Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

السبت 17 يوليو 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

رواية

ألسنة اللهب (6)

صلاح الحداد

-6-

عندما استيقظ نزار من غيبوبته ، جراء تأثير الأقراص المنومة ، كان قد أصبح في الجنة . كل شيء حوله كان ناصع البياض . كان النور باهرا ونقيا . نعم لقد كان في الجنة لتوه . وأين تراه يريد أن يكون ؟ .

جداول تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء .. دوي المزامير والقبب الشاهقة .. قصور ومقصورات من أروع ما يمكن تخيله ، جميعها مغطاة برسوم فاتنة ومموهة بالذهب ، وأصوات غناء وترنيم ، والزجاج الملون ، الذي يومض ذهبا وفضة . أجل ، لقد قضى نزار ليلته في الجنة في أوضاع غير محتشمة مع فاتنات صغيرات من أجمل نساء العالم ، وهن يعزفن على مختلف الآلات الموسيقية ويغنين بأصوات رخيمة ، ويؤدين رقصات تخلب الألباب ، يداعبنه بما ملأ قلبه حبورا حتى أشبعن كل رغباته ، إلى درجة أنه تمنى ألا يغادر هذا المكان أبدا .

لقد نُظمت بالوصف الذي جاء به النبي محمد في الفردوس ، كحديقة تفيض بأنهار من الخمر واللبن والعسل والماء ، مليئة بالحور العين . إنها حديقة الجنة ، وهي أجمل حديقة يمكن أن تقع عليها عين ، صُممت خصيصا على طراز الحدائق اليابانية ، التي تعكس فلسفة العناصر الأربعة المكونة ، التي يمثل فيها الخمر واللبن والعسل والماء عملية التجدد والخلود في اليوم الآخر .

وها هو الآن راكع في غرفة مظلمة أمام العجوز عباس في احترام بالغ ، منتظرا تقليده الدرجة الرفيعة . كان عاري الجسد ، وقد بدا على ظهره وشم النسر العملاق ، مطبوعا على أسفل عنق رقبته الرقم 28 . وفي طقوس مشابهة إلى حد ما لطقوس تقليده الأولى ، أزال العجوز العصابة المخملية الناعمة من على عينيه ، فيما كانت أمامه جثة ترمز لمصير عضو الجهاز الخاص ، الذي حنث في يمينه وخان العهد وأفشى الأسرار . كانت سيوف الحراس مرفوعة باتجاه هذه الجثة ، وقد نقش على أسنتها اللامعة كلمتا العدل والرحمة . إن الارتقاء إلى هذه الدرجة ، يعني تلقي النور والخروج من الظلمة ، ومن الأمية إلى العلم ، ومن الجهل إلى المعرفة . إنه التنوير .

"أقسم .. أكمل رحلتك إلى الفردوس الأعلى ، يا نزار" . ضغط العجوز خنجرا مسمما على صدره العاري ، كتلك الخناجر التي يستعملها الحشاشون في اغتيال أهدافهم ، ثم أردف قائلا : لتردد معي "أقسم بالله وبالسبع المثاني وبشرفي ، وقد ارتقيت الدرجة الثامنة والعشرين ، أن ألزم نفسي بأن لا أخون إخوتي الأعضاء في أي شيء يضرّ بشخصهم ، ولا أي شئ بخصوص أسرار الجهاز الخاص ، كما ألزم نفسي أن اتبع مبادئه ، وأن أطبق قراراته بالطاعة العمياء والدقة والحماسة والإخلاص ، والله على ما أقول شهيد" .

علّق العجوز مفتاح الفردوس الأعلى على عنقه ، ثم أخرج كاميرة فيديو رقمية صغيرة من جيبه ، وضغط على زر التشغيل ، ثم أدار الشاشة ناحية نزار حتى يتمكن من مشاهدة الفيديو . ذهل نزار مما شاهده وقد امتقع وجهه واصفر ، غير مصدق لما وقعت عليه عيناه . كان بإمكانه سماع دقات قلبه السريعة .

- هل تظن أننا نقدم خدماتنا مجانا ؟ . ابيضت عيناه كالقرش ، الذي يكون على وشك أن ينقض على فريسته ، فيما كان الصوت المنبعث من حنجرة العجوز رنانا وباردا وممزوجا بشيء من المكر والخلاعة .

فجأة ، لمعت صورة أمه في ذهنه ، وهي تقول له ذات مرة : "سوف يحرسك الله ويحميك إلى الأبد" . ولكن أين هو الله الآن ! . سأل نفسه ، وقد استجمع كل ذرة شجاعة لديه ؛ لكي يمنع نفسه من البكاء ، ومن ثم الانهيار ، وأرغم نفسه على الصمود .

***

- يظن أن الشركة (كناية عن جماعة الإخوان للتمويه) ، ستخسر خدماته الجليلة . لقد صدّق هذا الأبله حقا أنه حسن البنا . سخر مراقب الإخوان الليبيين ناجي عمر من استقالة حسن ، وهو يجري اتصالا هاتفيا من مقر إقامته بولاية كاليفورنيا ، مع الحاج علي التومي بمانشستر .

- كم كان مخدوعا هذا الأرعن ، الذي كان لا يساوي شيئا مذكورا ، قبل انضمامه إلينا . قهقه الحاج التومي ، ثم أردف قائلا : إنه يذكرني بالمثل الليبي القائل : سمّن كلبك يأكلك ، فبعد أن صيرناه رجلا وزوجناه وتكفلنا بدفع كافة مصاريف دراسته الجامعية ، يأتي اليوم بكل صلافة يريد محاسبتنا . دعه لي ، سأتولى أمر معاقبته على تطاوله الوقح هذا ، فلدي خطة جهنمية للإيقاع به .

- أجهز عليه ... لا أستطيع أن أنتظر ذلك اليوم الذي أرى فيه نهايته .

قضى حسن طفولته المتبقية وسنوات شبابه ، بعد أن فرّ من دار الأيتام ، في بيت أرملة طيبة مسنة ، كانت قد تبنته وقامت على رعايته حتى شب وكبر . كان يحبها أكثر من أي شيء آخر في العالم ، وعندما يسألها : أين والدي ؟ ، كانت دائما تجيبه قائلة : الله هو والدك الآن . لقد مر على ذلك الآن خمس وعشرون عاما . والآن وقد مرّ شهر على تقديم حسن مذكرة استقالته من الجماعة ، ولا مجيب لطلبه واستغاثته . لقد لزمت الجماعة الصمت ، فيما عدا بعض المحاولات الفردية من بعض الإخوان ، الذين حاولوا ثنيه عن موقفه ، على طريقة حل الخصومات في النظم القبلية ، وذلك بإقامة وليمة عشاء كبيرة ، يوضع اللوم فيها على سوء الفهم . بيد أن "حسن" ظل متشبثا بموقفه ، رافضا التنازل عن طلبه ، وهو فتح تحقيق محايد في القضية ، لمعرفة من المخطئ ومحاسبته ، وإلا فإنه سيطوي صفحة الإخوان إلى الأبد .

ولم يتأخر صمت الجماعة أكثر من ذلك ، حتى تلقى صفعة قوية على وجهه ، عندما شاهد حسن على شاشة قناة الجزيرة صورة صهره ، وهو يتحدث عن خيار الإصلاح الاستراتيجي ، كناطق رسمي باسم الجماعة ، وهو ما اعتبره إشارة واضحة في الرد عليه ، وعلى كل من تسول له نفسه حتى مجرد التفكير في محاسبة رجال التنظيم المتنفذين .

"يا للمهزلة ، كان من المفترض أن يوبخ على صنيعه في أقل تقدير ، لا أن ينصب ناطقا رسميا" . تحدث مع نفسه متحسرا .

أصيب حسن بخيبة أمل كبيرة ، وقد بدأ في الوقت نفسه يعد نفسه لما هو آتٍ من ردة فعل انتقامية عنيفة ، فتوقعاته قد ترسخت عندما قام بزيارة طبيب نفسي ، خلال الأسبوعين الماضيين ؛ ليشرح له ما يمر به من ظروف نفسية قاهرة على يد صهره ، سبّبت له صداعا حادا في الرأس ، وقلة النوم والاستيقاظ ليلا على كوابيس مرعبة لمرات عديدة ، وضعفا في الشهية .

ناوله الطبيب أقراصا ضد الكآبة ، ثم قال : "يعتبر الشخص ساديا إذا تكرر حدوث واحد من هذه الأشياء". أومأ الطبيب مايكل برأسه ، ثم أخذ يُعدّد له الأعراض . "استخدام الوحشية أو العنف مع الآخرين بهدف السيطرة ، إهانة واحتقار الناس في حضور الآخرين ، معاملة المرؤوسين بخشونة ، الكذب من أجل إيذاء الآخرين أو التسبب بالألم لهم ، الاستمتاع بمعاناة الآخرين النفسية والجسدية ، حب الاستئثار بالقوة والتحكم في الذات والأشياء الخارجية ، السعي للتأثير على الآخرين . ومن الأفكار التي تسيطر على الشخص السادي أيضا : حب الهيمنة في العلاقات مع الأصدقاء والأقارب ، والمنزل وعلى الجماعات ، التي ينتمي إليها وكذلك في العمل ، حب السيطرة على الآخرين ، السعي لتولي المسؤولية وتوجيه كافة النشاطات ، كراهية كل شيء لا يوجد لديه ، الشعور الطاغي بأنه هو الذي يجب أن يصدر الأوامر دائما ويضع القواعد ، الشعور بأنه يعرف ما هو الأفضل لكل شخص آخر ، وأخيرا الانتقام إذا حاول أحد تحدي سلطته ، فإن من واجبه إيقاع العقاب عليه . عليك الاعتناء بنفسك ، يا حسن . نصحه الطبيب مربتا على كتفه .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home