Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Friday, 23 November, 2007

       
       

الخديعـة (4)

ـ رواية ـ

صلاح الحداد

الفصل الرابع

المنشية: رياض سُكّرة ، يونيو/رمضان ، 1801

للتو ولج الموكبُ رتاجَ رياض سكّرة بالمنشية ، المحاط بحراسة مشددة . إنها استراحة غنّاء أخرى من استراحات الباشا ، التي خصصها لقضاء أوقات سمره ليلا مع الغلمان والجواري الحسناوات ، حيث يضم المنتزه نحو مائتي جارية ، جُلبن من مختلف أصقاع المعمورة ، كلهن تقريباً من أصل مسيحي . وعلى الرغم من تردي الأوضاع في الإيالة ، إلا أن الباشا لم يُعر اهتماما لأحوال شعبه البائسة . كان يعيش في عالم آخر ؛ عالم من الشبق الجنسي اللامحدود ، ملبيا بإخلاص وتفانٍ كل شهواته الجنسية ، دون شيء من وخزات الضمير ، التي ربما شوشت أو عززت المغامرات الجنسية الطائشة ، التي كان يقوم بها فرانسوا الأول ، أو شارل الخامس ، أو هنري الثامن ، أو حتى الاسكندر السادس . كان موعده في هذه الليلة الرمضانية المباركة ، حيث أعلن عن بداية الشهر منذ أسبوع ، وذلك بإطلاق مدافع القلعة ورفع الأعلام على كل الجوامع والقلاع . وقد تزامن هذا الإعلان مع خارقة أخرى من خوارق الشيخ عبد الجليل ، حيث زعم أنه عثر على عنزة تكلم الناس ، وتنطق الشهادتين ، وتصعد المئذنة لتؤذن الفجر . وصدّق الطرابلسيون كالعادة ، وتدفقوا على جامع الناقة لرؤية العنزة المباركة . قال لهم إنها لا تأكل إلا قلب اللوز، ولا تشرب إلا الماء المُحلى بالسكر ؛ فتدفقت عليه أكياس اللوز، وأطنان السكر ، فيبيعها للتجار ويكدس الأموال .

وبعيدا عن خوارق الشيخ عبد الجليل التي لا تنتهي ، وحكاوي القراقوز ، الذي جرت عادته في أن يثرثر قرب حمام طورغود العمومي ، الذي أقامه اسكندر باشا ، في مطلع القرن السابع الميلادي ، على الأطفال قصة الخابية (الجرة) وسط اكتظاظ مقاهي البلدة بالعامة من الناس ؛ لإحتساء القهوة ، وشرب الشيشة ، وتبادل آخر أخبار العنزة ، وفيما انتهى أبناء الباشا من تسلية أنفسهم باللهو على الجياد فوق الرمال ، متجهين إلى الجابية حيث الاستحمام قرب حدائق التوت ، كانت الخيول المذهبة ، تقتحم الممر حيث أشجار النخيل الباسقة ، تغطي الرياض .

وفيما افترش الصغار الأرض منصتين ، أوقد الحكواتي الفانوس وراء ستارة بيضاء شفافة ، وطفق يلعب بأجسام مصنوعة من الورق وراء ضوء الفانوس ؛ قائلا "كان يا مكان في قديم الزمان ، رجل يُدعى الحاجيوان . يكتشف الحاجيوان مكان جرة ملئية بالذهب مردومة في الأرض، ولكنه لم يتبين موقعها بدقة؛ فقرر أن يستعين بالعفاريت والجان ، كي تدله على مكان هذه الخابية . وحتى يتسنى له ذلك استعان بقراقوز في إعداد طقوس التعزيم وإحضار الجن والعفاريت . لكن قراقوز رفض مساعدته ؛ لأنه كان يخشى العفاريت ، غير أن الحاجيوان يجبره على مشاركته بالتهديد والوعيد . وبينما بدأت طقوس التعزيم على الخابية المدفونة ، ارتبك القراقوز في ترديد التعزيمة الصحيحة من فرط الخوف . وبدلا من خروج الخابية ، خرج العفريت صاحب الخابية . وبكلمات سحرية تحول الحاجيوان إلى خروف سمين ..." .

اجتازت مركبة الباشا الفاخرة والمزخرفة من الداخل والخارج بركةَ ماء ، تضجع في فناء القصر الفسيح . كان الباشا يستنشق الهواء المنعش القادم من البحر عبر نافذة الهودج ، بعد يوم طويل بلغ فيه القيظ مبلغا عظيما . استقر الموكب عند شجيرة ، أغصانها مليئة برائحة طيبة . أمال الباشا رقبته نحو السماء وأخذ يرمق القمر وهو يصعد في الأفق ، مغطيا الفضاء بضوء شاحب ، وكاشفا عن خيوط زرقاء تملأ الأفق . تقطب جبينه حينما سرح بفكره حول المخاطر المحتملة ، التي تهدد بقاءه على كرسي الحكم . سمّر عينيه تجاه الأفق الذي بدا مُحمرا ، فيما تداعت على مخيلته خواطر رهيبة . كان أولها عدوته اللدودة مصراتة ، وثانيها سيف النصر ؛ شيخ قبيلة أولاد سليمان وطموحه السياسي ، وثالثها غريان المتمردة بقيادة الشيخ عبد الوافي ، ورابعها صراع أبنائه على السلطة ، وربما أخيرا وليس آخرا؛ الثعلب الأمريكي توماس جيفرسون . لقد بدا مهتما أكثر بدهاء هذا الأخير، لا سيما بعد تحذير الفرنسيين له من أنه لا يتوانى في استخدام أي وسيلة مهما كانت قذرة ؛ لتحقيق الحُلم الأمريكي في المنطقة، بما في ذلك أخيه المخلوع أحمد ، اللاجيء حاليا في مالطا. ضاق صدره وأحس بوعكة خفيفة في بطنه ، لكنه سرعان ما نفخ شدقيه، في محاولة منه لاستعادة صلابته من جديد . تذكر وصايا مستشاره اليهودي حاي موشيك السبع ، حول كيفية الاحتفاظ بالعرش مدة أطول ؛ وهي : التخلص من أخطر خصومك بأكثر الوسائل قسوة ووحشية ، والإكثار من الوعود ، وبث وإشاعة الخرافة بين العامة من الناس ، وتقسيم الأراضي وتوزيع العطايا على حاشيتك ومعاونيك ؛ مما يجعلك محبوباً ، وافتعال الحروب ليظل الناس بحاجة دائمة إليك كقائد مظفر . فالحرب تساعدك على التخلص من معارضي حُكمك ، حيث تقدّمهم إلى الصفوف الأولى في المعركة ، وزيادة عدد حرسك الخاص على أن يكونوا من المرتزقة ، ثم عليك بالمتعة ، فهي تطيل العمر وتزكي النفس وتطرد الكدر .

دبّت في جسده قشعريرة أعادت له توازنه . كان بالفعل قلقا ومضطربا ، إلا أنه أراد أن يقتل قلقه واضطرابه هذا بالمتعة والجنس والشراب . مسح جبينه بمنديله الأحمر ، ثم ما لبث أن ترجّل متبخترا ، وكأن شيئا لم يكن ، نحو القصر المصنوع من الرخام ، والمكسو بالآجر الصيني ، والمكوّن من طابقين ، حيث تنفتح غرفه على وسط الحوش الغني بالزخرفة المتمثلة في مستراح من الخشب المخدوم ، والمطلي بالدهان ، فيما تدعمه أعمدة مرمرية بتيجان مستلهمة من تيجان رومانية ، والمتمثلة أيضا في بلاط الأرضية وكسوة الجدران بالرخام ، المخضب برسوم ملونة ، تمثل في الغالب أزهارا أغريقية . لقد بدتْ الأجواء ليلية رائعة ، اختفت فيها الغرف والممرات الغارقة في صمت مطبق ، فيما صمدت القناديل الزيتية دامعة ، تلون رواق الأنس واللهو في الطابق الأرضي . وفي داخل هذا الرواق الفخم المطل على الفناء ، وقد بدت فيه الزخرفة النباتية صارخة بألوانها الفاقعة ، يتوسطه نحت مدهش على هيئة حورية البحر ، اصطفت الجواري وهن في كامل أناقتهن وزينتهن . طاف الباشا عليهن ، مرتديا زبونه البني ، وضفائر البوسكل الصغيرة تتدلى من قمة كبوسه الأسود . حرص على مصافحتهن واحدة بعد الأخرى . ولم يمض وقت طويل حتى وضع منديله الحريري الأحمر على كتفي جاريتين جميلتين .

لا يزال الصغار ينصتون إلى الحكواتي ، الذي استمر قائلا : يستغل قراقوز هذا الوضع ؛ فيعرضه للبيع لجزار . وعندما يتعذر الاتفاق على السعر ، يعود العفريت من جديد ، ويعيد الحاجيوان إلى حالته الطبيعية . بيد أن مفعول السحر يطال هذه المرة القراقوز ؛ فيتحول إلى حمار يعتلي ظهره الحاجيوان الذي طفق يغني ، متشفيا من قراقوز جراء تصرفاته الرعناء وخوفه من العفاريت . بالطبع ، فإن هذا السلوك أغضب الحمار وهو قراقوز ؛ فيسقط الحاجيوان عن ظهره ، ويرفسه برجليه . وللمرة الثالثة يظهر العفريت ؛ ليبطل السحر عن قراقوز . ويعود الحاجيوان فيكرر محاولات التعزيم مهددا العفريت بالقتل ، إذا لم يستجب لرغبته في استخراج الخابية ، وهي ملأى بذهب أصفر لماعا كخيوط الشمس . وأخيرا ، استجاب العفريت وأخرج الخابية . والآن كيف تتم القسمة بين الطرفين ؟ . سأل الحكواتي الأطفال . ثم أردف : في هذه الأثناء ، يقترح الحاجيوان على قراقوز أن يخلد الاثنان إلى النوم بعد كل هذا العناء ، على أن تبقى خابية الذهب بينهما . لكن قراقوز يفطن إلى ما يهدف إليه الحاجيوان ؛ فقام بعد أن ترك الحاجيوان يغط في نوم عميق ، ومد يده خلسة إلى فوهة الخابية ، ثم شرع يلتقط سبائك الذهب قطعة قطعة . وعندما أغراه بريق الذهب ، فضل أن يأخذ الخابية بأكملها ؛ ليخبأها في مكان ما ، ثم عاد إلى مكانه بالقرب من الحاجيوان ؛ متظاهرا بالنوم . استيقظ الحاجيوان ، فلم يجد الخابية ولا شيئا من الذهب ... ها يا أولاد ، ما الدرس المستفاد من الحكاية ؟ . سألهم بعد أن انتهى العرض . توغل الباشا الآن في دهاليز الرواق ، حيث غرفة لطيفة مطرزة بأثاث فرنسي فخم ، كان هدية ثمينة من لويس السادس عشر . لوّح الباشا ببصره تجاه إحدى زوايا الغرفة ، ومضى يمشي ببطء قرب جدار عُلقت عليه أنسجة مزركشة بالرسوم والصور . أما تحته فكان عدد كبير من الخزانات اللؤلؤية الباهظة ، مصنوعة من صدف السلحفاة ومن خشب الابنوس ، إضافة إلى صناديق مصنوعة من الذهب ، فوقها أباريق وسرج وبنادق ومسدسات مطرزة بالذهب والفضة ، ومشبعة بالحجارة الكريمة . اقترب الباشا من مكتبة فاخرة ، مصنوعة من خشب الجوز ، ومسندة على الحائط قرب سريره . كانت المكتبة معبأة بكراريس فيها أشعار وأحاديث في العشق ، وكتب مصورة فيها خرافات ، جنبا إلى جنب مع كتب العزائم والرقى . كما تحتوي هذه المكتبة على كتب ومخطوطات مدونة بلغات أجنبية ، أرسلت كهدايا من قبل أباطرة أوروبا وقناصلها للأسرة الحاكمة . ومن بين هذه المخطوطات التي تقبع على أرفف مكتبة الباشا ، مخطوطة "روح القوانين" ، لمؤلفها الشهير الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو ، الذي قضى في تأليفها عشرين عاماً . لكنّ الباشا عزف عن تصفحها ، ناهيك عن قراءتها . كان مهتما فقط بتصفح مخطوطات ، كمخطوطة "نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب" ، للتيفاشي التونسي ، و"كتاب الإيضاح في علم النكاح" ، للسيوطي ، و"تحفة العروس ومتعة النفوس" ، للتيجاني ، وغيرها كثير وكثير . وكلها يدور حول الاستعراض المثير والثري للجسد الأنثوي . ومن المسائل التي كان الباشا مولعا بها ؛ مسائل فقهاء المالكية وفتاويهم الجريئة حول أمور النكاح ، رغم كونه حنفي المذهب . ومن بينها ، مسألة إباحة إتيان المرأة في دبرها ، فقد سأل ذات مرة الشيخ عبد الجليل المالكي ؛ إمام جامع الناقة وشيخ الطريقة العروسية ، عن إتيان المرأة في دبرها ، فقال : إن الله تعالى يقول: نساؤكم حرث لكم . والأست مزرعة الفرج ، فمن حلت له القرية ، حلت له المزرعة . كان الباشا يعشق هذه الفتوى ، وهو لا ينفك يرددها في مجالسه . لقد سبّبت هذه الفتوى جدلا واسعا ومعارك طاحنة بين فقهاء المالكية والحنفية في جوامع طرابلس . ولفرط عشقه لمذهب مالك في هذا الخصوص ، فقد علّق جدارية فارسية رائعة فوق أريكته ، كتبت فيها هذه الأبيات من الشعر ، بخط فارسي مدهش ، وهي :

ومذعورة جاءت على غير موعد      تقنصتها والنجم قد كاد يطلع
فقلت لها لمّا استـــمر حديثها           ونفسي إلى أشياء منها تطلع
أبيني لنا هــل تؤمنين بمالك           فإني بحب المالكية مولع
فقالت نعم إنـي أدين بــدينه             ومذهبه عـدل لدي ومقنع
فبتنا إلى الإصباح ندعو لمالك          ونؤثره فيما احتسبنا ونتبع

لوّح الباشا بعينيه تجاه هذه الجدارية ، إذ غالبا ما يفتتح ليلته بتأملها ، ثم ألقى نظرة خاطفة على لوحة عظيمة ملونة ، ظهر فيها سلاطين من آل عثمان في أوضاع غير محتشمة مع الجواري والغلمان ، وقد نقش فوقها عبارة "ربّ يسر" ، وكأنها تقول تمتع ، ولا تنسى أنك في حضرة الله . كانت الأرضية مفروشة بحصير مصري ، عليه سجاد تركي . وقبل تمدد الأريكة توجد لحافات من منادير الساتان مع زهور ذهبية . وفيما استرخى فوق أريكة قرمزية مخملية مطرزة بالذهب بعد أن خلع ملابسه الرسمية ، قُدمت إليه القهوة في فناجين صغيرة من الذهب على سفرة فضية ، عبر عبدين أسودين مخصيين مزينين بالذهب والفضة ، واستوى المفتي حمد الفرطاس على كرسي خشبي ؛ ليشرع في تلاوة قصص مسلية من مخطوطة فريدة ، تعود إلى القرن التاسع الهجري ، بعنوان "زين المجالس" ، للفقيه أبي الثناء الحنفي الشهير بالعيني ؛ شارح صحيح البخاري . يجدر بالذكر أنه بقدر ما تحمل أريكة الباشا الفخمة من قصص اللهو والمتعة ، بقدر ما تحمل أيضا من قصص مُرعبة . فكم من الرؤوس التي قطعت وردمت تحتها . إن هذه هي إحدى هوايات الباشا ، وهي أن يلهو باللذة فوق سريره ، وتحته جماجم خصومه ومناوئيه . في فترة ماضية ، اعتقد بعض الخدم أن هناك كنزا تحت هذا السرير ؛ فحفروا وبعد كسر مصطبة الأرضية وبأنفاس متقطعة لمدة ثلاث ليال ، اكتشفوا كمية من الشعر البشري والعظام والأسنان ، فسرعان ما أقفلوا المكان وأعادوا كل شيء إلى مكانه .

"هيا .. هاتِ ما عندك يا مفتينا الحنفي العظيم" . هتف وهو يعبث بلحيته ضاحكا ، وعلى يمينه الأيرلندية الشقراء "صباح أو صبوحة" ، وهو اللقب الذي أطلقه الباشا عليها بعد اعتناقها الإسلام . لقد وقعت سبية في يد القراصنة الطرابلسيين بقيادة الرايس مراد ، في إحدى غاراته على الشواطيء الجنوبية لأيرلندا . كانت جذابة بعينين خضراوين تنبعث منهما الحياة ، لم تكن تتجاوز العشرين . قلّبَ الشيخ المشتعل شعره شيبا صفحاتِ الكتاب ، وأخذ يسرد الحكايات تلو الحكايات ، وكانت هذه أولاها ...

إلى اللقاء ..


       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home