Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

الإثنين 20 سبتمبر 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

رواية

ألسنة اللهب (11)*

صلاح الحداد

-11-

صحا حسن بعد غيبوبة استمرت دقيقتان ؛ ليجد نفسه بين يدي زوجته كريمة ، وهي تحاول سقيه جرعة ماء . كان محظوظا ، إذ لم يرتطم وجهه بالجدار ، أو بألواح السلم الخشبي . تمالك نفسه في الردهة واقفا ، ثم سار ببطء متمايلا ومعتمدا بيديه على الجدار ، إلى الصالون للجلوس في غرفة المعيشة ، فيما تبعته كريمة ويدها على قلبها ، الذي كاد أن يخرج من قفصها الصدري ، نتيجة الخوف والصدمة . كيف لم تنتبه لوصول البريد ، وتقع في هذا الخطأ القاتل ؟ . يا ويحها ، كيف ستتصرف الآن ؟ . نظر إليها بعينين نصف مغمضتين ، وطلب منها إحضار حقنة الأنسولين .

- هل أنت بخير ؟ .

- أرجوك أسرعي .

هرعت كريمة إلى المطبخ ، وجلبت معها حقنة الأنسولين ، بينما كان صغاره متحلقين حوله .

- هل أقوم بمساعدتك ؟ . سألته كريمة ، وهي تجلس قبالته .

- لا ، شكرا . أستطيع فعل هذا بنفسي . أجاب وقد بدا شاحب اللون منفعلا .

وفيما كانت كريمة تراقب ظرف المكتب الشعبي على الطاولة باضطراب بالغ ، طفق حسن يطهّر موضع الحقن جيدا . وبعد أن ثبت الجلد بإحدى يديه مع جذب مساحة كافية منه بين أصابعه ، قام باليد الأخرى بإمساك المحقنة كما يمسك القلم ، ثم أدخل الإبرة باستقامة داخل الجلد حتى غاصت بأكملها . تألم قليلا ، وهو يدفع المكبس بأكمله إلى أسفل . وضع قطعة من القطن مبللة بمطهر بالقرب من الإبرة ، ثم سحب الإبرة خارج الجلد باستقامة، وضغط قطعة القطن المبللة بمطهر على موضع الحقن . استرخى حسن على الصالون ، وقد شعر بتحسن بعد أن زالت تلكم الغمامة الضبابية على عينيه .

- حمدا لله على سلامتك ! . هل أحضر لك كوبا من الشاي ؟ . سألته ، وهي ترمى بخصلة شعرها إلى الوراء .

- ليس لي نية في شربه الآن . قال ، وهو يمسك الظرف بيده ، ملوحا به أمام عينيها ، وبعد أن أمر صغاره بالانصراف إلى غرفهم للعب ، استأنف قائلا بنبرة حزينة : أهذا ، يا كريمة ، ثمن إخلاصي وحبي لك ؟ . أهذا ثمن حبي لأبنائي وللوطن ؟ . أهكذا صرتُ رخيصا في عينيك ، حتى تبيعنني بثمن بخس ، بعد كل هذه العشرة ؟ . لماذا تفعلين هذا بي ، يا كريمة ؟ . ليس ثمة من مراعاة حتى لمرضي هذا ؟ . توقف قليلا ، قبل أن يعود ويستطرد في طرح الأسئلة : هل نسيت فعلتك الأولى ، والمعاناة المريرة الطويلة التي قضيتها ، حتى حصلت على أولادي من جديد ؟ . لماذا لم تتعلمي من الأخطاء الماضية ؟ .

تغيرت تعابير وجهها ، واكفهرت ملامحه وأخذت نفسا عميقا ، لكنها لم تنبس ببنت شفة . لقد شعرت بالفضيحة ، وهي تلسعها عميقا كلسعة الدبور . لم تجد الكلمات التي تدافع بها عن موقفها ، أو المبرر المنطقي ؛ للحصول على نماذج تعبئة استصدار جوازات سفر لها وللأولاد ، وهي تعلم عين اليقين أن زوجها ، لا يسمح لها بهذا الأمر ، فضلا عن أولاده ، الذين هم قرة عينه ، وبالتالي لا يستطيع التفريط فيهم ، مهما كان الأمر . تذكّرتْ كريمة بسرعة أيام رجوعها الأولى من مصر إلى الوطن ، وكيف عصت زوجها ؛ ليتم القبض عليها في نقطة رأس جدير الحدودية ، وإحالتها إلى التحقيق ، ومن ثم حجز جواز سفرها ، وقد بقيت عالقة هناك لمدة عام ونصف العام ، حتى طلب منها رجال الأمن إنهاء علاقتها بحسن ، وذلك بإحضار ورقة طلاق شرعي ، تفيد بطلاقها من زوجها ، وعندها فقط تتمكن من استصدار جوار سفر جديد لها ولابنتها الصغيرة . وبالفعل ، فقد حصل أن أرسل لها حسن ورقة طلاق شرعي رجعي ؛ ليتمكن من استرجاع ابنته من جديد .

- أنا آسفة ، يا حسن . أخيرا نطقت متأسفة ، وقد ذرفت دمعتين على خديها .

- وهل ينفع الأسف الآن ؟ . إنها طعنة أخرى في القلب ، يا كريمة . أنا الذي لا يمكنني أن أتحمل أن أراك غير مبتسمة ، ولو للحظة واحدة ، تطعنينني من الخلف هكذا ! . لماذا لا تفكرين إلا في نفسك ؟ . لماذا كل هذه الأنانية ؟ .

- أرجوك ، يا حسن ، سامحني ... إنها الغربة ، لم أعد أستطع تحمل المزيد في العيش هنا . كرهت هذه البلاد وما فيها . كل الليبيين رجعوا إلا أنا .

- هل نسيت أننا قد أتينا إلى هنا لاجئين سياسيين ؟ . وبالمناسبة ، فإني أحب أن أذكرك بأنه على الرغم من استقبال الحكومة الأيرلندية ، واحتضانها لنا وصرفها علينا طول هذه السنين ، وتكفلها بدفع كافة تكاليف دراستي الجامعية ، فإنه لم تطلب منا التنصر ، أو تغيير معتقداتنا والتحول عن ديننا ، فضلا عن تعييرنا بما تقدمه من مساعدات سخية ، ليس كما هو الحال مع الإخوان الشياطين ، الذين ما فتئوا يتبجحون أمام الملأ بمساعدتهم لي ؛ لا بل طلبهم بأن أكون عبدا ذليلا لهم وتابعا في كل صغيرة وكبيرة . ثم رجاء ، لا تحاولي خلط الأوراق ، فالذين رجعوا هم من الإخوان المسلمين ، بعدما عقدوا صفقة مع النظام هناك ، وأنت تعلمين جيدا أنه لم تعد لي علاقة بهم ، فلماذا تلزمينني بما لا يلزم ؟ .

شعر حسن الآن بحماسة متقدة تنتشر في جسمه ، على الرغم من حالته الصحية المتدهورة ؛ فأردف قائلا : حسنا ، إذا كنتِ تنوين فعلا الرجوع ، فلماذا لم تشاوريني في الموضوع من قبل ، وإذا كان هذا تعتبرينه من حقك ، فلماذا تقحمين أولادي بالسفر معك ؟ . أليسوا هم أولادي أيضا ؟ . ألا يحتاج الأمر إلى أخذ مشورتي ، فضلا عن إذني بإرسالهم معك ؟ . ألا يُعد هذا خطفا ، يُجرّمه القانون هنا ؟ . هل أرسلك الله للانتقام مني ؟ . وهل هناك من أوحى لكِ بهذه الفكرة الشيطانية ؟ .

في الواقع ، لم يخطر على بال حسن ، أنه كان من ضمن الصفقة ، التي تم الاتفاق عليها مع النظام ، حيث سيضطر في حال خطف أولاده والعودة بهم إلى ليبيا : إما إلى الالتحاق بهم هناك ، ومن ثم تسليم نفسه إلى السلطات ، وإما إلى الصمت ومن ثم العذاب ، بعيدا عنهم إلى الأبد .

- أعترف لك أنني كنت غبية في القيام بهذا الفعل المتهور . رمقته بعينيها الفائضتين بالدموع كذبا ، وهي تحاول تجفيفهما بالمنديل ، متهربة من الإجابة على أسئلته . لقد نزل السؤال الأخير على رأسها كالصاعقة ، وأدركتْ أنها قد سُقط في يدها ، فما كان عليها سوى الاعتراف بالذنب صوريا ، واللعب على وتر العواطف ، فهي تعرف أن نقطة ضعف زوجها حسن ، هي صفة الشفقة في قلبه ، فمن خلالها تستطيع المراوغة ، واللعب على جميع الحبال . كانت تسحقها صور الثأر والانتقام ، التي أخذت تستحوذ على أفكارها منذ دخول أبيها على الخط .

- هل تحبينني ، يا كريمة ؟ . باغتها حسن بهذا السؤال بنبرة خافتة ؛ لأنه أحسّ أن ثمة شك في عقله بدا يراوده يوما بعد يوم ، لا سيما بعد خروجه من الجماعة . وقد تمثل هذا الشك في صور تذمرها من الحياة وكثرة الشكوى وعدم الانسجام ، ناهيك عن تحركاتها المشبوهة أخيرا ، في كثرة استعمال التلفون متصلة بأبيها .

- أجل ، أحبك ، يا حسن . أجابت كذبا مرة أخرى .

- ما معنى حبك لي إذن ؟ . أومأ حسن برأسه ، وراح عقله يلتقط صورا سريعة لحادثة سخرية صهره منه ، عندما كانت كريمة تقوم بزيارة عائلية لوالدها بمانشستر ، خلال سنة ماضية .

- أن أكون وفية لك . أجابت ، وهي تراقبه بنظرات حذرة كنظرات الهرة .

- هل هذا كل شيء ؟ . سألها هذا السؤال ، وهو يريد أن يقرع ذاكرتها ؛ علها تتذكر موقفها المخجل في عدم الذب عن عرض زوجها ، عندما أخذ أبوها ينهش لحمه غيبة ونميمة أمامها وأمام أمها . لقد اكتفت بقص الحادثة عليه عند عودتها . "ما أقل وفاء هذه المرأة ، حقا إنها لا تعلم شيئا عن الحب ... ما الذي جعلني أتزوج بامرأة لم أقابلها في حياتي ؟ . يا لي من أحمق حقا" ، قال حسن بحسرة في نفسه ، وهو يتصفح في ذهنه لحظات حرقه لمذكرته الصغيرة ، ولصورهما معا ، وهما يبتسمان في الأهرامات ، عندما كانا في مصر . كانت تلكم اللحظات من أحزن اللحظات في حياته . "لم تتصل بي ولم ترسل لي حتى رسالة واحدة ؛ للاطمئنان عليّ" ، أردف حسن متمتما بينه وبين نفسه بحزن عميق .

لاذت كريمة بالصمت ، فيما بدا لحمها يرتعش وقلبها ينبض بقوة ، أما عيناها فكانتا تحكيان قصة أخرى من التآمر والغدر والانتقام . لم يعد حسن يعرف إن كان سبب هذا الصمت ، أو الندم ، أو الاحترام ، أو السخرية . اضطر حسن إلى إغماض عينيه وإعادة فتحهما ، قبل أن يتمكن ذهنه من استيعاب ما يرى أمامه .

- حسنا ، سأسامحك ، يا كريمة .. تعرفين جيدا مدى طيبة قلبي . قالها بقلب حنون ، فيما كانت عيناه تترقرقان بالدموع ، ثم واصل قائلا : لكن ليس قبل أن تقدمي لي تعهدا خطيا ، بعدم تكرار هذه الفعلة مرة أخرى ، وسوف أحتفظ بنسخة منه . ومع هذا كله ، فسيبقى جرحي نازفا .

- هل يعني هذا أنك لم تعد تثق بي ؟ . سألت وقد انتابها شعور بالذعر .

- لم تكن المرة الأولى ، يا كريمة . وبصراحة لم يعد قلبي يتحمل أكثر من هذا .

- ماذا تقصد ؟ . راحت كريمة تحدق إليه ، والغدر باد بجلاء في عينيها .

- أقصد أنني لم أعد أثق بك ! .

- إذن ، لا معنى لارتباطنا ! . قالت بنبرة بادرة .

- اتركي لي الصغار ، ولتذهبي في سبيلك .

- أهذا هو شرطك ؟ .

- نعم .

- أرجوك لنفتح صفحة جديدة . تراجعت كريمة بسرعة ، وهي تقلب رموش عينيها مكرا .

- لا مانع لدي ، لكن بشرط أيضا .

أحضر لها ورقة وقلما ، ثم أملى عليها صيغة التعهد : "أنا الموقعة أدناه ، كريمة علي التومي ، أتعهد لزوجي حسن ، بعدم التفكير في الرجوع إلى ليبيا ، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا ، والله على ما أقول شهيد" .

في اليوم التالي ، قبّل حسن صغاره ، واعدا إياهم بجلب الكثير من اللُّعب والحلوى ، وانطلق إلى زيارة طبيبه النفسي ؛ ليجري كشفا روتينيا ، فيما أجرت كريمة اتصالا هاتفيا بأبيها ، تعلمه فيه بفشل الخطة إثر اكتشاف حسن الأمر . وعلى الفور ، أصدر الحاج علي التومي تعليماته لها بالتحول إلى الخطة ب ، مع سرقة نسخة التعهد التي لدى زوجها والتخلص منها .

في الطريق إلى العيادة ، داهمت "حسن" أفكار حزينة ، عصفت بذهنه من قبيل : لماذا يتعلق بامرأة لا تحبه ؟ ، لماذا لم يطلقها حقيقة ، يوم أن تخلت عنه في مصر ؟ . كم كان سهلا لو فعل ذلك ، قبل أن ينجب منها أطفالا ، ويكون أسرة ، وتتعقد مسؤولياته ! . كان بإمكانه أن يتزوج امرأة أفضل وأجمل وأحسن منها ؛ امرأة تحبه بحق ويحبها . لقد ندم على تلكم الأيام الخوالي ، التي كانت كل فتاة في الحي ، تتمنى الزواج منه . "يا لها من فكرة بائسة وغبية ، أن يتعلق رجل بامرأة لا تحبه .. لقد فات الأوان ، يا حسن" . همس حسن في نفسه مذعورا .
_______________________

* نزولا عند رغبة القراء ، سأواصل عرض حلقات الرواية كاملة على صفحة "ليبيا وطننا" . شكرا .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home