Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

السبت 20 ديسمبر 2008

نوافذ الليل

ـ قصة قصيرة ـ

صلاح الحداد

-1-

كان شابا في مقتبل العمر ، يجرّ قدميه جرا في شوارع دبلن وزقاقها الملبدة بالغيوم السوداء . وسيم لكنه مشرد .. لطيف لكنه متمرد .. وطني لكنه لاجيء قميء .. ويا للمفارقة في زمن كل الرداءات والوقاحات !! . تبدو آثارُ الاغتراب والتشرد والضياع باديةً على قسمات وجهه المعذَّب . أما في عينيه الشاردتين فترى شيئا آخر ، ليس من السهولة التعرف عليه . إنه شيءٌ أشبه بالبراءة منه إلى اللؤم .. شيءٌ أشبه بالوداعة منه إلى البشاعة . كلا .. كلا ، لا أستطيع أن أجزم بشيء كهذا ! . عموما إنه الشاب (طارق) ذو السابعة والعشرين ربيعا . كان يسير متباطئا وهو يتأبط أكداسا من الجرائد الشعبية كالصن والميرور والستار الأيرلندية . طبعا ليس شغفا في مطالعتها ، وإنما لتملي الأجسام العارية والاستمناء عليها ليلا ! .

لقد سئم حياته منذ أن حطت قدماه هذه الأرض ، التي طهّرها القديس (باتريك) من جميع الثعابين والأفاعي، لكنه لم يطهرها من القبح والظلام والبطالة والتسكع في المواخير . لم ينل (طارق) حتى هذه الساعة شيئا من الأرض المطهّرة ، غير البيرة الأيرلندية المعروفة بـ(Guinness) ، والوقوف في طوابير طويلة أمام مقر الضمان الاجتماعي ؛ للحصول على معونة مالية طالما تؤرقه وتؤلمه وتهينه أيما إهانة ! . فهو لم يكن يتوقع أن يجد نفسه في يوم من الأيام هكذا ؛ عاطلا خاملا حقيرا سكيرا معربدا . كان يحس أن الزمن يمضي بعجلته سريعا وبعيدا عنه ؛ لا بل أنه خارج عقارب الساعة أصلا ! .

كان ينتقل من شارع إلى شارع .. ومن زقاق إلى زقاق ؛ باحثا عن عناوين الشركات والمحال التجارية والمطاعم والبارات والعاهرات كذلك . كان يأمل في أن يتحصل على أي شيء ، ولا شيء حتى الآن ! . كان يشعر أنه يعيش في مدينة مفرغة ، فيها كل شيء ولا شيء فيها ! .

لم يكن يعرف رشف الدخان ، وفي دبلن عرفه .. لم يكن يعرف احتساء الجعة ، وفي دبلن عرفه .. لم يكن يعرف تعاطي المخدرات ، وفي دبلن عرفه .. لم يكن يعرف الاستمناء ، وفي دبلن عرفه .. لم يكن يعرف مضاجعة النساء ، وفي دبلن عرفه . عرف كل ذلك ، لكنه لم يعرف حتى الآن اسم وطنه وديانته وأسماء جيرانه وجميع أصدقائه !! .

-2-

وها هو اليوم يتسكع كعادته في شوارعها الرمادية ، المتفجرة بشخير السُكارى وضراطهم المزمجر كالرعد، والمتوسدين أفخاذ العاهرات على الأرصفة الإسمنتية . وبينما هو واقف أمام ناصية شارع (جورج ستريت)، المطل على مقهى (فيرونا) ، يحملق بعينيه المنكسرتين في مؤخرات الفتيات وأردافهم المترنحة، خرجت من المقهى فتاة طويلة هيفاء ؛ فطيّر بنطلونها المخمليُّ المشدود على خصرها ، وقميصُها الأصفر المشقوق على صدرها ، وهو يسفر عن عنقودين من العنب صغيرين طازجين ، وضفائرُ شعرها العسجدية المضطربة كموج البحر على كتفيها .. طيّر كلُّ هذا وذاك السكرةَ من عينيه ، وانبسطتْ أساريرُه وقرَّر ملاحقتها ؛ فطرح الجرائد جانبا وقذف آخر علبة من البيرة من يده ، وظل يترسم خطاها من شارع إلى شارع ومن زقاق إلى زقاق ، دون أن تشعر به طبعا . وقال يخاطب نفسه وهو يشق الأرض وراءها شقا : ( بحق الجحيم ، لن تفلتي مني .. وبحق الألهة لن أضيعك يا فراشتي .. إنني أقسم للسماء ومواخير هذه الأرض ، أنني لم أر واحدة مثلك في حياتي ! .. وفي سبيل ذلك سأظل وراءكِ .. سألهث مثل الكلب وراءكِ .. سأعوي مثل الذئب وراءكِ .. سأذبح كلَّ الرجال من أجلك .. لن تفلتي مني يا عُقابي !! ) .

وفجأة توقفت الفتاة عن المسير واستدارت ، وكاد طارق يصدمها ، وسرعان ما تظاهر بالبحث عن (ولاَّعة) ؛ لإشعال سيجارة . سألها على عجل وهو يفرك شعر رأسه ، الذي قفََّ من رؤيتها :

- هل أجد ولاعة لديك آنستي ؟ .

- هذا ما نسيتُ ابتياعه من الدكان ! . أجابت معتذرة على عجل .

واسترعى نظرَه فتحةُ صدرها ، وسَحَرَ لبَّه نطقُها وحركة شفتيها وهزةُ رأسها ، وبَرّحَ به بياضُ نحرها واخضرارُ عينيها ورقصُ حاجبيها ؛ فاشتعلتْ مَوْجِدتُه نارا بلا حطب ، وبقي متربصا . وما إن خرجتْ من الدكان حتى انطلق في أثرها ، غاذّا السيرَ وراءَها ، إلى أن ولجتْ شقتها . وكاد يلج عقبها لولا الرقمُ الكودي على بوابتها . وهنا وقف طارق حائرا مشدوها ، وتوقفت دقات قلبه .. تردَّد في قرع الجرس عليها وارتجف .. إنه لأول مرة يتردد في قرار .. لأول مرة يرتجف مثل هذه الارتجافة .. لأول مرة ترتعش أوصالُه وتصطك أسنانُه وكأنه في ساحة معركة ، ويا للهول ! . وطفق يفكر في طريقة الوصول إليها .. في اختراق قلبها واحتلال عقلها واستباحة صدْرِها . أَيَطرُقُ البابَ ويقتحم عليها مخدَعَها ؟ .. أيخطفها ويغتصبها ؟ .. أسئلة وأسئلة ظلت تُمْطِرُ رأسَه ، وهو يطوف كالمجنون أمام شقتها .

كلا ، إنه لا يريد كلَّ هذا ، ولا يجسر عليه هذه المرة .. إنه لا يريد أن يفعل معها فعلَه مع الأخريات .. إنه في الحقيقة يريد أن يبنيَ لأول مرة في حياته قصةَ حُب شريفة معها .. يريد أن تستعذب روحُه هذا الألم .. يريد أن تستلذ نفسُه هذا الجرح .. يريد أن ينفطر قلبُه شوقا .. يريد أن تتفجر دموعُ عينيه وَجْدا وصبابة . وهذا هو الشعور الذي خامره . لم يَعُد في استطاعته بُرُوحَ مكانِهِ ، لقد تسمَّرتْ قدماه .. شعر أن مغناطيسا يجذبه ، وبينما هو يتصارع مع نفسه ، وقعت عينُه على إعلان لاستئجار شقة تقع قبالة شقتها ؛ فصاح قائلا : ها قد وجدتها ، سأمكث هنا إلى جانبها .. سأقوم باستئجار هذه الشقة ؛ لأقيم هنا قبالتها ، وأراقب عن كثب كلَّ حركاتها وسكناتها .. شهقاتها وزفراتها .. ابتسماتها وضحكاتها .. سأطلُّ من هذه النافذة على وجهها .. على شعرها .. على عينيها وثدييها .. على خصرها وردفيها . إنني لم أعد أطيق فراقها ! . شكرا للسماء على هذه الهدية ! .

-3-

آب طارق راجعا في أعقاب الليل بعد سهرة صاخبة ، احتسى فيها ما احتسى كؤوسا من الجعات دهاقا ، إلى شقته التي يقيم فيها مع صديقه العراقي (لؤي) . كانا رفيقي دربِ اللجوء السياسي المأفون .. ينامان معا في غرفة واحدة . لعَنَ لؤيٌ الوطنَ ؛ فعلّق خريطة وطنه فوق سريره ، وكتب عليها بالإنجليزية ( Sold ) . أما طارق فلم يعد يعرف خريطة العالم ، فعلّق صورة المغنية الكندية الفاتنة (شانيا توين) ، وهي شبه عارية .

التقيا أول مرّة في حاوية من حاويات ( رومانو برودي) بإيطاليا ، وهما في طريقهما إلى أيرلندا ، وقد رأيَا الموتَ مرات ومرات ، لكنَّ عزرائيل كان مشفقا عليهما ، أكثر من رومانو برودي التافه الوغد ! . لقد تأثر لحالهما أيما تأثير ؛ فتركهما في سبيلهما ! . كان لؤي ، يقرض الشعر نهارا ، ويعمل في غسل الصحون ليلا . وكانا لا يلتقيان إلا بعد انتصاف الليل . تقدّم طارق محتضنا (لؤي) بحرارة ومربّتا على ذراعيه ، كان يفعل هذا كلما أعوزه المال ؛ قائلا له بصوت حانٍ ، ويداه ترتعدان من شدة الإدمان :

- لؤي ؛ يا صديقي العزيز ..

فقاطعه لؤي بغضب ، وكأنه عرف ما يريد ، وقال :

- تريدني أن أعطيك الفلوس ؛ كي تصرفها في المواخير وعلى العاهرات ! .

- لا تغضب يا عزيزي ، أنا وأنت واحد ، ثم إن الفلوس تأتي وتروح ، والدنيا ليست باقية لأحد ، ألم يقول الرب : كل من عليها فانٍ ! . قال مازحا وهو يرقص حاجبيه . إنها طريقته المعتادة في الاستدراج ، يستخدم الدين للوصول إلى مآربه !! .

- يا طارق أرجوك أن تعود إلى رشدك وتكفَّ عمَّا أنت فيه .. إلى متى تبقى هكذا .. إلى متى ؟! . قال صائحا .

- حسنا ، سأكف .. وسأعمل بنصيحتك إذا أعطيتني مائة يورو فقط ! . ولن أعود لأسألك بعدها أبدا ، كما لن ترى وجهي ثانية . قال وهو يدحرج عينيه .

- وماذا ستفعل بها ؟ .

- مشروعا صغيرا ! . قال هاتين الكلمتين ، وهو يحرك منكبيه . ولم يشأ أن يستمر ؛ خشية معرفته بالأمر .

- هههههههه .. لا أظن أنها تكفي لقضاء ليلة واحدة مع عاهرة من عاهراتك!. لكن مع وعدك الذي قطعته، سأعطيك .

وأخرج محفظته الصغيرة ، وعدَّ له نقدا مائة يورو ، وزاده خمسين فوقها . لم يتمالك طارق نفسه من الفرحة ، فغداً سيكون مع موعد ؛ لقضاء أول ليلة في الشقة الجديدة ، التي اتفق على استئجارها شهرا واحدا من صاحبها أمسِ .. وغدا أيضا سيتمكن من رؤية كل شيء فيها ، وسيشرع في كتابة أول رسالة حب في حياته ! .

-4-

وعند مساء اليوم التالي ، أي حوالى الساعة التاسعة ، كان طارق ينتظر بفارغ الصبر عودتها ، فهي على غير يوم الأمس لم تعد مبكرا . وأخذ في عض أنامله ، وهو يستمع إلى أغنية "شانيا توين" (When you kiss me ) ، التي يقول مطلعها : This could be it, I think I'm in love! . ولم تكد الساعة تتجاوز العاشرة ، حتى حطت تلكم الفتاة بساقيْها العاريتين عتبة شقتها من سيارة تاكسي كانت تقلها . صعدت إلى غرفتها المطلة على الشارع ، وأضاءت النورَ وطفقت تغيرُ ملابسها دون أن تعير اهتماما للنافذة ، التي ظلت مفتوحة . وقد رأى طارقُ عجبا .. رأى جسدا لم يُخلق في الثقلين مثله .. رأى ناهدين يقطران لؤلؤا ونرجسا .. رأى ردفين يرشحان عطرا وزهرا !! . وظل طارق يطل من نافذته مشاهدا إياها ، وهي ترتدي فستان نومها البنفسجي الشفاف .. كل شيء بدا فيها كحديقة غنَّاء . أنْعَضَ طارقُ وقذَفَ سائله المنوي .. كانت لحظات سريعة ، لكنها أسعد وأمتع لحظات في حياته ! .

ومكث أسبوعا على هذه الحال ، يفتح كلَّ ليلة نافذته مطلا على نور جسدها المتوهج كالشمس ، ومن ثم يقضي بقية ليلته مستمنيا . لم يجرأ على مصارحتها بعد ، لقد اكتفى بالمشاهدة متعة وحبا . كانت هي – لا شك – تشعر به وبوجوده ، لكنها تجاهلت كلَّ هذا ؛ لتزيد من ولهه ، وتمعن في قتله وتأوهه ! .

كان أن التقى طارق صدفةً صديقَه ( لؤي ) في أحد الشوارع ؛ فسأله كيف هي الأمور تجري . فأجاب طارق مسرورا :

- على خير ما يرام ! .

- تبدو مهتما بمنظرك هذه الأيام ؟! .

- أجل ، إنه روتين المشروع الجديد ، فأنت تعرف أن أيَّ مشروع ناجح ، يتطلب مني أن أعتني بنفسي قليلا ! .

- لكنَّ الجعة ما زالت في يدك ! .

- بالطبع ، فهذه ما زالت صديقتي .. ولولاها لخرجتُ إلى الشارع عريانا .. إنها التي تقتل كلَّ همومي وأحزاني وتفاهاتي وحماقاتي يا عزيزي ! .

- أتمنى أن أراك بعد أسبوع آخر ؛ كي أسمع أخبارا أخرى سارَّة كهذه ! .

- وأنا كذلك .. إلى اللقاء ..

- مع السلامة ..

-5-

وذات ليلة كان يطل فيها من نافذته مراقبا قدومها كالعادة ، رأى ما لم يكن يتوقعه ويتمناه .. رأى صديقه لؤي يفتح ذراعيه ويعانقها عناقا طويلا ، وهي تلحُّ عليه أن يقضيَ معها ليلتها هذه ، لكنه اعتذر وقفل راجعا إلى شقته . كان وقعُ هذا المنظر كالصاعقة على طارق ، وقعد ليلته تلك يفكر في شيء يفعله . لقد تهاوى على فراشه ، وهو فاقدُ النطق متحجرُ العينين متوغرُ الصدر ! . وشرع في نفث سجائر الماريغوانا المخدرة ، إلى أن غامت عيناه ، وشحب لون جهه وامتقع .

ولم يمضِ نهار اليوم التالي ، حتى اقتحم طارق عليه شقته . كان لؤي مشغولا في كتابة قصيدة عنها ! . سحب طارق منه الأوراقَ ، وسأله هذه الأسئلة السريعة المتشنجة :

- ما هذا الذي تكتبه يا صاحِ ؟! .

- إنها قصيدة جديدة .

- وعمّن هذه القصيدة ؟ .

- إنها عن فتاتي الإيطالية (ماريا) ! . أجاب بكل براءة .

- وأين تعرَّفتَ عليها ؟ .

- تعرفتُ عليها في مقهى (فيرونا) ، حيث تشتغل . لكن هل لي أن أسألك سؤالا ؟ .

- غير مسموح .. لا تسأل . إني أنصحك بالابتعاد عنها ! . قالها بشيء من الهدوء ، الذي يسبق العاصفة .

- ماذا .. ماذا تقول ؟ . قال مندهشا .

- أقول ما سمعت .. حاول الابتعاد عنها .

- ما هذا الهراء يا طارق ، هل أنت صاحٍ ؟! . لماذا أنت هكذا .. وماذا دهاك حتى تتصرف معي بمثل هذه الطريقة ؟ .

- أكرر .. حاول الابتعاد عنها . قالها بحدة .

- حسنا ، هلا أعطيتني سببا واحدا مقنعا لذلك ؟ .

- ليس من شأنك أن تعرف السبب ، وأحذرك أن تقترب منها .. فهمتَ الآن أم لم تفهم ؟! . صائحا في وجهه .

- كلا .. لم أفهم ولن أفهم .. ولن يمنعني كائنٌ من كان منها ! . قال مزمجرا ، وقد رمى بأوراق قصيدته على الأرض .

أمسك طارق بتلابيب لؤي ، إنها المرة الأولى التي يصل فيها الصديقان إلى هذه المرحلة ، وقال بلهجة صارمة وعيناه تقذف حمما بركانية :

- سأقطع أنفك حينئذ ! .

وخرج بعد أن فرقع باب الغرفة عليه . وانهار لؤيٌ على سريره متهالكا ، فهو لم يصدق ما سمع ولا ما شاهدت عيناه . وسحّت من مقلتيه دموعا حرَّى ، حاول مسحها بطرف كمه ! .

وبعد مضي أسبوع آخر ، كان لؤي يُوصل ماريا على دراجته النارية عند باب شقتها ، وليس هذا فحسب ، بل إنه هذه المرة وتحت إصرارها وإلحافها ، رافقها إلى جوف غرفتها . أضاءتْ النورَ كعادتها ، وشرعتْ في خلع ملابسها أمامَهُمَا ! . وبَدَتْ صورتان متناقضتان لرجلين ؛ أحدهما يكاد يطير فرحا وحبورا ، والآخر يكاد يجنّ ويفقد عقله وصوابه ! . ومضى لؤي في مضاجعتها أمامه ، وهو لا يدري أن صاحبه يراه من نافذته المقابلة . وفي هذه اللحظات الحرجة ، اتخذ طارق قرارَه الذي على ما يبدو لا رجعة فيه ، بعد أن احتسى عشر قنينات من الفودكا الروسية .

-6-

ولما بزغ فجرُ يوم جديد ، كان طارق يُعِدُّ العدة والسكرةُ ما زالت معشعشة في رأسه. طرق طارق شقة لؤي طرقاتٍ حادةً، لكنَّ أحدا لم يفتحْ البابَ. كان لؤي يغط في نوم عميق، فهو لتوِّه قد رجع من سهرة العمر مع عشيقته ماريا . ونفد صبرُ طارق وقام بتهشيم الباب .. وجده منطرحا على الفراش .. لم يرغب في رؤية وجهه ، وأخرج مسدسا كاتما للصوت، ثم أخذ يهمس بهذه الكلمات المؤثرة : ((المعذرة، يا صديقي .. لقد جَمَعَنا يوما شيءٌ اسمُه القهر .. فكنا كالأخ لأخيه .. قضينا أوقاتا عصيبة وأوقاتا مرحة ، يا عزيزي ، وضحكنا ملءَ أفواهنا وبكينا ملءَ حناجِرِنا .. واليوم يفرقنا شيءٌ آخر اسمُه العُهر .. وداعا يا صديقي!!)) .

وأفرغ في صدره ستَ رصاصات، ومن ثم وضع جثثه في كيس قمامة، وقد كتب عليه بالإنجليزية ((Sold)). أما ماريا، التي راح باشتياق ينتظرها عبر نافذته الليلية ، فلم تأتِ كعادتها . وظلت غائبة ثلاث ليال متتالية ، لم تطأ قدمُها أرضَ الشقة . وهو ما دفع به للسؤال عنها في مكان شغلها ، وليأتي الجوابُ من إحدى زميلاتها بأنها سافرت سفرا نهائيا إلى إيطاليا ، بعدما سمعت بمقتل عشيقها لؤي ! .

ولم يخرج طارق من المقهى ؛ حتى وجد الشرطة في انتظاره . وتم توقيفه بتهمة القتل المتعمد ، وفي يوم ظهوره في المحكمة ، نطق القاضي بالحكم ، وهو خمس وعشرون سنة . نكَّس طارقُ رأسَه وأدرك أن الحُبَّ من طرف واحد جنون وانتحار ! .

مايو 2004
________________________________________________

ـ عن المجموعة القصصية "قطار الحب"، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 2005


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home