Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Saturday, 17 November, 2006

   

غـربة (2)

قصة

جورج مور
(1852-1933)

ترجمة : صلاح الحداد

ـ 2 ـ

كان حديثهم يبعث على الكآبة كما هو مظهرهم . لم يكن لديه أي اهتمام بهم . لم تقفّ له شعرة عندما سمع أن هيقنز ؛ عامل البلاط قد فارق الحياة . لم يتأثر حينما سمع أن ماري كيلي ، التي كانت تعمل في المغسلة بالبيت الكبير قد تزوجت . الشيء الوحيد الذي أثار اهتمامه هو عندما سمع أنها قد رحلت إلى أمريكا . بالطبع لم يقابلها هناك ، فأمريكا بلد مترامي الأطراف . سأله أحد الفلاحين إذا ما كان يتذكر باتسي كارابين ، الذي كان متعودا على الذهاب إلى الحديقة في المنزل الكبير . أجل ، إنه يتذكر باتسي كارابين جيدا . كان يقطن في بيت متواضع . كان غير قادرا على عمل أي شيء بسبب ذراعه . كان بيته قد تهاوى ، وعندها توقف عن العمل في الحقول المستأجرة ، ملتزما بيته . كل هذا كان أمرا محزنا . ولكي يتفادى سماع المزيد من الأخبار المكدرة ، شرع برايدن في الحديث إليهم عن أمريكا ، وقد تحلوق حوله القرويون منصتين . كان كل الحديث عن حياته هناك ، وهو ما أرهقه . أخذ يحدق فيهم وقد تعرف على رجل أشعث أحدب ، اشتغل رأسه شيبا . منذ عشرين سنة مضت ، كان شابا أحدب . التفت إليه برايدن ثم سأله ما إذا كان يعمل جيدا في مزرعته .

- آه ، ليس كثيرا . هذا الفصل فصل سيء . فالبطاطس تلفت بعد أن غمرتها المياه . كان هؤلاء القرويون متفقين على أنهم ليس بإمكانهم فعل شيء خارج حقولهم . كان ندمهم الوحيد هو حول عدم رحليهم إلى أمريكا عندما كانوا شبابا . وبعد أن بذل جهدا لاستيعاب حقيقة خسارة أوكونر لفرس وفلو ، تبلغ قيمتها أربعين باوندا ، بدأ برايدن يُمنّي نفسه بالعودة إلى الحي الفقير بأمريكا . وعندما غادر القرويون المنزل ، تساءل إذا ما سيكون كل مساء كهذا المساء . نثر الوقود على النار ؛ معربا عن أمله في أن تظهر ما يكفي من الضوء ، ذلك حتى يتمكن برايدن من خلع ملابسه . لقد أبقته قوقأة بعض الإوزات يقظا . يبدو أن عزلة الريف اخترقت عظامه ، وعكرت صفو مزاجه . كان هناك خفاشا في مخزن التبن ، وكلبا يعوي عن بُعد . سحب الملابس على رأسه . لم يغمره شعور التعاسة من قبل قط ، وقد أضاف صوت مايك القادم من المطبخ إلى قلقه ذعرا . وفيما أخذته سنة من النوم بينما كان مضجعا على ظهره ، حلم أنه مستيقظ يرى بأم عينيه هؤلاء القرويين ، الذين التقاهم أمس متحلقين حول موقد النار في شكل أشباح خارجة من مكان غير معلوم فيه مستنقع مليء بالقصب . بسط يده إلى ملابسه ؛ عاقدا العزم على الطيران من هذا المنزل ، لكنه عندما تذكر ذلكم الطريق الموحش المؤدي إلى المحطة ، دسّ رأسه في الوسادة . لا يزال الإوز يقوقأ ، لكنه كان مرهقا بحيث ليس بالإمكان أن تبقيه مستيقظا أكثر من ذلك . عندما سمع صوت مايك يناديه ، خُيّل إليه أنه قد نام لبضع دقائق . صعد مايك نصف درجات السلم ؛ ليعلمه أن الفطور جاهز . ما نوع الفطور ، الذي سيناولنيه ؟ . سأل برايدن نفسه بينما كان يرتدي ملابسه . كان هناك شايا وصينية ساخنة من الكعك مع بيض طازج . كانت الشمس تضرب بأشعتها المطبخ ، وقد أحب برايدن سماع مايك وهو يقول إنه سيمضي إلى عمله في الحقول . كان مايك يستأجر مزرعة بسعة خمسة عشر فدانا ، لا يقل عن عشرة منها كانت من العشب ، وقد غرس في فدان منها البطاطس وبعض الذرة واللفت لماشيته . كان لديه مرج أخضر رائعا . أخذ مايك منجله ، وبينما وضع المشحذ في حزامه ، لاحظ برايدن منجلا ثانيا مُلقى على الأرض ، فسأله ما إذا ينبغي عليه الذهاب معه لمساعدته في الحقل .

- يبدو أنك لم تجنِ أي حصاد يُذكر خلال سنة ؟ .
- لا أعتقد أنك ستقدم لي الكثير من المساعدة . من الأفضل لك التجول حول البحيرة ، لكن ربما تأتي عند الظهر إذا رغبت في مساعدتي في قص العشب .
كان برايدن يخشى أن يكون شاطيء البحيرة موحشا ، لكن سحر العودة لاسترجاع صحته ، بدا يعطي مفعولا كافيا لتماثله للشفاء ، وقد مضى النهار على ما يرام . الطقس لا يزال مشمسا . إنه يستطيع سماع البط في غابة القصب . تسارع مرور الأيام ، وأصبح من عادته الذهاب إلى البحيرة كل صباح . وفي أحد الصباحات التقى أحد ملاك الأرض . تنزها معا متجاذبين أطراف الحديث حول أحوال الريف ومدى الدمار الذي حلّ فيه . حدثته جيمس برايدن عن اعتلال صحته ، التي كانت سببا في العودة به إلى أيرلندا . جذف برايدن حول الجزر بقارب استعاره من صاحب الأرض ، وأثناء تجوله استراح على المجداف ، وأخذ ينظر إلى القلاع القديمة ، متذكرا الغزاة الأوائل ، الذين حدثهم عنهم صاحب الأرض . تذكر الصخور ، التي يعقد عليها قاطنو البحيرة مراكبهم بأيرلندا . كانت هذه المعالم لأيرلندا في العصور القديمة تسلي مزاجه . وكما كانت هذه البحيرة الكبيرة ، كانت هناك أيضا بحيرة أصغر في المستنقع ، حيث يقطع القرويون العشب . اشتهرت هذه البحيرة برأسها المستدق ، وقد سمح له المالك باصطياد السمك فيها . وفي أحد المساءات وبينما كان يبحث عن ضفدعة ؛ ليجعلها طعما في صنارته ، قابل مارغيت ديركن وهي تسوق البقرات إلى البيت ؛ ليتم استحلابها. كانت مارغريت ابنة راعي البقر ، وهي تقطن في كوخ قرب البيت الكبير ، لكنها كانت تأتي إلى القرية كلما كان هناك حفلة رقص ، وقد وجد برايدن نفسه أمامها في المكب . لكن حتى هذا المساء كانت لديه فرص قليلة للتحدث معها . كان سعيدا للتكلم مع شخص ما ، لا سيما عندما يشعر بالوحدة . وقفا معا يتحدثان .
- أنتَ تستعيد صحتك مرة أخرى . قالت . قريبا سترحل عنا ؟.
- لست في عجلة من أمري .
- أنتم مرتاحون هناك ، فقد سمعتُ أن رجلا يتقاضى أربع دولارات يوميا عن عمله .
- وإلى أي مدى . قال جيمس ، هل يجب عليه الدفع لطعامه وملبسه ؟ .

كانت وجنتاها براقتين وأسنانها بيضاء صغيرة . نظرت إلى برايدن من خلال عينيها الأريلنديتين الرقيقتين . ارتبك فتنحى جانبا ، وهي لا تزال تحبس عينا على الضفدعة ، وعينا عليه .
- كنت أبحث عن ضفدعة ؛ كي أضعها على رأس الصنارة ، قال برايدن .
وثبت الضفدعة يمينا وشمالا ، وقبل أن تختفي تحت الشجيرات ، استطاع برايدن الإمساك بها ثانية .
- إنها مجرد نوع من الضفادع التي يحبها سمك الكراكي ، قال . انظري إلى بطنها الرائعة وظهرها الأصفر اللامع .
ودون مزيد من اللغط ، دفع بالسلك عبر المخطاف الذي كان قد ثبت بواسطة جسم الضفدعة ، ساحبا إياه من الفم . عدل المخطاف من جهة الأرجل الخلفية ، وقد عقد الصنارة بنهاية السلك .
- أعتقد ، قالت مارغريت ، أنه يجب عليّ الاعتناء ببقراتي . لقد حان الوقت لاقتيادهم إلى المنزل .
- ألاَ تريدين القدوم إلى البحيرة بينما أهيأ أنا الصنارة للاصطياد ؟ . فكرتْ للحظة ، ثم قالت :

- كلا ، سأكتفي بمراقبتك من هنا . وبينما نزل إلى البحيرة الصغيرة المليئة بالقصب ، كانت بعض طيور الجهلول ذات المنقار الطويل قد اقتربت منه ، وأخذت تحلق فوق رأسه وهي تصرخ صارخا حادا . كان قضيب صنارته قضيبا طويلا من خشب البندق . رمى بالضفدعة بعيدا في البحيرة بكل ما يملك من قوة ، الأمر الذي أيقظ البط البري . اثنان منهما طارا نحو البحيرة الكبيرة . كانت مارغريت تراقبهما عن كثب وهما يطيران في خط مستقيم متواز مع القلعة القديمة . لم يختفيا عن الأنظار حينما قدم برايدن نحوها . وفي نهاية المساء ، قام برايدن ومارغريت باقتياد البقرات إلى المنزل . لم يلتقيا كثيرا حينما قالت له : "جيمس ، من الأفضل لك عدم القدوم هنا لملاقاتي" .
- أليس تتمنين قدومي ؟ .
- بلى ، أتمنى قدومك ، لكن المداومة على مصاحبتي ليس من عادات أهل الريف ، وأنا لا أريد أن أكون معرض حديث الناس .
- هل تخشين من حديث القسيس ضدنا في الكنيسة ؟ .
- لقد سبق أن تحدث ضد صحبة الفتية للفتيات ، لكن ليس هنالك كبير أهمية فيما يثرثر حوله القسيس ، إذ يبقى الأمر مجرد ثرثرة .
- لكن إذا أردتِ أن تتزوجي ، فلن يكون هناك أذى في تجوالنا معا .
- حسنا ، ليس كثيرا ، لكن الزيجات تتم بطريقة مختلفة في هذه الجزء من العالم . لا يوجد هنا الكثير من الغزل .

وفي اليوم التالي ، كان معلوما لدى القرية بأكملها ، أن جيمس عازم على الزواج من مارغريت ديركن .

إلى اللقاء ...


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home