Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Saturday, 22 July, 2006

       
       

الخديعـة (2)

ـ رواية ـ

صلاح الحداد

الفصل الثاني

قوس النصر "ماركوس أوريليوس" 20 مايو ، 1801

وفيما كان قرص الشمس يميل إلى الزوال ، اخترق موكبُ الباشا المُحاط بحراسة مشدّدة من فرق عسكرية من "الصبايحية" الخيالة و"التريس" المشاة ؛ تحسبا لأية عملية اغتيال مباغتة ، لا سيما بعد ذلكم الكابوس المرعب . اخترق الموكب أهازيجَ الأهالي وزغاريدهم المُجلجلة في سماء طرابلس المُلبّدة بالغبار الأحمر ، جرّاء رياح القبلي التي اعتادت أن تهب على المدينة أوائل كل صيف ، متفقدا آخر ما تم تشييده من بناء السور الذي هو ما بين الميناء وبرج المندريك ، والذي يعود تاريخ بنائه إلى عهد فرسان القديس يوحنا في القرن السادس عشر ، وكان تحت اسم "الكاستيلاجو" ، أي حصن الصخرة للدفاع عن مدخل الميناء ، وقد أعيد تحصينه في عهد "عثمان باشا" في القرن السابع عشر ، وأطلق عليه هذا الاسم التركي الجديد "المندريك" . وبالطبع ، فقد شملت الزيارة التفقدية عدة مواقع عسكرية أخرى . كانت الأجواءُ احتفالية تتناسب مع هذا الحدث المهم ، حيث الرايات العثمانية القرمزية ذات الهلال الذهبي ، ترفرف خفاقة على أسوار القلعة وصواري السفن الراسية في الميناء ، وعلى أسواق المدينة وحوانيتها ، جنبا إلى جنب مع راية يوسف القرمانلي الحمراء بخطوط أفقية صفراء . وأمام المنصة التي نصبت قبالة البحر على مقربة من قوس النصر الرباعي الواجهات ، والمقام تخليدا لذكرى الامبراطور الروماني "ماركوس أوريليوس" ، كان رئيس المرسى البحباح وهو بمنزلة وزير البحرية ، واقفا بقامته القصيرة أمام الباشا وكبار مساعديه ، يتوسطهم وليّ عهده ؛ الابن البكر "محمد باشا" ، العائد لتوّه من رحلة استجمام في فرنسا . كان البحباح يشرح بثقة وهو يرقب عيني الباشا الغائرتين "لقد قمنا يا مولاي إلى جانب بناء هذا السور ببناء حوالى عشرة مواقع دفاعية ، تعقبها الأبراج بسد الثغرات الدفاعية بين الأبراج والحصون القديمة من ناحية ، وتغطية المناطق المفتوحة في المدينة من ناحية أخرى". نشّ الباشا بمروحته المصنوعة من ريش النعام الفاخر الذبابَ المتكدس على وجهه ، غامزا إلى الشيخ الفرطاس ومعلقا بقوله "إن ينصركم الله فلا غالب لكم" . وانهالت التكبيرات من الحاضرين مباشرة ، فيما كانت هذه إشارة منه بالإيذان ببدء مراسم الاحتفال . وبعد أن أطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة من قبل فرق الطبجية ، وهم رجال المدفعية ، بدأ الاستعراض العسكري الذي تقدمته فرق مشاة البحرية الطرابلسية المعروفون بـ"زواوه" ، وهم يحملون البنادق والمسدسات إلى جانب السلاح الأبيض من سيوف وحراب وخناجر شرقية . وبعد انتهاء هذا العرض المهيب ، صفّق الحاضرون إعجابا وسط هتافات صاخبة من الجمهور ، نادت بطول عمر الباشا ، وتقدّم شاعرُ البلاط "أحمد القليبي" وهو يعرج إلى قلب المنصة ، وطفق ينشد هذه الأبيات المترجلة ، فيما كان الباشا يقلّب عينيه في السماء بحيرة وقلق كبيرين :

                          برج تجـلى مشـــيد الأركان            متناظـر الاتقان في البنيان
                          قد شاده فخـــر الزمان وكنزه           كهف الرياسة من بني قرمان
                          رب المحاسن يوسف الباشا الذي       فاق الملوك بفـعلة الإحسان
                          واقهر بهذا الحصن حزب عدوه         واجعله درع عصابة الإيمان
                          قد وافق التاريخ بــرج حافل            يرمي العدو بمـدافع النيران

"أحسنت" اكتفى الباشا معلقا مع ابتسامة متصنعة ، آمرا له بعطاء متواضع.

كان هذا اليوم يوم جمعة وقد غدت حرارة الشمس فيه شديدة على الأجساد ؛ مما جعل الباعة يتوارون في ظلال الخرائب والأشجار . وما إن ارتفع صوتُ الرجال على المآذن وهم ينادون لصلاة الجُمعة حتى أغلقت الحوانيت ، عدا بالطبع حوانيت اليهود والنصارى من المالطيين واليونانيين وسواهم . تقاطر الناس على بيوت الله ليشهدوا الصلاة ، أما الباشا فقد اعتاد الذهاب مع أسرته وحاشيته إلى جامع الدولة القرمانلية الرسمي ؛ جامع أحمد باشا الجد ، حيث الفخامة في شرفاته الداخلية المُذهَّبة ، وفي بيت الصلاة المشتمل على قاعة معمّدة ، أي يرتكز سقفها على أعمدة رومانية جُلبت خصيصا من مدينة لُبدة الرومانية الساحرة ، كما ينقسم من الداخل إلى 25 عنصرا فضائيا ، يتوجها عدد مماثل من القباب التي تربطها بالمربع التحتي مثلثات كروية ، تكسوها نقوش جصية بالتخريم على هيئة أشكال هندسية مرسومة وفق أسلوب هندسي متأثر إلى حد ما بمعمار عصر النهضة الإيطالي . وهو يقع بين أربعة شوارع من شوارع المدينة الرئيسة ، وله مئذنة ثُمَانية كما هو جارٍ العملُ به في المذهب الحنفي . وعلى المنبر الذي تتكون زخرفته من مواضيع زهورية جميلة . كان خطيب القصر المفتي حمد الفرطاس بلباسه الليبي التقليدي ، يخطب بحماسة متصنعة حول وجوب طاعة ولاة الأمر وحُرمة الخروج عليهم ، وأن الخارج عقوبته الإعدام ؛ لأن من شق عصا الطاعة كفر ومات ميتة الجاهلية ، كما ورد في الآثار الصحيحة . ومضى يقول وقد تناثر رذاذ أبيضٌ على فمه ولحيته الكثة ، مُلوِّحا بعصاه إلى جمهور المصلين : "أيها الناس لتعلموا أن وليّ الأمر ؛ مولانا يوسف باشا القرمانلي ـ حفظه الله ورعاه وأدام ظله وأبقاه ـ هو رئيس أمته ، وصاحب النفوذ الأول في دولته .. إنه خليفة الله في أرضه ، وإن حسابه على ربّه ، فليس عليه في فعله مسؤولية لأحد من رعاياه". ثم حدّق بعينيه الماكرتين في وجوه المؤمنين رافعا حاجبيه السميكين ، وساحبا نفَسا عميقا "ولتعلموا أيضا أن خيانته دونها حزّ الرقاب". وأشار بيده إلى رقبته فيما جحظت عيناه بشكل مفزع ، ثم واصل حديثه بعد أن عدّل عمامته البيضاء "فالله تعالى لا يحب الخائنين ، وقد جعل المنافقين في الدرك الأسفل من النار" . في إشارة منه إلى التطورات الأخيرة التي يبدو أن الباشا كان قد أوعز إليه بطريق خفي التطرُّقَ إليها ضمن خطة كان قد اختطها . وهزّ الباشا رأسَه استحسانا وإعجابا ، فيما كان عدد لا يستهان به من الحاضرين يغطون في نوم عميق .

أما في جامع سيدي الشعاب المطل على البحر ، والذي يعد من أقدم جوامع طرابلس تاريخا ، هذا إلى جانب كونه معقل الطريقة العيساوية في المدينة ، فقد شنّ خطيبه الذي يُعدّ أحدَ أكبر المتصوفة العيساويين المتشددين المعروف بـ"الشيخ سحبان" ، وهو مَنْ ينفر من اليهود غاية النفور حتى إذا اجتمع بهم ضربهم بما وجد ، كما يعد غريم الشيخ عبد الجليل ومنافسه الأول في البلدة . شنّ هذا القطب الأعظم هجوما لاذعا في خطبته على اليهود ، مُحذّرا الباشا من غضب الله وسخطه إذا لم يضع حدا لبذخ وترف اليهود ؛ لا بل لموالاتهم ، إذ كان يعلم أن أكبر مستشاري الباشا يوسف القرمانلي هم من اليهود . كما شدّد الشيخ بصوته الجهوري ، الذي يهتز منه سقفُ الجامع المهترئ النكيرَ أيضا على مواطنيه ؛ ممن يستأمنون اليهودَ ويَكلون إليهم قضاءَ حوائجهم مع ما اتضح من غشهم وسوء نواياهم . وكان مما جاء في خطبته العصماء هذه : "فكيف يا خير فرقة من خير أمة تستأمنون اليهود ، وقد قال في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه "لتجدن الناس عداوة للذين آمنوا اليهود" ، فكيف بعد هذا التحذير يطمع مؤمن من يهودي خيرا ، وعلى أنهم أعداء الأنبياء ؛ أحفاد القردة والخنازير ، ذبحوا سيدنا يحيى وقتلوا سيدنا زكريا عليهما السلام ، وسموا سيد الأولين والآخرين وتابعي نهجه من أمته ، ومات من تلك الشاة المسمومة سيد البشر . ثم إنهم معذبون بكتابنا ونبينا عليه السلام ، فكيف لمن آمن بالكتاب والرسول أن يركن لهؤلاء أو يرضى بمخالطتهم ، أو يأمن مكرهم هذا من الخطأ الفاحش والغفلة الكبيرة . نعم ، وفي الصحيح أنهم قتلوا بعض الصحابة غفلة وأرادوا أن يمكروا بالنبي في قضية أخرى ، فأعلمه الله بحالهم وسلمه منهم . وإلى يومنا هذا مهما أمكنهم قتل مؤمن أو غشه لا يتركونه ؛ لأنهم يتعبدون ويتقربون بذلك على زعمهم وقبحهم ومكرهم الذي لا ينحصر ، وكتب الإسلام ملآنة بذلك فانظروا بارك الله فيكم آخر الشفاء وكلام صاحب المدخل على الأطباء ، وقد علمتم يا أهل الإيمان منه بعض ما في آخر الزمان ، وقوله عليه السلام حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا ، الحديث . فإذا كان يا أعز الإخوان الأمان قد قلّ في أهل الإيمان ، فكيف يكون حال اليهود البهت أهل الجحود والخسران ، وقد علمتَ يا أخي أن نصح المسلمين متعين لا سيما على من علمه الله شيئا من العلم ، ويتأكد ذلك في أوقات الغفلات والتهاون بأمور الديانات ، فنبهوا وانصحوا وانهوا عن المنكر حيثما وُجِدَ بارك الله فيكم يا أمة النبي جعلكم الله من خيارها ، فهذا وما بعده من المتأكد عليكم وبه تدخلون الجنة دار النعيم".

وعلى إثر هذه الخطبة النارية الهجومية ، خرج بعض المتفقرة ساخطين ، وهم يشقون طريقهم إلى سوق اليهود بحومة باب البحر ، والانتقام يعلو جباههم المقطّبة ؛ فدمروا ما وصلتْ إليه أيديهم ونهبوا وأحرقوا معبدا يهوديا ، ثم ذبحوا تاجرا منهم ولاذوا بالفرار . وارتجت المدينة وأخذ اليهود يندبون حظهم العاثر ، ويصيحون حتى اجتمع كبارؤهم ، وقد اتفقت كلمتهم على تقديم شكوى عاجلة إلى الباشا نفسه ، والمطالبة بالقبض على الجناة والنيل منهم وفق ما تنص عليه الشريعة التوراتية . وبالفعل توجه في مساء ذاك اليوم نخبة من كبار التجار اليهود ، كان في مقدمتهم المستشار المالي للباشا "إسحاق فرفاره" و"إبراهيم السروسي" المعروف بحاي موشيك ، وهو الكاتب الخاص للباشا الذي ينوب عنه في عقد الصفقات التجارية ، كما كان من بينهم "شهول الفلوس" و"رحمين الطيار" و"نسيم الطويل" و"إسحاق لابي" وهم من كبار التجار ، وسواهم من الشخصيات المتنفذة في البلاد .

"أظنك يا مولاي قد وصلكَ نبأُ الجريمة النكراء ، التي تعرّضت لها أماكن عبادتنا وتجارتنا وراح ضحيتها واحدٌ من إخواننا المسالمين عشية هذا اليوم؟" . قال فرفاره بلهجة لا تخلو من السخط والاستنكار ، وهو يهم بالجلوس بمحاذاة الباشا ، الذي استطاعوا الاجتماع به منفردا في غرفة في الطابق العلوي من القلعة . وبعد أن جلس رفع رأسه ناظرا إلى الباشا بعين واحدة فيما بدت الأخرى بيضاء كبيرة مفتوحة على اتساعها ، لا يبدو فيها أي أثر للحياة ، مستأنفا حديثه بالقول "والمصيبة يا مولاي ، إننا لم نقترف جُرما ، ولا شانئة في حق المسلمين ، ولا أعتقد أننا في حاجة لتذكير حضرتكم بإخلاص الطائفة اليهودية للدولة القرمانلية ، ولكم أنتم شخصيا ، هذا علاوة على ما يقدمونه لكم من تسيهلات في عقد الصفقات التجارية والاتفاقيات والمعاهدات مع الدول الخارجية ، بما في ذلك تبادل الأسرى". هزّ الباشا رأسَه وقد بدا الارتباكُ الشديد واضحا على قسَمَات وجهه . ابتلع ريقه وقال بصوت متهدج " بلى .. بلى ، أعرف كل هذا يا فرفاره ، إنني أعرف مدى إخلاصكم لي وللأسرة القرمانلية ، وليس هذا أبدا محل شك مني ولم يكن في يوم من الأيام حاشا لله ، وإنني لمستغرب وممتعض شديد الامتعاض مثلكم مما حصل رغم كل التحذيرات اللازمة ، بالأخص لأولئك الخطباء المتنطعين المثيرين للفتن ، في عدم استغلال المنابر في الحض على العداوة والبغضاء بين الطرابلسيين . فنحن على كل حال إخوة وأبناء عمومة ، وعليه فلكم الحق كلّ الحق في المطالبة بحقوقكم وفقا لشرعنا الحنيف ولحكم قاضينا الحنفي ، فإني أعلم أنه قاضٍ عادل ونزيه". أنهى كلامه اللبق هذا بصعوبة بالغة . كان الباشا يدرك جيدا أنه لولا اليهودُ وخدماتهم السخية لمَا استمر يوما واحدا في الحكم . لكنّ حبر اليهود الأعظم "بنيامين فيندو" ، المدثر بلباس الرهبان وتلكم القبعة السوداء الرابضة فوق رأسه ، لم يدع مثل هذا العرض المخادع أن يمر مرور الكرام ؛ فنهض من محله ثائرا ، وقد خرج على ما يبدو عن طوره ، ضاربا بعكازه الأرضَ "كلا يا مولاي ، إن شرعكم ، لا ينص على قتل المسلم بالذمي . لذا ، فإن ما أودّ تذكيركم به هو أن دم اليهودي لا يقل شأنا وأهمية عن دم أي مسلم يا مولاي ، وعليه فإننا نطالب بالقبض على أولئك الأنذال وإنزال القصاص العادل فيهم ، وفقا لشريعتنا التوراتية ، فالنفس بالنفس والعين بالعين ، ناهيك عن مطالبنا بتعويض مجزٍ عن الأضرار الناجمة ، والخسائر التي لحقت بممتلكاتنا". أنهى كلامه وقد بدت يداه ترتعشان بما في ذلك شاربه ولحيته البيضاء المنسدلة على صدره . ثم أضاف فرفاره في استكانة وخضوع ، لا تخفى فيهما روح الانتقام والتشفي ، كاشفا عن بعض أسنانه المهشّمة "ولكي يستريح مولاي المعظم من عدوه وعدونا ، فلابد لنا من التخلص من رأس الأفعى .. أقصد ذلكم الشيخ الأرعن المدعو "سحبان" ؛ لأننا إذا لم نتخلص منه فمن سيضمن عدم تكرار مثل هذه الحوادث المفجعة في مدينتنا؟". كان فرفاره قد تقصى سَلَفا أسرارَ الحادثة ، وعلم بما لا يدع مجالا للشك أن وراء هذه الهجمة المباغتة خطيب جامع الشعاب ؛ عدو اليهود الأول في المدينة ، لذلك لم يشأ أن يفوت هذه الفرصة الذهبية للتخلص من شروره نهائيا . تلكأ الباشا ولم يجد ما يقوله ، إذ كان يدرك أن المراهنة على فعلٍ أهوج كهذا ربما سيجلب له الكثير من المتاعب ، وقد يُعجّل حتما من نهايته ، فهو في كل الأحوال ليس في حاجة لتأجيج مشاعر الجماهير الطرابلسية عليه ، لا سيما في موضوع مقدّس كالدين ، يحتل مكانة مهيبة في أفئدة عامة الشعب ، ناهيك عن أمر القطب الصوفي العيساوي الذي يحظى بشعبية كاسحة . وبعد أن قرأ فرفاره هذا التلعثم على وجه الباشا ، قرر أن يبتزه بطريقته الخاصة ؛ فأخرج من جيبه رسالة مطوية ، وقال رافعا حاجبيه وملوّحا بكلتا يديه "لعلّ ما في هذه الرسالة كفيل بأن ...". صمت فرفاره وصمتت معه كل القلعة سوى حمامة مُسبّعة هبطت على عش لها في سقف القلعة . وارتجف الباشا حتى أنه لم يتجرأ عن السؤال بكيف ، فضلا عن أن يفهم عما يتحدث عنه فرفاره ويقصده ، وقد بدا العرق يقطر من جبهته فيما بقي الجسد باردا يناقض الدم الساخن الذي يجري في شرايينه ، متحوّلا إلى رجفة حادة تمنعه من التجاوب مع نفسه . أسند ظهره على الكرسي وأخذ يجفف العرق دون أن يتمكن من السيطرة على الارتجاف ، الذي يجعل أسنانه تصطك . كان في نية الباشا أن يقول لهم: اطلبوا ما تشاءون غير طلبكم هذا ، لكنّ الداهية فرفاره واصل حديثه بالقول متبخترا "إن ما في هذه الرسالة ، يكشف بما لا يدع مجالا للشك عن تورط أحد مقربيكم في التآمر عليكم ، يا مولاي المعظم" . وقف الباشا من مجلسه ، وكأنه قد صحا من سُكر شديد ، محاولا استرجاع شريط ذلكم الكابوس المرعب ، وقد سلّط عينيه على عيني الكاهنة استر ، شاهقا بالقول "ماذا؟". وبدا ضعيفا كالطفل . لقد طارت كل تلكم الخيلاء التي كانت تطوقه ، وطار معها صولجانه وعنجهيته ، وجاءته رغبة مُلحة في التبول . بيد أن فرفاره سحبها بعيدا عنه ، واستمر في القول مُصعّدا من نبرته "إنه الكيخيا الكبير وهذا هو توقيعه الذي يكشف عن تواطئه مع القنصل الإنجليزي "ورينغتون". أتذكر يا مولاي اجتماعاتك السرية مع الفرنسيين والسيد ناوودي في وادي المجينين ؟ للأسف ، فقد نقل هذا الخبيث كل أسراركم إلى الإنجليز ، ومن يدري فقد يكون على اتصال بأخيكم الفارّ أحمد ؛ لتدبير بعض القلاقل لكم" . ابتعد خطوتين ثم فتح الرسالة ، ووضعها أمام عيني الباشا المرهقتين ليقرأها ، وجُنّ جنونُ الباشا الذي بدا الشرر يتطاير من عينيه رغم كل هذا الإرهاق ، وكاد أن يُغمى عليه من هول الصدمة ، فالكيخيا الكبير هو آخر من يشك الباشا في ولائهم له ، كيف لا وهو مستشاره الخاص والمنفذ لأحكامه والنائب عنه والمدير السياسي ، ناهيك عن كونه المُربي الأول لأبنائه . "هاه ، ما تقول في هذا النذل الآن ، يا مولاي ؟" . سأله فرفاره بلكنة استفزازية تهكمية ، وقد ارتسمت علائم الدهشة على وجوه الحاضرين . كان اليهود يريدون إثبات مدى سيطرتهم على شؤون الدولة ، إلى جانب تلقين الباشا درسا في الخضوع والانبطاح . ودون تردد تقدم الباشا خطوتين وهو يقول مستسلما "لكم ما تريدون لكم ما تريدون ، يا سادة" . لقد شعر أن الأمر جلل ويستحق لذلك المغامرة . بعد ساعة كانت الأوامر قد صدرت من الباشا بالقبض على الجناة أحياء أو أمواتا.

ولم يمضِ أسبوع واحد حتى عُثر على جثث ثلاثة من المتفقرة قرب كنيسة "القديس جورج" اليونانية بزنقة الاسبانيول مقتولين بطريقة بشعة . وكان من بين تلكم الجثث جثة القطب الصوفي سحبان . وقبل أن يشتعل غضب الأهالي ، تدارك الباشا الأمر سريعا ولفّق تُهَما بضلوع هؤلاء القتلى في شبكة تآمرية ضده بزعامة الكيخيا الكبير . قام الباشا باعتقال عدد لا بأس به ممن يشك في ولائهم له ، بعد خطبة جمعة ملتهبة أدّاها بتلاعب متقن الشيخ عبد الجليل . في صباح اليوم التالي وفيما كانت طيور النورس تحلق فوق أسوار القلعة بعيدا باتجاه المرفأ ، نُفِّذ حكم الإعدام في المتهمين ، وهو الحكم الذي يتولى تطبيقه اليهود كما جرت العادة بعد موافقة الباشا ، وعُلِّقت الرؤوس على باب هوارة أسبوعا ؛ لإلقاء الرعب في النفوس فيما تركت الجثث للكلاب.


       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home