Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Thursday, 19 January, 2006

نعـيم الحب

الشاعـر الأديب خالد زغـبية
(*)

صلاح الحداد

شاعر أديب، مرهف الحس، جميل المشاعر، رقيق لبق، دقيق العبارة، سهل اللفظ، أنيق الديباجة، واضح الأسلوب، عذب الموسيقى.

جاء في قصيدته (نعيم الحب)، من الرمل(1) :

والتقينا لم يعد للحـــزن معنى        لم يعد قلبــي خفاقا مُعــنّى

لم تعد أحــلامنا العذراء وهما         وتباريح وأنّــات وحــزنا

لم تعد آمــالنا الأبكــار طيفا        نحن صيرنا الهـوى لحنا مُرنّا

نحن صيرنا الهـوى في راحتينا        ألف دنيا .. ألف رؤيا ألف معنى

فالذي قد كان بالأمــس ضراما        من جحيم الحب صار اليوم أمنا

والذي قد كـــان بالأمس نحيبا       من صميم القلب صار اليوم لحنا

يا حبيــبي قد كفانا ما لقــينا        من تباريح الهـــوى إنا ثملنا

يا حبيـبي قد كفانا ما لقـــينا        من عذابات الهوى هجـرا وغُبنا

قد كفــانا أننا أمضينا عمــرا        نتشــهّى نتـرجـى نتمــنى

أن يجــود الدهــر يوما بلقانا        قـد كفانا أننا اليــوم انتصرنا

قد مضى عهد النوى لا كان هجر        مـذ صبا قلبانا عــدنا فاعتنقنا

فإذا الدنيا حــوالينا ريــاض         وإذا نحـن طيــور نتغــنى

فارتشفنا من رُضاب(2) الحب عذبا        ونهلنا من سلاف(3) القلب دنّا(4)

والتقينا لم يعد للحــزن معنى          فانثـنينا وانتشـينا وطــربنا

*  *  *

تحليل وتعليق

الذاتية

SUBJECTIVITY

تبرز في هذه القصيدة شخصية الشاعر بروزاً واضحاً جلياً، وذلك حينما أفضى عبر تجربته الشعورية الوجدانية بعالمه الباطني، المليء بسعادة اللقيا ونشوة انتصار الحب. إنه فراق الأحزان .. إنها فرحة لا تعادلها فرحة؛ أراد الشاعر من خلالها أن يرحل عن عالم التراجيديا والبكاء على الأطلال، وأن يأخذنا إلى جو صار فيه الأنس لحنا، والقرب أغنية وطرَبا. إنه عالم أرحب من عوالم أولئك الشعراء، الذين أوقفوا حياتهم على ذرف الدموع وبث الأحزان والآلام، كامرئ القيس الذي يقول:

قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل      بسقط اللوى بين الدخول فحومل

أو قول بشر بن أبي خازم :

فظللت من فرط الصبابة والهوى      طرفا فؤادك مثل فعل الأيهم

لقد أراد الشاعر أن يضع حدا لكل هذا وذاك؛ حدا تكف فيه الدموع، وتسكن فيه الروح وتندمل فيه الجروح، ويتحقق فيه الحلم. إنها مسيرة حب كُللت بالنجاح، وحُقَّ للشاعر فيها أن يُعلن انتصار الحب على جميع الأحزان. نعم، انتصار عاشق واثق بنفسه، كثقة الشمس في ضوء القمر! لقد تركت هذه الثقة انطباعاً شفافاً، وإحساساً راقياً عذباً، عبر أفعال ماضية؛ للدلالة على حدوث الفعل وانتهائه، وعبر جوازم صارمة؛ للدلالة على طلوع الفجر وإشراقه. تأكيدات تبعث على الاطمئنان في القلب، وعلى أن كل شيء قد مضى بسلام، فلم يُعد مكان هاهنا للوشاة، ولا للشائعات ..

ولا ننسى تلكم الضمائر المتصلة المتكررة، التي جاءت للتعبير عن مكنون النفس، وعن اتصال الحب وانتصاره.

والتقينا لم يعد للحـــزن معنى        لم يعد قلبــي خفاقا مُعــنّى

لم تعد أحــلامنا العذراء وهما         وتباريح وأنّــات وحــزنا

لم تعد آمــالنا الأبكــار طيفا        نحن صيرنا الهـوى لحنا مُرنّا

نحن صيرنا الهـوى في راحتينا        ألف دنيا .. ألف رؤيا ألف معنى 

الأسلوب

STYLE

 تنوع أسلوب الشاعر بين الجمل الخبرية والإنشائية، وربما يشير هذا التنوع إلى تنوع مشاعر الشاعر ذاته بين ألم الماضي وتباريحه، وبين فرح الحاضر ورياضه. لكنّ الملفت للنظر حقا، هو ذلكم الحضور القوي المتكرر للجمل الإنشائية، إنها تنثال من الشاعر كالسيل العرم في عفوية كاملة؛ لتبوح بما يعتلج في النفس من مشاعر السرور والبهجة، إنها نداءات مفتوحة للعالم، لكل البشر أن ثمة إنسانا هنا، قد تحقق حلمه، قد انتصر وانتشى وطرب ورقص!! . إنه ضرب من التسامي العذري، ارتفع بالشاعر عن الواقع المرفوض؛ ليعيش في عالم رومانسي؛ عالم لا انتحاب LAMENT فيه.

إنه ارتقاء باللغة من مستويات الخطاب الإخباري إلى مستويات استشرافية شفافة، يكون فيها الخيال نابعا من أعماق النفس، ومنعكساً انعكاساً طبيعياً من مخيلة الشاعر؛ لتدرك - أيها القارئ - أن هذا ليس تعبيرا عن عاطفة الشاعر وحدَه، بل هو تعبير عن العاطفة الإنسانية الخالدة.

فالذي قد كان بالأمــس ضراما        من جحيم الحب صار اليوم أمنا

والذي قد كـــان بالأمس نحيبا       من صميم القلب صار اليوم لحنا

يا حبيــبي قد كفانا ما لقــينا        من تباريح الهـــوى إنا ثملنا

يا حبيـبي قد كفانا ما لقـــينا        من عذابات الهوى هجـرا وغُبنا

قد كفــانا أننا أمضينا عمــرا        نتشــهّى نتـرجـى نتمــنى

حالة الموسيقى في الشعـر

STATE OF MUSIC IN POETRY

كان البحر الذي نظم عليه الشاعر قصيدته، هو بحر الرمل، وقد استعمله صحيحاً تاماً غير مجزوء. وبما أن بحر الرمل يعتبر من الأوزان الغنائية الخفيفة، فقد جاءت موسيقاه متناسقة مع مشاعره الفياضة، ومتناغمة مع روحه الوثابة. لقد حول القصيدة إلى أنشودة راقصة، غايتها الإمتاع وبعث السرور والإعجاب. فالكلمات ترقص، والحروف تترنم؛ تعبيرا عن حالتي الارتشاف والانتشاء اللامحدود، ومشاركة للشاعر في يوم انتصاره البهيج. وأضفى رويُّها حرفُ النون، مسحة جمالية غنائية راقية، وهو ينتهي بألف الإطلاق، التي تجعلك لا تملك إلا أن تشاركه إنشاده الجميل هذا. وانظر إليه وهو ينشد:

قد مضى عهد النوى لا كان هجر     مـذ صبا قلبانا عــدنا فاعتنقنا

فإذا الدنيا حــوالينا ريــاض      وإذا نحـن طيــور نتغــنى

فارتشفنا من رُضاب الحب عذبا       ونهلنا من ســلاف القـلب دنّا

والتقينا لم يعد للحــزن معنى       فانثـنينا وانتشــينا وطــربنا

 توازن الجرس الصوتي

ASSONANCE

وقد زاد من جمال هذه المقطوعة الموسيقية الرائعة، تشابه الأصوات وتجانسها في كلمات القصيدة ومقاطعها، وهو ما أضفى رونقاً خاصاً من المتعة، وظلاً خفيفاً من الأنس والبهجة، ومن الشوق إلى الاستماع.

والتقينا لم يعد للحـــزن معنى        لم يعد قلبــي خفاقا مُعــنّى

لم تعد أحــلامنا العذراء وهما         وتباريح وأنّــات وحــزنا

لم تعد آمــالنا الأبكــار طيفا        نحن صيرنا الهـوى لحنا مُرنّا

نحن صيرنا الهـوى في راحتينا        ألف دنيا .. ألف رؤيا ألف معنى


(*) فصل من كتاب "على ضفاف الشعر" دراسة نقدية في الشعر الليبي المعاصر ، صلاح الحداد (دار البستاني ، 2004)
(1) انظر: ديوان السور الكبير، لخالد زغبية. ص/35.
(2) الرضاب: حبات البَرَد.
(3) السلاف: ما سال من عصير العنب.
(4) الدن: وعاء ضخم للخمر.  


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home