Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Monday, 21 January, 2008

       
       

الخديعـة (5)

ـ رواية ـ

صلاح الحداد

الفصل الخامس
نهاية الجزء الأول

"حُكي يا مولاي أن ثلاثة من النسوة جئن إلى قاض ، فكشفت الأولى عن فرجها ، وقالت : أيها القاضي ، أيش اسم هذا ؟فقال: رحمك . قالت : لا ، فقال : كسك . فقالت: لا ، فقال : فرجك . فقالت: لا . فكلما قال القاضي بهذا اسمه كذا ، تقول لا ، ثم عفست على رقبة القاضي ، وقالت: أنت جاهل ، فقال القاضي : أيش اسمه ؟ . فقالت: مرج الزهور ، فقال القاضي: طيب . فتقدمت الثانية ففعلت مثل ما فعلت الأولى ، ثم قالت : اسمه لوز مقشور ، فقال القاضي: طيب ، ثم تقدمت الثالثة وفعلت مثل ما فعلت صويحباتها ، ثم قالت : اسمه خان المسرور ، فقال القاضي : طيب ، ثم كشف القاضي عن أيره وهو قائم موتور ، فقال : أيش هذا ؟ . فقلن: أيرك ، فقال: لا . فقلن : زبك ، فقال: لا . فقلن : قضيبك ، فقال: لا . فقلن: ما اسمه؟ فقال: اسمه حصان الذكور ، يرتع في مرج الزهور ، ويأكل اللوز المقشور ، ويسكن في خان المسرور".

قهقهه الباشا قهقهة عظيمة ، رددت أصداءها تلكم الممرات الغارقة في الصمت . "هيّا إليّ بأخرى ، أيها السافل" ، صاح الباشا ضاحكا ، وقد أدارت صباح كأس النبيذ إلى شفتيه . احتسى المفتي شربة شاي ، مبرزا وجهه المخروط الممتلئ بالتجاعيد ، وإلى جانب الغدتين المتدليتين تحت عينيه الصغيرتين الساخرتين وجانب التجاعيد العميقة الكثيرة ، التي تتقاطع على وجهه الصغير ، هناك تحت ذقنه تبرز جوزة عنقه الدقيقة كغدة متهدلة سميكة ، تكسبه منظرا غريبا ، ينم عن شهوانية منفرة . كان فمه محكم الإطباق غليظ الشفتين ، تبدو فيه جذور أسنان سوداء نخرها السوس . كان لعابه يتناثر كلما فتح فاه يريد الكلام .
- "هذه ستقتلك من الضحك ، يا مولاي .. " . حكى الصفدي ، يا مولاي أن بعضهم كان واقفا بجبل عرفة ، فرأى إنسانا يتضرع وينتحب مبالغا في الدعاء ، ويقول بتحرق وتوجع: اللهم اغفر لي ، فقال: يا أخي في الله ، إن الله يتصدّق على عباده في هذا اليوم العظيم فلا تكثرت ، فقال : يا أخي ، دعني فإن ذنبي عظيم ، فقال له: هل قتلتَ أحدَ والديك؟ ، قال: لا . قال: فهل وطئت أحدا من محارمك ؟ قال: لا ، قال: فهل كفرت ؟ قال: لا ، قال: فهل دللتَ على سرية من سرايا المسلمين ؟ ، قال: لا . وأخذ يَعُدّ عليه كبائر الذنوب ، وهو يقول لا . قال فما الذي أتيته إذن ؟. قال: نِكتُ خنزيرة".

انفجر الباشا ثانية بالضحك ، وقال "يا لهذا الأحمق لم يجد إلا خنزيرة ينيكها ... تعالي ، يا خنزيرتي .... هاه ، ما رأيك يا صبوحة في هذا .. جيد" . قفّ شعر الفرطاس الأشيب بعد أن أحس بلذة الشهوة تلسعه ، وواصل يقرأ بعينين ماكرتين خفيفتي اللون كثيرتي الحركة . "قال: الأمر سهل ، الله يغفر الذنوب جميعا ، ولكن أخبرني كيف وقفتْ لك الخنزيرة حتى فعلتَ بها ؟ قال: كانت ميتة ، قال: فكيف قام لك ؟ . قال: مصصتُ لسانها. فقال: لا غفر الله لك ولا تجاوز عنك ولا سماحك ، يا أنحس العالمين".

انفلق الباشا مرة أخرى بالضحك حتى أضرط ضرطة عظيمة .
- "لقد قتلتني يا فرطاس ، إنك والله لعفريت كبير" . قال الباشا بعد أن اعتدل في رقدته ؛ فرد الفرطاس مازحا :
"إذا ما كنتُ عفريتا كبيرا ، فأنت أبو العفاريت" ، فضحك الباشا ؛ فأعقب المفتي بسخرية ؛ قائلا "هل تريد شيئا عن ضراط العفاريت ، يا مولاي ؟" . فهزّ الباشا رأسه ضاحكا ، وقد لعب برأسه النبيذ الفرنسي :
- "هاتِ ما عندك ، يا نحس" ، فقال المفتي وقد ابتسم ابتسامة هادئة خبيثة : "صعد المغيرة
المنبر فضرط فحرك يده وضرب بها أسته ، وقال: كل أست ضروط ، ثم نزل وتوضأ وعاد إلى مكانه" .
علق الباشا ضاحكا "هذه من مخازيكم ، يا شيوخ السوء".
- "فلتستمع إلى هذه يا مولاي" ، أردف الفرطاس مائلا على جانبه الأيمن ، ثم قال "دخــل
بعض شعراء الهند على أمير فمدحه ، فقال له الأمير: تقدم ، يا زوج القحبة ، فقال وما زوج القحبة ؟ قال: هذه لغة العرب كناية عن منزلة جليلة ، وقدر محل كبير ومال ودواب وجمال وغلمان . قال: فأنت إذن أيها الأمير أكبر زوج قحبة في الدنيا". تمعّر وجه الباشا وقد شعر أنه هو المقصود ؛ فقال مهتاجا :
- "ماذا قلتَ ، يا منحوس ؟" . فردّ الفرطاس مازحا :
- "هذه بتلك يا مولاي". ابتسم الباشا وقال بصوت منخفض :
- "هيّا إليّ بواحدة عن اليهود الملاعين ، فقد مسحوا بي الأرضَ ، قبّحهم الله" . طـــوى
الفرطاس الصفحات بسرعة ، ثم قال "قيل لنصراني: عيسى أفضل أم موسى ؟ ، فقال: عيسى كان يحيي الموتى ، وموسى لقي رجلا فوكزه فقضى عليه ، وعيسى تكلم في المهد صبيا ، وموسى قال بعد أربعين سنة واحلل عقدة من لساني ، فانظر أيهما أفضل؟". انفجر الباشا بالضحك ، وقد ضرط ضرطة أخرى هائلة ، ثم قال :
- "وماذا عن الأمريكان الملاعين؟" ، فرد الشيخ الفرطاس ضاحكا :
- "تقصد العلوج من النصارى ، يا مولاي؟" .
- "بالطبع" أجاب الباشا . تجرع جرعة من اللاقبي حتى اندلقت على شاربه ولحـيته وثيابه
ثم مسح بكمه ما اندلق منها ، ثم أخذ يقرأ : "وُجِدَ يا مولاي نصراني مع مسلمة في آخر صوم يومه ، وهجوم شهر رمضان ؛ فأمر القاضي أن يتزوجها بعد إسلامه ويصدقها ألف درهم ، كما أمر بتطهيره ، فلقيه بعض أصدقائه وقال له: كيف حالك ؟ فقال : في أسوأ حال ، كيف يكون حال من صام خمسين يوما ، واستأنف ثلاثين وترك دينه ووزن ألف درهم ، وتزوج قحبة وراح ثلث أيره".
- "يكفي يكفي يكفي" . صاح الباشا وهو يقرقر من الضحك . ثم أردف : "آهٍ ، يا ملعون ، لقد قتلتني الليلة ، يا عفريت .. هيَّا دعني أكمل ليلتي مع صبوحة" .

وفيما كان الباشا يقضي بقية ليلته ، كانت رسالة القنصل الأمريكي المطرود من طرابلس "كاثكارت" والمقيم حاليا بتونس ، بين يدي الرئيس توماس جيفرسون في مكتبه بواشنطن ، وقد جاء فيها حرفيا : "سيدي الرئيس ... لتعلم فخامتكم أن عناصر المؤامرة على الباشا جاهزة وفي انتظار إشارة البدء لتؤتي ثمارها ، فقد وصل يوسف الى سدة الحكم بعد عزل أخيه أحمد ، الذي يتطلع للعودة إلى الحكم . وهذا يقتضي منا عزل الباشا وتنصيب أحمد حاكما ؛ لأنه طالما بقي هذا الوغد على قيد الحياة ؛ فستظل التجارة الأمريكية مهددة بشروره على الدوام .. المخلص: جيمس كاثكارت/ تونس ، 29/6/1801" .


       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home