Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Friday, 23 June, 2006

       

تأثير النص الديني المقدس في الفكر الإسلامي :
تدمير قانوني السببية والنسبية

دراسة تحليلية نقدية
(*)

صلاح الحداد

(1)

"وفقا لاستطلاع للرأي أجرته إحدى القنوات العربية الإخبارية ، فإن 89% من النسوة في الأردن أبدين موافقتهن على ضرب أزواجهن لهن في حالة عدم إطاعة أوامر الزوج . إحدى الضحايا وتدعى (أم محمد) والتي ضربها زوجها ضربا مبرحا ؛ لأنها لم تقم بإعداد وجبة الغداء ، علّقت قائلة : أنا أعرف أن من حقه أن يضربني ، ولكن ليس بهذه القسوة ، لقد تحول جسدي إلى قطعة من التوت!" (صحيفة الشرق الأوسط ، 18/4/2005 ، العدد: 9648) .

مقدمة : بالإشارة إلى ما ورد في الاقتباس أعلاه ، فإن السؤال المركزي الذي أفترض أن يطرح نفسه هو: مَنْ الذي أعطى الحقَّ للرجال في ضرب زوجاتهن ؟ وبمعنى آخر ، من كان وراء دفع عامة الناس إلى الاعتقاد بدنوّ منزلة المرأة عن منزلة الرجل ؟ . الجواب يتحدد في هذا النص القرآني: "الرجال قوامون على النساء بما فضل اللهُ بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ... واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا" (النساء:34) .

في واقع الأمر ، فإن غالبية الدول الإسلامية تُبْنَى قوانينُها المعاصرة على توجيهات القرآن الإلهية المقدسة . فقانون الأحوال الشخصية في هذه الدول مثلا ، لا يزال يترسم كلمات الله وتوجيهاته الربانية . وأيا كان الأمر ، فإن هذا يُعدّ مثالا بسيطا عن مدى تأثر الفكر والثقافة الإسلامية بكلمات الرب بعامة ، وعن مدى قناعة المرأة المسلمة بأوامر الإله لهنّ بالخضوع لسُلطة الرجل وهيمنته بخاصة . ولمعرفة كيف تمت بالضبط هذه العملية "المغناطسية" المعقدة ، فإنه يجب علينا فهم القصة من بدايتها . وقبل أن أغوص بعيدا ، فإن ما يجب التأكيد عليه ههنا هو أن أي دين - حسبما يبدو - لديه بعضٌ من هذه الطقوس المقدسة ، سواء كان ذلك في النصوص المقدسة ، أو الأزمنة والأمكنة المقدسة . والإسلام - بلا شك - ليس استثناءً من هذه الحال . ربما بعض الناس وخصوصا المسيحيين منهم ذوي الصلة أو المعرفة بكتابهم المقدس "الإنجيل" ، قد يذهبون إلى الاعتقاد بأن القرآن شبيه بالإنجيل ، لكن سيكون مفاجئا لهم الإجابة بلا . فمن وجهة النظر الإسلامية ، فإن القرآن نزل مباشرة وحرفيا من الله . لم يدوّن القرآن بواسطة بشر مُلْهَمين كما هو الحال مع رسائل بولس الرسول (10-67م) . كلا ، إن مادة القرآن تحتوي على كلمات الله المباشرة ، أو بمعنى آخر فإن القرآن يمكن أن يكون كتجسيد المسيح لله كما في العقيدة المسيحية(1) . إذن ، فإن القرآن وفق الاعتقاد السائد منذ قرون هو خطاب الله المنزل لتنظيم علاقة الإنسان بالله من جهة ، وعلاقة الناس بعضهم ببعض من جهة أخرى . علاوة على ذلك ، فإن القرآن عبارة عن فكرة "أيديولوجية" أكثر منه شعيرة من الشعائر الدينية . إنه منهج حياة يشكّل فكر المسلمين ومعتقدهم وسلوكهم ، وبالتالي يصل تأثيره ونفوذه تقريبا إلى كلّ جوانب الحياة اليومية للفرد المسلم.

بالطبع ، فإن الجدل حول ما إذا كانت طريقة تفكيرنا تتأثر باللغة التي نتحدثها أم لا ، لم ينقطع منذ بزوغ فجر الفلسفة(2) . ومهما يكن من أمر ، فإنني في هذه الدراسة سأحاول تعزيز النظرية القائلة بأن طريقة تفكيرنا متأثرة إلى حد بعيد باللغة التي نتحدثها ، خصوصا تلكم اللغة التي يتكلمها الله (لغة الوحي) ؛ لِمَا لها من قداسة في أفئدة الناس . لذلك فإن ما أريد التركيز عليه هو كيفية تأثر الفكر والثقافة الإسلامية بالنص الديني المقدس ، وذلك من زاويتين اثنين فقط ؛ هما : تأثير النص الديني المقدس (القرآن) في الفكر الإسلامي من خلال تدمير قانوني السببية والنسبية . هدف هذه الدراسة هو النظر في مفهومي الجوهر والعرض ، والضرورة والاقتران ، والعادة والتجويز ، والانفصال والاتصال ، والنسبي والمطلق ، وفي مفهومي الزمان والمكان . وللقيام بهذا كله ، فإني سأغوص عميقا للتعرف على طبيعة المُوحي ذاته (الله) ، كما جاءت في القرآن وشرحت فيما بعد من قبل الفقهاء ، محللاً العناصرَ التي تقف خلفها ، وناظرا إلى أي حد يخترق فيه النصُ الديني المقدسُ فكرَ المسلمين وثقافتهم ، مرورا بالتمعن في كيفية تجسيد كلمات الله ، ليس فقط لوصايا الدين الإسلامي وأحكامه ، بل لتاريخ وثقافة وتراث العرب والمسلمين أجمعين ، وصولا إلى النتيجة التي مفادها أن الفكر الإسلامي ، لا يزال أسيراً لعالم ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) وعلاقاته الخارقة للعادة ، وقواه الفائقة للعلوم ، وبالتالي تظل الثقافة الإسلامية مُولّدة وحاضنة ومربية في ذات الوقت لأقسى أنماط الحكم الشمولي الاستبدادي في العالم.

منهـجية البحث : طريقة البحث المعتمدة في هذه الدراسة ، ستكون على النحو الآتي: سأتحرى الكشف عن قصة النص الديني المقدس ، مبتدئا بطرح هذه الأسئلة: كيف كان النص القرآني نصا مقدسا ، وكيف يعتبره المسلمون مقدسا ، وماذا يعني المقدس في ثقافة المسلمين ؟ . بعد ذلك سأنقّب البحث عن طبيعة الإله كمصدر للوحي ، ناظرا إلى خصيصتين إلهيتين رئيسيتين ؛ هما : الانفصال التام والحق المطلق . وبعد النظر في هاتين الخصيصتين كلاّ على حدة ، سأقوم بتحليل للكيفية التي عَمِلتْ فيها هاتان الخصيصتان على تدمير قانوني السببية والنسبية . وفي نهاية المطاف ، سأرسم خلاصة بعواقب هذه الكارثة المروعة ، عارضا كيف أن الفكر الإسلامي لا يزال فكرا متخلفا ومُحَنّطا في متاحف التاريخ .

ملحوظة : لا يجوز إعادة نشر هذه الدراسة إلا بإذن من الكاتب ، وإلا ستعد قرصنة. إلى اللقاء ..

haddadsalah@yahoo.com
________________________

(*) هذه الدراسة مترجمة عن الأصل الإنجليزي ، وهي بعنوان :
The Influence of Islamic Sacred Texts on Muslim Thought and Culture: Destroying the Causality & Relativity Principles. By Salah Haddad, Jan 2006.
(1) يجدر بالذكر أن نصارى بلاد الشام وعلى رأسهم "يوحنا الدمشقي" كانوا يرتضون ويرحبون بمقالة الفقهاء والمحدثين في القول بقدم القرآن ؛ لأنهم يتخذون من الحكم بأن كلام الله قديم سبيلا لأن يقيموا الحجة على أن المسيح قديم ، وتكون تلك الحجة من القرآن ذاته ، إذ فيه أن المسيح كلمة الله ، وكل كلام الله قديم ، وكلمة الله قديمة فالمسيح قديم ، إذن فهو إله أو مجسد للإله .
(2) See "The influence of language on culture and thought: essays in honor of Joshua A. Fishman" Robert L. Cooper & Bernard Spolsky (eds.) 1991, Mouton de Gruyter, Berlin & New York.


       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home