Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

الجمعة 21 نوفمبر 2008

       
       

الخديعـة (9)

ـ رواية ـ

صلاح الحداد

الجزء الثاني : الفصل الرابع

طرابلس ، القلعة ، ربيع 1802

كانت رائحة الربيع تملأ الطريق . وكان الهواء ما زال مليئا بذكرى الشتاء قزحيا وشفافا ، يراقص أزهار الليمون المتفتقة في شجيراتها . بدت خضرة الأرض أبدية ، فيما سيقان الشعير ما زالت قصيرة تنتشر بينها الأعشاب والطرق التي ترسمها أقدام المارة . لم يكن أصحاب الحوانيت يشرعون في إسدال الستائر على واجهات دكاكينهم ، حتى تبدأ زقزقة طيور الخطيف تملأ المكان عند خروجها من بين النباتات التي تتكوم حول المياه ؛ لتحلق معلنة حلول المغيب . عند المضيق ظهر جامع سيدي الشعاب متراقصا خلف حركة الهواء القزحي ، كخيال واحة بعيدة في الصحراء . وبينما النسيم يداعب قمم الروابي ، كان ولي العهد محمد عائدا صحبة موكب مهيب من العسكر من مصراتة ، ترافقه قافلة من كلاب الصيد ، بعد إقامة فيها دامت أشهرا ، وقد لاحت على عربته رؤوس بعض قادة المتمردين مُملّحة للحفاظ عليها من التعفن . أما في عربة أخرى ، فقد حفظت الغزلان التي قام باصطيادها أثناء رحلته . كان زئير الأسود في الغابات على الطريق بين طرابلس ومصراتة ، يجلجل كالرعد في سكون الليل ، لكنّ البيك محمدا تفادى خطرها بإشعال حرائق ، كانت قد دبت الذعر في قلوبها . وما إن طفقت حوافر الخيل تهز جدران القلعة عن بُعد ، حتى شرعت النوبة تدق طبولها ابتهاجا بوصولهم في العشي . وثب الباشا من مجلسه على دق الطبول وصهيل الخيول ، وهو يشعر باختناق بفعل كابوس تبدى له الليلة البارحة . تحدّث بصوت متهدج ، كأنه يتلو صلاة بكلمات غريبة ، ثم فتح عينيه وأدار رأسه وهو يتطلع من الشرفة ، نحو الريف الذي يمكن رؤيته بجلاء ، وقد برزت قمة جبل غريان الزرقاء القاتمة . احتضن ابنه بقوة ، وقد ارتسمت علائم البهجة على وجهه ، ثم قال ابنه وهو مغتبط منتش :
- لقد عدتُ إليك برأس الأفعى مملحا ، يا مولاي . لقد خضنا حربا ضروسا ، لكننا والحمد لله خرجنا منتصرين . ربت الباشا على كتفيه ، قائلا بلهجة قائد عسكري مظفر :
- أحسنتَ ، يا بُني . لقد أبليت بلاء حسنا وكنت عند حسن ظني بك . ثم أطرق برهة ، وأعقب قائلا : لكن الطريق لا يزال شائكا أمامنا ، بيد أنه درس وعبرة لمن يريد أن يعتبر من الخونة المارقين .

وبينما كانت الحاشية تراقب الموقف وجلة عن كثب ، جلب أحد الجنود رؤوس المتمردين ملقيا إياها أمام أقدام الباشا ، الذي ما كان منه إلا أن يقذف بها إلى أسد ونمرين كبيرين في قفص من الخشب والحديد . وفيما ازدحمت الحمامات المبنية بالرخام بسيدات القصر للاستحمام كما جرت العادة كل مساء ، صدر الأمر بإحضار إحدى جوقات اليهود الموسيقية ؛ لكي تحيي للباشا حفلة في المنشية ، وقد دعي للحفل قناصل الدول الأجنبية ووجهاء البلد ورؤساء القبائل الموالين وقادة الجيش والوزراء . كان صخب الآلات الموسيقية وصوت العيارات النارية ، التي كانت تتخللها ، وغناء "الزمزامات" اليهوديات والراقصات ، اللاتي استؤجرن لتلك المناسبة ؛ من القوة بحيث كان يخيل للمرء أن حفلة عرس قد أقيمت في بستان الباشا .

كان أحمد المقيم في مالطا يترقب بفارغ الصبر ساعته ، ولما أدرك الباشا أن أخاه يمكن أن يستخدم ضده ، اتخذ مجموعة من التدابير لعزله أو تدميره ، فما كان منه إلا أن وجه رسائل ، عرض عليه فيها مجددا أن يعود إلى الإيالة ويشغل منصب حاكم درنة وبنغازي . ولما علم إيتون بنوايا يوسف ، سارع عبر شخص موثوق إلى تسليم أحمد صكا بألفي دولار ورسالة ، يحذره فيها من النوايا الشريرة ليوسف ويدعوه إلى التزام الصبر . في ظهيرة الجمعة ، تفنن الخطباء في الحديث عن الفتن وإثارتها ، وقد طلب الشيخ الفرطاس في خطبته الحماسية بجامع القرمانلي من الطرابلسيين الاستقامة على شريعة الله ، وتجنب طريق الخارجين من القبائل على أمر السلطان ، الذين شبههم بالخوارج ، حيث أمر –عليه الصلاة والسلام- في غير حديث بقتالهم ، وبين فضل من قتلهم أو قتلوه . ثم تطرق إلى أن الخروج على حكام المسلمين ، وسل السيوف عليهم سبب عظيم لضعف الخلافة الإسلامية وانتهاك قواها ، مع ما يقابله من قوّة العدو، وظهور شوكته . وأردف منبها المصلين إلى ما ورد عن الإمام أحمد ، الذي قال :"لو كانت لي دعوة مستجابة لدعوتها للسلطان ؛ لأن صلاحه صلاح للأمة وفساده فساد لها" . ولم ينس بالطبع في آخر المطاف أن يشيد بدولة القرمانلي ، التي هي –على حد وصفه- دولة إسلامية ولله الحمد ، تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر ، وتأمر بتحكيم الشرع ، وتحكمه بين المسلمين . هذا دين الخوارج والمعتزلة ، ولا يجوز لأحد أن يشق العصا أو يخرج عن بيعة ولاة الأمور ، أو يدعو إلى ذلك ؛ لأن هذا من أعظم المنكرات ، ومن أعظم أسباب الفتنة والشحناء ، والذي يدعو إلى ذلك يستحق أن يقتل ؛ لأنه يفرق الجماعة ويشق العصا ، والواجب الحذر من هذا غاية الحذر ، كما الواجب على ولاة الأمور إذا عرفوا من يدعو إلى هذا أن يأخذوا على يديه بالقوة والبطش ، حتى لا تقع فتنة بين المسلمين ، والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ، كما ورد في الحديث .

ولم يكن لينتهي من خطبته حتى هبّ له أحد تلاميذ مفتاح بخطوة متسائلا : إذا كان الإمام ابن حنبل يملك دعوة واحدة مستجابة ويعلم أنها مستجابة ، وهو يريد أن يهبها لإصلاح الناس ، فلماذا لا يدعوها لهم مباشرة ؛ ليعيشوا كل الهداية والصلاح اللذين يريدهما لهم ، لا أن يذهب للسلطان لكي يهتدي ويصلح ، ولكي يتحول اهتداؤه وصلاحه إلى أمل في هداية الناس وصلاحهم ؟ . أفرغ الناس أفواههم من هول ما سمعوه ، وشخصوا بعيون جاحظة إليه ، لكن لم يتململ منهم أحد ، ثم صرخ بشجاعة متهكما : إنه لمنطق لن تخطئ فيه أو تضل عنه الحشرات الصغيرة ، فكيف يخطئ ويضل فيه الإمام ابن حنبل ، هل الخطباء هم أضعف منطقا وسلوكا وعبقرية من الحشرات والديدان ؟ . وفي هذه اللحظة ، فقد الخطيب أعصابه وصاح مشيرا بيديه : اقضوا على هذا الخارجي ... إنها والله الفتنة ، تطل برأسها من هذا الدعي الضال . ارتبك المصلون واهتز الجامع وارتج ، بعد أن قام حرس الباشا بالقبض عليه وإيداعه السجن في انتظار حكم القاضي فيه .

شاطئ طرابلس ، شجرة الحرية ، 14 يوليو 1802

قام ملاحون فرنسيون كانت سفينتهم ترسوا على شاطئ طرابلس بزارعة شجرة الحرية على رمال الشاطئ في مواجهة القلعة ، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية لتحطيم سجن الباستيل . ثم انبرى واحد منهم بتلاوة إعلان حقوق الإنسان والمواطن ، الذي أصدرته الجمعية التأسيسية الوطنية في 26 من أغسطس عام 1789 ، بالفرنسية . وسرعان ما أدى هذا إلى تجمهر الناس حول المكان لمعرفة ما يجري ؛ فقفز أحد البحارة إلى المنصة ، وأخذ يترجم ما يقوله صاحبه إلى اللغة العربية التي يتقنها جيدا ، مساهمة منه في نشر أفكار الثورة الفرنسية في المعمورة . انضم المزيد من الطرابلسيين إلى الحفل وكثر عددهم ، حتى يخيل إليك أن كل المدينة قد حضرت ، وازداد حماس المترجم وهو يتلو الإعلان مادة تلو مادة ، وقد اشرأبت إليه الأعناق من كل جانب : الناس يولدون أحرارا ويظلون أحرارا ، متساوين قي الحقوق ، ولا يمتاز بعضهم عن بعض إلا فيما يختص بالمصلحة العمومية ... الأمة هي مصدر كل سلطة ، وكل سلطة للأفراد والجمهور من الناس ، لا تكون صادرة عنها ، تكون سلطة فاسدة ... إلى أن وصل إلى قوله : يضمن الإعلان للمواطنين الحرية وحق الملك وحق الأمن وحق مقاومة الظلم والاستبداد ... كل الناس أحرار ، والحرية هي إباحة كل عمل لا يضر أحداً . وبناء عليه ، لا حدًَ لحقوق الإنسان الواحد غير حقوق الإنسان الثاني ، ووضع هذه الحدود منوط بالقانون دون سواه ... وبعد الفراغ من التلاوة ، حدق بعينيه اللامعتين في وجوه الطرابلسيين ، هاتفا : أيها الطرابلسيون ، لتنهضوا للثورة .. لتنهضوا للحرية .. لتنهضوا للمساواة والعدالة والإخاء . تحمس الطرابلسيون وأخذوا يهتفون بقوة ضد القرمانلي متجهين نحو سجن القلعة لتهديمه ، فيما تسرب ولد قبطان فرنسي إلى المنشية ، شاهرا مسدسه ، وقد وشرع في إطلاق النار بطريق عشوائي ، مخلفا إصابة بالغة في طفل ؛ ليختفي بعدها من المكان .

إلى اللقاء ...


       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home