Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

الإربعاء 23 يونيو 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

رواية

ألسنة اللهب (2)

صلاح الحداد

-2-

خضع نزار ذو الاسم الحركي ، الذي خُلع عليه حديثا ، خلال الستة أشهر التي تلت أمر ترقيته إلى الجهاز السري إلى دورات تدريبية عسكرية مكثفة ، جرت في ظروف طبيعية مختلفة وقاسية في بلدان أفريقية وأوروبية عدة ، أشرف عليها مدربون محترفون من جنسيات مختلفة . كان من أترفها في نظره تلكم الدورة العسكرية عن القناصة عن بعد ، التي أجريت جنوبا في الصحراء الليبية ، واستعملت فيها بنادق للقنص ، مزودة بجهاز الرؤية الليلية ، تعد الأكثر تطورا في العالم . لقد وجد في هذه الأخيرة متعته ، مقارنة بدورة تلقي فنون الاختفاء والسرية والتمويه والاغتيال ، التي جرت في البوسنة ، تحت طاقم تدريب ياباني ، والتي كاد أن يلقى فيها حتفه . إنه فن النينجا العظيم .

هل سمعتَ من قبل عن النينجا ؟ ، سأله المدرب الياباني هاتوري هانزو يومها . حكّ نزار ذقنه الحليق الناعم مبتسما : باستثناء ما شاهدته صغيرا من أفلام الكرتون على التلفزيون ... ابتسم المدرب وهو يقول : إذن الأمر لا يعدو عن كونه متعة خيالية . حسنا ، هل سمعت من قبل عن عيون القطط الشمسية ؟ . بالتأكيد لا ، أجاب نزار . إذن ، أنت لا تعرف شيئا عنها .

ثار فضول نزار وكأنه تلميذ في الصف الأول الإبتدائي ، وسأل : هلاّ حدثني عن عيون القطط الشمسية ، سيدي ؟ . داعب المدرب القلم بأصابعه ، ثم قال : لأن عيون القطط حساسة جداً ، فهي تتعدل باستمرار مع مرور الشمس في السماء ، لذا استخدم النينجا هذا النوع من الساعات لسبب معرفتهم الجيدة لخصائص عيون القطط ، فقاموا قديما بابتكار طريقة مبدعة لمعرفة الوقت ، وذلك باستخدام عيون القطط الشمشية ، وهي طريقة معرفة الوقت عن فتحة العين . فعلى سبيل المثال ، تبدو عيون القطة مستديرة تماماً ومفتوحة أثناء فترات الغسق فجرا وغروبا ، ثم يقل حجمها إلى شكل بيضاوي بين الساعة الثامنة صباحا إلى الرابعة مساء ، ويضيق أكثر ما بين العاشرة والثانية ظهرا ، وتصبح في منتصف النهار أكثر ضيقا ، إلى حد تشبه فيه الإبرة تقريباً في خط مستقيم . انتابت نزار الدهشة حينما اكتشف مدى جهله بهكذا علوم ، وتساءل ما إذا كان سيستغني عن ساعته الثمينة مستقبلا .

في غضون شهر ، خف وزنه وانتفخت عضلاته وصار ينط كالكرة على الأرض ، وقد اكتسب مهارات النينجا في استعمال مختلف الأسلحة والخدع وأساليب التمويه ، بالإضافة إلى دراية تامة بعلم الفلك ، وعلم الأحوال الجوية ، وعلم بيئة الحيوانات والنباتات . لقد تبدلت حياة نزار كلية ، منذ أن صار عضوا في الجهاز السري ، فهو الآن مفصول عن التنظيم الأساسي وممنوع من رؤية إخوانه في الجماعة ؛ لا بل حتى من الصلاة جماعة في المساجد ، بحسب لوائح الجهاز الصارمة . وإمعانا في السرية والتضليل فقد عُمم بيان صادر من قيادة الجماعة على كافة أعضاء التنظيم ، يبلغهم فيه باستقالته من الجماعة ، حتى يتم إبعاد أية شبهة لاعتقاله إذا ما تم كشف التنظيم الأول . لقد استفاد الإخوان من تجارب أخطاء الجهاز السري القاتلة سابقا ، لاسيما حادثة سيارة الجيب عام 1948 ، التي اكتشفها البوليس السري ، وعثر فيها على جميع أسرار النظام الخاص لجماعة الإخوان ، كان من بينها أوراق التكوين والأهداف وقوائم طويلة بالأسماء .

استقبل الإخوان خبر استقالته من الجماعة بحزن واستغراب عميقين ، وبعد مضي سنوات على الحادثة ، أصبح نزار رجل أعمال ناجح ، يمتلك مكتبا فخما بمبنى ذات العماد في قلب العاصمة طرابلس ، يُدير فيه شركة تجارية وهمية تُدعى "الصنوبر" لاستيراد الأثاث وغرف النوم ومستلزمات البناء . لا أحد منهم الآن يذكر سيرته ؛ لا بل اسمه وصورته .

****

لاحت له في الظلام حظيرة الطائرات بمطار روما ، وكان قد طلي عليها الرقم "25" بخط كبير وواضح ، فدخل إلى الموقف وترجل من سيارة الأجرة رجل في أواسط الثلاثينيات ، فاره الطول مفتول العضلات حليق الرأس في كامل أناقته ، يجيد عددا لا بأس به من اللغات الأجنبية من بينها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية .

ظهر أمامه فجأة رجل طويل الوجه ، آتيا من خلف المبنى ، يرتدي بدلة طيران ، فناداه سائلا: الأخ نزار ؟ . كان صوته ودودا إلا أن لهجته كانت غريبة . فأجابه نزار وهو يقفل باب السيارة : أنا هو .

- مرحبا بك ، لقد حططت لتوي . اتبعني من فضلك .

شعر ربان الطائرة بقلق نزار وتوتره ، فسأله : ليس لديك مشكلة في الطيران ، أخي ، أليس كذلك ؟ . أجابه : نعم ، على الإطلاق .

قاد الرجل نزارا عبر حظيرة الطيران ، ثم انعطفا عند الزاوية المؤدية إلى المدرج . توقف نزار مذهولا ، وهو يحدق فاغرا فاه بالطائرة الأنيقة بنية اللون والمتوقفة على الطريق المسفلتة :

- هل سنستقل هذه الطائرة ؟ . ابتسم الرجل ابتسامة عريضة ، وقال : أتعجبك ؟ . أجابه قائلا بعد أن حدّق مليا : تعجبني ، ولكن ما هذا بحق الله ؟ .

كانت الطائرة أشبه بطائرات استأجرتها وكالة المخابرات الأمريكية السي أي ايه ؛ لنقل سجناء القاعدة عبر مطارات العالم ، حيث يتم تعذيبهم واستجوابهم . كان نزار قد رآها مؤخرا على شاشات التلفزيون في تقارير إخبارية .

إنها من نوع استيشن جت 1 ، قال الربان ، ثم أردف بالقول : وهي مخصصة لرحلات رجال الأعمال مثلكم ، تتسع لخمسة ركاب ، وتتمتع بكفاءة الأداء والمرونة . إن أدائها الرائع يسمح لها بالهبوط في مطارات المدينة ذات المدارج القصيرة ، وبذلك يمكن للمسافرين الوصول إلى أقرب مطار من وجهتهم النهائية . لم تكن لدى الربان أي فكرة عمّن يكون زبونه هذا .

رفع الربان المعبر الخشبي قائلا : تفضل ، من هنا أخي نزار من فضلك . انتبه إلى خطواتك . غاص نزار في مقعد من مقاعد الطائرة الجلدية الوثيرة عند الصف الأول داخل القمرة الخالية ، فوضع له الربان حزام الأمان ، واختفى متجها نحو غرفة القيادة .

سمع نزار فجأة هدير المحركات من تحته ، وهو يصدر رجرجة عنيفة ؛ ليشعر بعدها وكأن الطائرة قد بدأت تتأهب لسحق خط سير المصعد بعجلاتها الضخمة ، كما تناهى إلى سمعه تسجيل لموسيقى كلاسيكية هادئة . لاحظ نزار أنه لم يخضع لأية إجراءات تفتيش روتينية في المطار ، الأمر الذي ترك لديه انطباعا بالدهشة من قوة الجهاز السري وتغلغله في أرجاء العالم . يا لنعمة الإخوان ، خاطب نفسه منتشيا !

حقا ، كان كل ما ينقصه في هذه الطائرة الأنيقة الفخمة كأسا من الشامبانيا ، إلا أنه تعوذ بالله سريعا من الشيطان ، فقد تذكر أن ارتكاب المحظورات ، هو أمر مسموح له به في حالات الاضرار فقط ، فالضرورات تبيح المحظورات ، والضرورة تقدر بقدرها ، حسب الدورة الشرعية المكثفة التي تلقاها في القاهرة مؤخرا .

استعاض عن الشامبانيا بكوب ساخن من القهوة التركية ، فيما شرع في تلاوة دعاء السفر كما حفظه من جلسات الأسر مع إخوانه : "بسم الله ، الحمد لله ، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون . اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى ، اللهم هون علي سفرنا هـذا واطوِ عنا بعده ، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل" .

وبينما أخذ يقلب النظر في الكم الهائل من جوازات السفر المزوّرة المكدسة في حقيبته ، والتي طبعت عليها صورته بأشكال مختلفة ، طفق الهاتف على الحائط خلفه يرن . رفع نزار السماعة وأجاب قائلا : أهلا .

- مرتاح ، سيد نزار ؟ . من الواضح أنه كان ممنوعا على أعضاء الجهاز التخاطب بلغة إسلامية .

- إطلاقا .

- حاول الاسترخاء ، سوف تكون هناك خلال ساعتين فقط من الآن .

- ولكن إلى أين نحن ذاهبون تحديدا ؟ ، سأل نزار ، وقد أدرك أن لا فكرة لديه على الإطلاق عن المكان الذي يقصده .

- إلى أنقره ، أجاب المتحدث ، فيما أخذ الربان يزيد من عدد دورات المحركات .

- يا إلهي .. أنقره !! تنهد نزار بقوة .

وبينما كان نزار يحاول التغلب على المغص الذي ألم بمعدته والاسترخاء ، صارت الطائرة تقترب من نجوم السماء ، وهي تحلق على ارتفاع 30 ألف قدم فوق سطح الأرض . وعلى الرغم من التوتر الذي لم يفارق نزارا للحظة واحدة ، فقد اتبسم ابتسامة ماكرة عندما رقصت أمام عينيه صورة مفوض العلاقات الخارجية للإخوان المسلمين ورجل الأعمال الكبير، يوسف ندا ، وهو ينفي على شاشة البي بي سي العربية الفضائية ، وجود شيء اسمه التنظيم الدولي للإخوان ، قائلا في نفسه : كم هذا العالم سخيف وساذج ! .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home