Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Tuesday, 24 January, 2006

     

الطريق إلى الديمقراطية (1)

نجح الألمان والإسبان فهل سينجح الليبيون؟

دراسة تحليلية مقارنة (*)

صلاح الحداد

مقدمة : من جهة، يكاد معظم النقاد المؤرخين يتفقون على أن الاستسلام غير المشروط للجيش النازي بقيادة هتلر، كنتيجة لِمَا أسفرت عنه نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، كان النقطة الجوهرية في التحول نحو الديمقراطية في ألمانيا الغربية. ومن جهة أخرى، فإنه يمكن الزعم أيضا إن غالبية المحللين من المؤرخين، يتفقون على أن نهاية الحكم الديكتاتوري في جنوب غرب أوروبا، وأعني موت الدكتاتور "فرانكو" في إسبانيا عام 1975، كان لحظة حاسمة في التاريخ الإسباني المعاصر، فتحت الباب على مصراعيه للتحول الناجح إلى الديمقراطية. بيد أنه لم تكن هذه الأحداث التاريخية في كلا البلدين على أهميتها العامل الوحيد، الذي ساهم في عملية التحول الديمقراطي هذه. بالطبع، فإن العوامل التي تقف وراء التحول الناجح إلى الديمقراطية كانت كثيرة ومتعددة، الأمر الذي جعلني أتناول هنا عاملين فقط من ضمن هذه العوامل العديدة. في هذه الدراسة، سأقوم بمناقشة أهم هذه العوامل : (1) دور الاقتصاد (2) ودور الأفراد. على أي حال، فإن ما أحاول عمله في هذه الدراسة هو تحليل هذه العوامل، التي ساهمت في عملية الدمقرطة في كل من البلدين، بداية مع الفترة التي شهدت ولادة الجمهورية الإسبانية الثانية في 1931، مرورا بعام 1949، وهو العام الذي رأت فيه الجمهورية الفدرالية الألمانية النورَ، وانتهاء بالنجاح الباهر لتوطيد التجربتين الديمقراطتين في كلا البلدين.

منهجية البحث : ستكون طريقة البحث في هذه الدراسة على النحو التالي : سأقوم بامتحان ملف كل بلد على حدة، ناظرا في عملية التحول إلى الديمقراطية، ومن ثم توطيدها بخاصة فيما يتعلق بالعوامل المشار إليها أعلاه. وبعد النظر في ملف كل بلد منفردا، سأقوم بتحليل مقارن قائم على هذين العاملين، ذاكرا أوجه الاختلاف والتشابه الرئيسة بين البلدين. وأخيرا، سأقوم برسم خلاصة عامة للموضوع وفق العاملين الأساسيين في عملية الدمقرطة؛ خلاصة تنتهي بالقول : إنه من دون هذين العاملين المهمين، يكون من الصعب إن لم يكن من المستحيل تخيل نجاح التجربة الديمقراطية بالشكل المرضي في كل من ألمانيا وإسباني. وقد يساعدنا هذا في نهاية المطاف على طرح هذا السؤال الأساسي، ومن ثم محاولة الإجابة عنه؛ وهو : هل سينجح الليبيون في التحول إلى الديمقراطية، أم ستبقى هذه البقعة من الأرض، المطلة على شاطئ المتوسط الجنوبي، في مقابل أعرق الديمقراطيات في العالم منزوية على نفسها، تحكم بقوانين حمورابي ومعاوية والقرمانلي وأبي منيار القذافي ؟. ما هي فرص هذا التحول إذا كان ثمة من فرص من هذا النوع ؟ وهل يمكن أن تتحدد إجابتنا عن هذه الأسئلة وغيرها من خلال التجربتين الإسبانية والألمانية، اللتين سنقوم بتحليلهما ؟.
وقبل المضي قدما، يجب عليّ أن أشرح ما الذي أعنيه بعملية التحول من الأنظمة الفاشية إلى الأنظمة الديمقراطية. لذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه بالضرورة، هو كيف يمكن تعريف عملية التحول إلى الديمقراطية وشروطها المصاحبة. ولفعل هذا عليّ أن أعرّف أولا المقصود بكلمة الديمقراطية نفسه. فكما لاحظ " Renske Doorenspleet":

"الديمقراطية هي نوع من النظام السياسي المتضمن الآتي (1) وجود قاعدة المشاركة في عملية صنع القرار السياسي لجميع المواطنين، من خلال الانتخابات التنافسية الحرة، التي يتم الاحتكام فيها إلى صندوق الاقتراع (2) وجود مؤسسات شرعية دستورية يتمكن من خلالها كافة المواطنين التعبير بشكل فعّال عن الخيارات والبدائل والحلول السياسية على المستوى الوطني. وكنتيجة لما تم عرضه، فإن الأنظمة غير الديمقراطية يمكن تعريفها على أنها الأنظمة، التي تفشل في تحقيق المتطلبات المشار إليها آنفا" (Doorenspleet, 2005:15)

وكما شرحت أعلاه، فإن الديمقراطية تعني بالدرجة الأولى سيادة القانون وحكم الدستور. الديمقراطية لا يمكن لها بأي بحال من الأحوال أن تسيء إلى حقوق الإنسان الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير والانتخاب والاعتقاد والاختلاف إلخ. الديمقراطية بشكل عام يجب أن يكون لها تأثير إيجابي على المجتمع، الأمر الذي يفضي بالنهاية إلى توفير حياة كريمة، ينعم فيها كافة المواطنين بالرخاء والتقدم. وبعد الانتهاء من تقديم التعريف الشائع للديمقراطية، أعتقد أنه قد حان الوقت لمعرفة المقصود بعملية التحول إلى الديمقراطية. على أي حال، فكما بيّن "Bonime-Blanc" في كتابه الموسوم بـ"Spain's Transition to Democracy":
"... الانتقال يمكن ابتداء تعريفه كتحول مرحلي لإصلاحات تبدأ مع تغيير النظام. وهذه المرحلة من الإصلاحات المتزامنة مع تغيير النظام من الممكن أن تشمل على اثنين أو أكثر من التطورات التالية : (1) تركيب المجتمع وتأسيسه على أسس سليمة (2) تحرير النظم الاجتماعية الاقتصادية (3) دسترة الممارسات والأنشطة السياسية (4) تحرير ودمقرطة أجهزة الدولة. (Bonime-Blanc, 1987:6)

ومع كل هذه التطورات الناتجة، يبدو من الواضح أن عملية التحول إلى النظام الديمقراطي تتطلب جهدا شاقا ووقتا طويلا من السنوات حتى تتكلل بالنجاح. أمر آخر في عملية الدمقرطة يجدر بي التنويه به، وهو تحت أي شروط يمكن لهذه العملية أن تتم وتتوطد بنجاح، أو هل من عوامل محددة يمكن لها أن تؤثر على عملية الدمقرطة نفسها ؟. للإجابة عن هذه الأسئلة، دعوني الآن أقم بمناقشة وتحليل الملفين المقترحين، مستهلا بالملف الإسباني.

في الملف الإسباني، وعلى الرغم من التاريخ الدموي، الذي سُطِّر إبان عقد الثلاثينيات (الحرب الأهلية)، فإن بعض المسائل والقضايا الأساسية، التي كانت وقود ذلك الصراع، بقيت عالقة وقابلة للانفجار في أي وقت حتى بعد موت فرانكو عام 1975. قضايا جوهرية مثل وضع الأقاليم التي تطالب بحكم ذاتي، مستقبل الملكية، وضع الجيش، ودور الكنيسة الكاثولوكية في الحكم. ووفق معطيات التحول الديمقراطي، فإن إسبانيا تعد بالأساس مثالا رائدا لكيفية إنجاز التحول الديمقراطي وتوطيده من دون اللجوء إلى استعمال العنف. والمثير للانتباه، على الأقل بالنسبة إليّ، هو ما كان من قدرة الإسبان على حل مشكلاتهم وقضاياهم العالقة هذه بطريقة مسالمة متحضرة، كان أساسها الإحساس بالمسؤولية، التي تم فيها تنازل الغرماء السياسيين عن مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة لصالح قضايا الوطن الأرفع والأهم. على أي حال، ربما يكون من المفيد البداية بإعطاء لمحة تاريخية.

خلفية : ما بعد الحرب الأهلية ونتائجها الكارثية : في العشرين من نوفمبر 1975، أعلن رسميا موت "فرانسيسكو فرانكو"؛ حاكم إسبانيا الأبدي المطلق لمدة تقارب نحو 40 عام. وبموته ابتدأت عملية الدمقرطة في البلاد. لفهم أهم الخصائص التي طبعت هذه العملية، والعوامل الأساسية، التي كانت وراء هذا التحول، فإنه يكون من الضروري إلقاء لمحة خاطفة على الأحداث والظروف، التي جاءت بفرانكو إلى سدة الحكم. في الرابع عشر من أبريل 1931، جلبت الانتخابات العامة الاشتراكيين إلى الحكم، وأعلن على إثرها قيام "الجمهورية الإسبانية الثانية". هذا التغير الدراماتيكي أدى بالملك "ألفونسو الثالث عشر"، إلى الظهور للشعب الإسباني والإعلان بالقول :"أظهرت انتخابات الأحد لي أنه لا مجال للاستمرار في قيادة البلاد".(1) أعقب هذا الحدث مغادرة الملك البلاد والعيش في المنفى (فرنسا)، بعد ضغوط مورست عليه من قبل الحكومة. في السابع عشر من 1936، اشتعلت الشرارة الأولى لانتفاضة الجيش ضد الحكومة من معسكراته في المغرب. وفي صباح اليوم التالي استعر التمرد في صفوف الجيش لينتشر في كافة أرجاء أسبانيا. وفي خلال أيام انقلب هذا التمرد إلى حرب أهلية، استمرت ثلاث سنوات متتالية، ولتنتهي بانتصار القوى الوطنية بزعامة الجنرال "فرانسيسكو فرانكو" (Williams, 2000). وفي وقت قصير، استطاع فرانكو أن يوحد أتباعه تحت شعارات الوطنية الفاشية؛ ليصبح "رئيس الحكومة والدولة والقائد الأعلى للجيش، وليصير حزبه "الفالانج" الحزب السياسي الأوحد في البلاد". (2)

وبناء على ما تقدم، فإنه يمكن القول إن النظام الفاشي كان قد اعتمد على ثلاث ركائز أساسية في حكمه البلاد طيلة ثلاثة عقود؛ وهي : الجيش، الكنيسة الكاثولوكية، حزب الفالانج(Arango, 1985). الأمر المهم أنه خلال فترة حكمه حدثت سلسلة من التطورات الدرامية، التي سيكون لها عظيم الأثر في تقويض نظام الحكم. ففي عام 1947، أعلن فرانكو أن إسبانيا ستكون ملكية. ومع بداية الحرب الباردة في نهاية الأربعينيات، لعب فرانكو ببطاقة عدائه للأنظمة الشيوعية جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة الأمريكية، موقعا اتفاقية "سمح بموجبها بإقامة أربع قواعد أمريكية على الأرض الإسبانية في مقابل حصوله على معونات عاجلة بلغت نحو $1.8 مليار عام 1965، كانت كالمطر لصحراء قاحلة على حسب ما ورد على لسان أحد الوزراء".(3) وينبغي الإشارة هنا أنه بحلول عام 1959، تم تعريف الشعب الإسباني بخطة الاستقرار الاقتصادي، والتي كان أحد أبرز أهدافها فتح البلاد للعالم الخارجي وخاصة (الاستثمار الخارجي والسياحة)؛ لكسر العزلة التي عاشتها إسبانيا طيلة العقود الماضية. وقبيل مغادرة فرانكو الحكم إلى الأبد، قام بخطوة استثنائية بكل المقاييس، وذلك حينما أصدر تعليماته بتعيين الأمير "اخوان كارلوس" خليفة له (Williams, 2000& Gilmour, 1985).

وعلى ضوء ما عُرض حتى الآن، فإني أود أن أركز على ما أعتبره العوامل الأساسية، التي ساعدت في تدمير البنى الهيكلية الأساسية للحكم الفاشي، ومن ثم وضع البلاد على السكة الصحيحة. في الجزء المقبل، سنكشف النقاب عن بعض الاتجاهات السياسية والاقتصادية الاجتماعية الحاسمة، التي من دونها لم يكن للتحول الإسباني إلى الديمقراطية أن يكون محتمل، فضلا عن أن يتكلل بالنجاح.

إلى اللقاء..
haddadsalah@yahoo.com ________________________________________________

(*) هذه الدراسة مترجمة عن الأصل الإنجليزي مع بعض الإضافة الجديدة المتضمنة تعليقات تخص الوضع الليبي، وهي بعنوان :
"Beyond the Successful Transition to Democracy: Spain & Germany, by Salah Haddad, Jan 2006"
1. Williams Mark, the story of Spain: the dramatic history of Europe's most fascinating country (Santana Books, 2000, Spain) p196.
2. Gilmour David, the transformation of Spain: from Franco to the constitutional Monarchy (Quartet Books Limited, 1985, UK) p19.
3. Williams Mark, the story of Spain: the dramatic history of Europe's most fascinating country (Santana Books, 2000, Spain) p 237.


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home