وفتية بشعر أسود منسدل على كتفيها ، وبقُصّة متدلية على أهداب عينيها . أجابها مبتسما وهو يخفى في نفسه ذاك القلق الرهيب :
- يا مرحبا .. تبدين رائعة ، تفضلي يمكنك الجلوس هنا ! .
- شكرا جزيلا لكَ ! . يبدو أنك كنتَ مستغرقا في التفكير في أمرٍ ما ! .
- أجل ، إنني لأفكر فيما لا يستطيع جميع أهل دبلن حمله ! .
- يا إلهي .. لابد أنك تبالغ . قالت دهشة . ثم تابعت قولها : لتعذرني على تطفلي ، لكن هل يمكنني أن أعرف ؛ لعلي أستطيع أن أحمل جزءا منه ! .
وخيَّم السكون للحظات ، بدا فيها متعبا شاحبا ثم تأوه قائلا :
- إنني يا سيدتي أفكر في زوجتي وابنتي ، اللتين لم أرهما منذ عشر سنوات تقريبا ! . إنهما هناك (وقد أشار بيده إلى خلف الأشجار) ، يقبعان خلف سور الفاشية العظيم ، الذي ضربه العقيد على وطن وشعب بأسره ، والذي يتلقى الدعم اللامحدود للأسف الشديد من العالم الغربي المتحضر ؛ عالمكم يا سيدتي الصحفية ! . ثم استمر قائلا بتلقائية وهي تنصت إليه بخشوع وذهول كاملين ، وقد بدت عيناه ممتلئتان بالدموع : آسف على قولي هذا ، لكنها الحقيقة ، التي ليس لي بد منها . كنتُ صحفيا مثلك ، أحب مهنتي الإنسانية الشريفة بالدرجة التي أمقت فيها الفاشية ، التي ضُربت على شعبي ووطني ؛ فآليتُ على نفسي ألا أسكت وأستكين وأنا أرى شعبي يختنق ويموت أمام بصري وتحت ناظري ؛ فكتبتُ منددا بهذا الظلم والعسف ، لكن ليس على صفحات جرائدنا الخرقاء الميتة ، إنما على صفحات جرائد أخرى تصدر خارج الوطن . وما إن قرأ هؤلاء الأوغاد ما جاء في مقالاتي حتى اعتقلوني وساموني سوء العذاب وأودعوني غياهب السجن لمدة عام كامل ، ولم يطلقوا سراحي إلا بعد أن تدهورت حالتي الصحية ، وقد سحبوا مني جواز سفري ، ومع ذلك استطعت الفرار بجلدي بجواز سفر مزور ، مخلفا ورائي زوجتي وهي حامل في شهرها التاسع وابنتي لجين ، التي لم أرها حتى هذه اللحظة . وقد انقطع بي الاتصال بهم منذ ثلاث سنوات ، وأنا لا أدري أحيتان هما أم ميتتان !! . إنهم يرتهنون النساء والأطفال يا سيدتي .. هل يرضيك هذا .. وهل يرضي أيرلندا كلها ؛ لا بل العالم أجمع ؟ . قال لها هذا وهي في غاية التأثر والحزن والبكاء .. لم تعرف بداية بم تجيبه ، لكنها استجمعت قواها ثانية ، وقالت متسائلة بحذر :
- لكن لماذا لم تخاطب هيئات حقوق الإنسان والأمم المتحدة في هذا الشأن ؟ .
- لقد أسمعتِ لو ناديت حيا ! .. لقد ذهبت دعواتهم أدراج الرياح سيدتي . إنها أشبه بصيحات واعظ في البرية . أليس هذا مؤلما حقا ، عندما يموت ضمير الإنسانية جمعاء .. أليس مؤلما حقا ، حينما يدعو بعض الصحفيين في أيرلندا لطردك من البلاد ؟! . وزلزلت هذه الجملة الأخيرة كيانها .. لقد أدركت وبما لا يدع مجالا للشك أنها هي المعنية بذلك ، وأنه قد اطلع على مقالها ، الذي خطته منذ فترة ماضية .. ولم تشعر بالذنب كما شعرت به في هذه اللحظات .. إنه كخنجر انغرس في صدرها .. كشوكة رشقت في أعماق قلبها . تجمدت في مكانها وارتعشت شفتاها وارتعدت فرائصها . ولم تجد ما تقوله له غير مواساته بالدموع ! . ثم قبضت على يديه ضاغطة والدموع ما زالت تهطل بغزارة على خديها الورديين ، ونظرت إليه بعينين مبللتين ، تدلان على قلب منكسر :
- إني آسفة يا عزيزي .. أرجوك أن تسامحني .. أضرع إليك يا صديقي . لقد كانت هفوة مني .. لقد كنتُ حمقاء متسرعة .. ما كان ينبغي عليَّ فعل كل ذلك .. إنها .. وأرادت ذكر اسم أمها ، التي كانت السبب وراء حملها على كل هذا ، ولكنها توقفت . لم تكن لتجرأ على ذلك . وانهمرت عيناها الجميلاتان بالدموع ثانية . لقد كانت ضحية أمها وضحية الإعلام المزوِّر ، فيما كان هو ضحية أولئك اللاجئين السماسرة ، الذين لا قضية ولا مبدأ لهم في هذه الحياة ، سوى اللهاث وراء جمع المال بكل الطرق ، ورحم الله ميكافيلي ! .
وهنا أشفق هشام على هاتين العينين المذهلتين ، وضمها بين ذراعيه في إشارة لقبول عذرها ، قائلا :
- لا عليك يا صديقتي .. كلنا يخطئ ، لكن عليكِ أن تتذكري دائما أن أصابع اليد الواحدة لا تشبه بعضها ! .
- أعدك يا صديقي أنني سأكفِّر عن خطأي هذا بمقال أتناول فيه قصتك المؤلمة هذه ، وسأنوه على أنه من الظلم والإجحاف خلط الأوراق ومعاملة كل المهاجرين الأجانب معاملة واحدة . إننا كصحفيين يجب أن نقف إلى جانب قضاياكم العادلة .. وإنه لشرف لي أن أتحدث عن مناضل مثلك ، يستحق وسام شرف منا جميعا ! .

شكرها هشام على موقفها النبيل الشجاع هذا ، وأخذها من يدها اليمنى فيما التقطت يدها الأخرى حقيبتها الجلدية السوداء ، وغادرا المكان جنبا إلى جنب ، وقد وجد نفسه يخوض حديثا لبقا وديا ، دار حول الحياة في دبلن وصعوبتها في هذه الأيام ، حتى تواريا كلية عن الأنظار .

(11)

وفي صباح اليوم التالي ، تصدَّرت قصة هشام مع صورته الصفحة الأولى من جريدة (Irish Times) الشهيرة ، والتي يطلع عليها مليونا شخص يوميا في مختلف أنحاء البلاد تقريبا . وراح وجهه مألوفا لدى الناس جميعا ، خاصة أولئك الذين يمرون بسياراتهم عليه وهو يتجول بائعا الصحف بين أعمدة إشارات المرور . كان أغلبهم متعاطفا معه إلى درجة كبيرة . وتلقت الصحفية المرموقة شينيد العديد من رسائل الشكر ، عبر بريدها الألكتروني وعبر رسائل القراء ، في الصحيفة ذاتها . وشعر هشام بالفخر بكون هؤلاء يقفون معه ويؤيدونه ، كما شعر بالفخر أيضا لانتمائه للأمة الأيرلندية ، وخفف هذا مما كان يتعرض له من ضغوط ، إذ ما عاد يتلقى صفعات الإهانة والعنصرية والسخرية على وجهه . واقتربت شينيد أكثر من قلبه . وذات مساء يوم سبت ، وبينما كانا يتناقشان فيه عن أمور الأدب وبالأخص عن جائزة (إمباك الأدبية) الدبلنية لهذا العام 2004 ، التي فاز بها الكاتب المغربي (الطاهر بن جلون) عن روايته (تلك العتمة الباهرة) ، والتي تبلغ قيمتها المالية (100ألف يورو) ، مع منافسة قوية مع عشرة كتاب آخرين ، كما تطرقوا في حديثهم عن جائزة العام الماضي ، التي فاز بها الكاتب التركي (أورهان باموك) عن روايته (اسمي أحمر) ، وكيف أن هذين العملين الأخيرين ، كانا مسلطين على معالجة أحداث محلية واقعية تاريخية ، متعلقة بصراعات الإنسان مع واقعه الاجتماعي والسياسي المعقد بروح جريئة وشجاعة ، ومن ثم قفزوا للحديث عن السينما والمسرح في أيرلندا ، وهما جالسان في مقهى من المقاهي الجميلة في منطقة (Ballsbridge) بدبلن رقم 4 ، رنّ جرس هاتفه الخلوي ، الذي على ما يبدو من صديقه السابق بشير . لم يستبشر به خيرا وفتح الخط ؛ ليقول له بشير : البقية في حياتك يا هشام ! . اضطرب هشام اضطرابا شديدا ، وأراد أن يعرف المزيد من التفاصيل ، فقال له صاحبه الذي جاءت له زوجته بهذا الخبر المفزع ، والعائدة لتوها من ليبيا : إن زوجته وابنته قد تعرضتا لحادث سير أليم بينما كانا يقطعان الطريق أمام أحد المساجد ، التي كانا يتسولان أمامها ، ولقد لقيا حتفهما مباشرة ، إذ كانت الضربة قاتلة ! .

وعندها أغشي على هشام ، ونقل إلى المستشفى حالا ، وقد أدخل إلى غرفة العناية المركزة ؛ ليفارق الحياة بعدها بساعات قلائل إثر أزمة قلبية حادة ألمت به . وأصيبت شينيد بهزة نفسية عنيفة ، ظلت تعاني منها طيلة حياتها ، كما بكته العجوز روز وبكاه أهل الحي قاطبة ، وجللت صحيفة (Evening Herald)، التي كان هشام يتولى بيعها ، جللت بالسواد في اليوم التالي ، ونعته صحيفة (Irish Times) نعيا حارا . وشيع جثمانه إلى مثواه الأخير في مقبرة تقع في منطقة (Newcastle) جنوبي دبلن ، جمعٌ كثيف من السياسيين والإعلاميين والصحفيين ، وفي مقدمتهم صديقته الصحفية شينيد .
________________________________________________

(*) عن المجموعة القصصية "قطار الحب"، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 2005


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home