Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

الخميس 22 يوليو 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

رواية

ألسنة اللهب (7)

صلاح الحداد

-7-

بعد أن فرغ حسن من صلاة العشاء ، دعا دعاءً حفظه من أمه عندما كان صغيرا ، وهو اللهم باعد عني أولاد وبنات الحرام ، ثم مسح على وجهه . تناول قرصين مضادين للكآبة ، وقبّل صغاره الثلاثة قبل أن يهرعوا إلى مخادعهم للنوم ، ثم جلس يحتسي كوبا من الشاي ، وقال لزوجته كريمة ، التي كانت تجلس بجانبه :

- لم يَعُد لي علاقة بالجماعة ، ويؤسفني أن أقول لك إن سبب خروجي منها هو أبوك . لم أكن أتمنى أن تصير الأمور إلى ما صارت إليه ، لكن هذا ما حصل . شبك حسن بين أصابع يديه ، متطلعا إلى عيني كريمة ، وكأنه يريد أن يقرأ ردة فعلها .

- لكنك لم تخبرني بدخولك إلى الجماعة حتى يكون لزاما عليّ أن أعلم بخروجك منها ! .

- هذا صحيح . أنتِ على حق ، يا كريمة . وأنا في هذه المناسبة ، أقدم اعتذاري الشديد . وفي الحقيقة ، كان من حقك كزوجة أن تعلمي - بادئ ذي بدء - إذا ما كنتُ منخرطا في تنظيم سري كالأخوان أم لا ؛ لأن لهذا الأمر تبعاته الخطيرة عليك وعلى أسرتنا ، ويؤسفني مرة أخرى أن أقول لك إن الإخوان ، لا يعبأون برأي المرأة ، فضلا عن اطلاعها عن سر كهذا ، عقوبته الإعدام .

- وهل تظن أنهم سيتركونك وشأنك الآن ؟ . سألته كريمة .

أصيب حسن بالاختناق ، وهو يشرب الشاي لدى سماعه هذا السؤال .

- لا أظن ذلك ، فأنت تعلمين طبيعة أبيك أفضل مني . كان يريد أن يقول طبيعة أبيك السادية ، لكنه تحاشى الإفصاح خشية جرح مشاعرها . ثم أردف بالقول : تعلمين جيدا أني لم أتعرّض لأبيك بسوء يُذكر ، على الرغم مما سبّبه لي من متاعب جمة ، إذ كنتُ دائما ولا زلت أحضك على الاتصال به وزيارته ومعاملته بالحسنى ، فلا أريد لمضايقته لي أن تؤثر على سير العلاقات الأسرية ، فتلك قضية وهذه قضية .

أنهى حسن كلامه البرئ هذا ، وهو لا يعلم أن الأوامر ، كانت قد صدرت لزوجته في وقت سابق ، من قبل أبيها بمراقبته والتجسس عليه ، وعلى جهاز الكمبيوتر ، وعلى الكتب التي يطالع ، وعلى نوع الدراسة التي يدرس ، وعلى من يرتادون منزله . رفضت كريمة الانصياع في البداية ، لكن تهديدات بالتبرء منها ، جعل أن لا خيار لها سوى الإذعان والانصياع .

وفي الوقت ذاته ، عمّمت قيادة الإخوان على جميع أفرادها ، خبر طرد حسن من الجماعة لمخالفات مالية ، كما طالبت كافة الأعضاء بقطع كل الاتصالات معه ، متوعدة من يخالف هذه التعليمات بعواقب وخيمة .

ذهبت زوجته للنوم ، فيما ضغط حسن على زر تشغيل التلفزيون من خلال الريموت ، ومن ثم قناة الجزيرة ؛ ليطالع آخر الأخبار . وحصلت المفاجأة عندما وقعت عيناه على صورة رجل خمسيني ؛ قمحي بشرة الوجه ، بلحية بيضاء منمّقة ، وعينين كبيرتين ماكرتين ، كان الشيب قد غزا شعره ، وهو يُلقي بتعليقاته عن نهج الجماعة السلمي الاستراتيجي ، وعمّا تتمتع به أسس ديمقراطية متينة ، استقتها من تعاليم الإسلام السمحة في الشورى . كان يكره كلمة الديمقراطية ، لكنه كان مضطرا أمام وسائل الإعلام ، حسبما اعتقد حسن . كان نزار يتابع اللقاء على القناة من مقر إقامته ، وهو يقهقه ملء شدقيه مما يسمعه . انتهت المقابلة ؛ فأقفل حسن التلفزيون متأففا ، وقد شعر وكأنه يريد أن يتقيأ .

طالما كان البحث عن النجومية والأضواء والولوج ، إلى عالم الشهرة والفضائيات والـshowbiz ، مطامع وطموح الحاج علي التومي ، منذ أن حلّ في مطلع الألفية بمانشستر لاجئا سياسيا ، عن حركة ما يُسمى سابقا بالجماعة الإسلامية الليبية . وها قد جاءت اللحظة ، وقد تحققت أمنيته على يد صديقه الحميم المراقب ناجي عمر ، رغم أنه لا يمت للإعلام بصلة ، فهو كان قد درس الهندسة الكهربائية . لكن الصراعات المريرة والقذرة ، التي خاضها مع غرمائه في المكتب الإعلامي ، تكفلت له بالإطاحة بهم ؛ ليتوج في نهاية المطاف بهذا المنصب الرفيع . ليس خفيا على حسن وغيره ، كما كان يهمس الحاج بنفسه ، أنه كان نادما أشد الندم على تخصصه في الهندسة ، وكم كان يتمنى أن تخصص في الإعلام بدلا من ذلك . لقد عمل كل ما في وسعه من مناورات ودسائس في مؤتمر الإخوان العام السنوي ، الذي انعقد في سويسرا ؛ لإقناع المكتب التنفيذي بأفكاره ، حيث شن هجوما لاذعا ، اتهم فيه مسؤولَ المكتب الإعلامي الأسبق ، بالتقاعس عن متابعة التطورات وتطوير الخبرات والاستفادة من التكنولوجيا الإعلامية ، والاشتباك مع الجمهور داخل ليبيا ، واختراق الإعلام الحكومي ، فضلا عن التحكم في توجيه الرأي العام ، واستقطاب النخب وتحييد المشككين ، ومبارزة الخصوم . بيد أن الذي لم يفصح عنه الحاج علي التومي لجماعته آنذاك ، هو ولعه بالظهور على شاشات الفضائيات وإطلاق التصريحات للصحف والمجلات ، وإجراء المقابلات مع وكالات الأنباء العالمية . لقد شوهد مؤخرا متجولا في محلات M&S الشهيرة ، وهو يشتري أطقما كاملة من البدلات الأنيقة وأربطة العنق الفاخرة ؛ ليظهر بها على شاشة الجزيرة ناطقا رسميا باسم الجماعة .

***

أشرقت الشمس على غير عادتها ؛ لتتوسط سماء دبلن الزرقاء ، فيما كان حسن يسير بخطى ثابتة ، صحبة مشرفه على رسالة الماجستير (المستشرق البروفيسور ديفيد جونسون) ، وهو يقوده إلى أروقة قسم المخطوطات والوثائق بالمكتبة القديمة في جامعة ترنتي . يجدر بالذكر أن جامعة ترنتي العريقة ، أو الثالوث المقدس ، كانت قد أُنشئت عام 1592 ، عن طريق رسائل براءات الاختراع من الملكة إليزابيث الأولى ، بوصفها أم الجامعة . لقد أقيمت أصلا خارج أسوار مدينة دبلن ، في مباني الدير Augustinian ، الذي أنشأ في جزء منه ؛ لتوطيد سيادة النظام الملكي تودور في أيرلندا ، وكان ينظر إليها على أنها جامعة البروتستانت ، في كثير من مراحل تاريخها ، وقد سُمح للروم الكاثوليك بدخولها عام 1753 ، مع بعض القيود على عضويتهم ، التي بقيت حتى عام 1873.

تقع الجامعة في قلب العاصمة دبلن ، مقابل البرلمان الأيرلندي السابق ، وهي تحتل مساحة تقدر بـ 190،000 مترا مربعا ، مع العديد من مبانيها (المعروفة باسم 'المربعات') واثنين من الملاعب الكبيرة . أكاديميا ، تنقسم إلى ثلاث كليات ، تضم 24 مدرسة ، وتقدم درجة الدبلوم والبكالوريس في المرحلة الجامعية ، والماجستير والدكتوراة في الدراسات العليا . وتصنف باستمرار على أنها أفضل جامعة في أيرلندا ، وقد حصلت على المرتبة 13 على مستوى الجامعات في أوروبا ، والمرتبة 43 في قائمة أفضل جامعات العالم العام الفائت ، وذلك حسب التصنيف العالمي للجامعات ، المعروف بـ(THE - QS World University Rankings) . أما مكتباتها فتحتوي على أكثر من 4.5 مليون مجلد مطبوع ، وكميات كبيرة من المخطوطات ، بما في ذلك كتاب Kells ، وهي تتلقى أكثر من 100،000 مادة جديدة كل عام .

كانت الوجهة إلى الجهة الغربية للمكتبة القديمة . وها هما الآن يصعدان الدرج حيث المصعد . ولجا إلى داخل المصعد وقد ضغط على زر الطابق الأول . تطلع السيد جونسون بعينيه الزرقاوين اللامعتين إلى وجه حسن ، وقال : "إنها موطن لأكثر من 20،000 من المخطوطات والمحفوظات ، التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، وهي تعكس القيمة الفكرية والروحية والاقتصادية والحياة اليومية لحياة العلماء والوطنيين والمتمردين ورجال الدين والفلاسفة والنساء والسياسيين والمستكشفين والمشعوذين ، وملاك الأراضي ، والموظفين والطلاب".

أضاء لون أخضر للتنبيه إلى وصولهم الطابق الأول ؛ فخرجا عبر ممر طويل ، مجتازين عددا من البوبات الالكترونية حتى وصلا إلى المدخل الرئيس ، الذي سلطت عليه كاميرات أمنية تحدق نحو الأسفل ، من خلف رسومات جميلة منحوتة في السقف ، لأبرز علماء وفلاسفة وفناني الكلية المشاهير ، كان في مقدمتهم الفيلسوف جورج بيركلي .

حكّ البروفيسور صلعته واستدار ناحية حسن ، ثم قال وهو يشير إلى صورة الفيلسوف بيركلي: "يعتبر من أهم مساندي الرؤية الجوهرية في القرن الثامن عشر ، حيث ادعى أنه لا يوجد شيء اسمه مادة على الإطلاق ، وما يراه البشر ويعتبرونه عالمهم المادي ، لا يعدو أن يكون مجرد فكرة في عقل الله . وهكذا ، فإن العقل البشري ، لا يعدو أن يكون بيانا للروح . قلة من فلاسفة اليوم يمتلكون هذه الرؤية المتطرفة ، لكن فكرة أن العقل الإنساني جوهر، وهو أكثر علوا ورقيا من مجرد وظائف دماغية ، لا تزال مقبولة بشكل واسع اليوم ... لقد قام هذا الفيلسوف بهدم الأساس التي اتخذته فلسفة لوك ، ألا وهي المادة التي تصنع المعارف للعقل وتنقلها الحواس" .

اندهش حسن من سعة معرفة البروفيسور جونسون ، فعلى الرغم من أنه متخصص في علم تاريخ الجماعات السرية في الشرق الأوسط وأفريفيا ، إلا أنه كان مثل البحر في علوم الفلسفة والأديان المقارنة . كان يتقن إلى جانب هذا وذاك اللغة اللاتينية والعربية والفارسية والهيروغليفية والعبرية .

لاحت خلف المدخل المقوس ، لوحة برونزية صغيرة ، كتب عليها بالإنجليزية :Manuscripts and Archives Research Library : Asian, Middle Eastern and Ethiopic Manuscripts ، وإلى جانبها كتبت الملحوظة التالية : يمكن للقراء استخدام جهاز الكمبيوتر المحمول ، والاستفادة من شبكة (واي فاي) اللاسلكية ، أو تدوين الملاحظات (باستخدام قلم الرصاص فقط) .. غير مسموح البتة الطعام والشراب ، أو استعمال الهواتف النقالة .

أدخل البروفيسور ديفيد بطاقته الخاصة في عروة معدنية مثبتة على الباب الفولاذي ؛ فأصدرت رنينا مصحوبا بضوء أحمر ؛ لينفتح الباب على مصراعيه . رأى حسن متاهة من الرفوف الشاهقة وهي متراصة ومغبرة ومثقلة بمجلدات قديمة وبالية . كانت سراديب المكتبة عبارة عن مهاجع سادة للهواء تمنع تسرب الرطوبة والحوامض الطبيعية الموجودة في الهواء إلى الداخل . كانت السراديب معتمة إلى درجة أنه تبدو وكأنها مسكونة بالأشباح ، ولم يكن هناك سوى ضوء مقبب وخافت عند آخر كل رف . استطرد البروسيفور قائلا : "هناك أكثر من 70 من المخطوطات العربية ، بما في ذلك بعض المخطوطات الفارسية ، والسامرية ، والتركية والفرعونية والعبرية . وهناك نسبة كبيرة من النصوص تتعلق بالدين الإسلامي والقوانين ؛ كما تشمل أيضا على ما يقرب من 20 مصحفا ، يعود إلى القرن الثالث الهجري" .

راح ديفيد يسير بخطى واسعة وسريعة ، متجها نحو سرداب الأرشيف رقم 5 . وقف عند سرداب الأرشيف رقم 5 ، وراح يقرأ العناوين المدونة على العروات : تاريخ الجمعيات السرية في الشرق الأوسط . أومأ ديفيد برأسه شاعرا بشيء من الحماسة ، فراح يتكلم بسرعة أكبر الآن : " قليلون هم علماء التاريخ الذين يعلمون بشأن هذه المخطوطات ، وأقل منهم هم الذين يؤمنون بوجودها . أنت بحاجة لهذه المصادر في رسالتك .. لتسحب هذه الكتب والمجلدات .

بعد أن امتلأت عربة الكتب ، ناوله كتابين مهمين ؛ الأول كان عبارة عن مخطوطة عربية نادرة تعود إلى القرن الخامس ، سقط منها اسم المؤلف ، بعنوان (الحشاشون: الرموز الخفية والعلوم الباطنية) ، أما الثاني فكان كتابا بعنوان (دعوة دكتاتورية ليس في ذلك جدال) للكاتب عباس العقاد .

- هل سمعتَ بكتاب العقاد من قبل ؟ . سأله البروفيسور .

- كلا .

- إن به أسرارا خطيرة تتعلق ببلدك ليبيا ، وهو عبارة عن مجموعة مقالات للراحل . لا يوجد في أي مكتبة في العالم إلا هنا . لقد قام الإخوان بإحراقه فور صدوره ، وقد تم تهريب هذه النسخة الوحيدة إلى أوروبا ، عن طريق مؤرخ مستشرق ، تنكر في هيئة صحفي ، وقام بسرقة الكتاب من منزل الإمام البنا ، وهو يجري معه لقاء صحفيا .

- وما طبيعة هذه الأسرار ؟ . سأل حسن ، متحفزة عيناه .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home