Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Tuesday, 16 January, 2007

 

التعـددية الثـقافية في عـصر العـولمة (1)

التعـددية الثـقافية في الغـرب

دراسة نقدية(*)

صلاح الحداد

(1)

الفهرس
1. ماهية التعددية الثقافية
1.1 خلفية تاريخية موجزة
1.2 التعددية الثقافية: المصطلح والنظرية
1.3 نقد التعددية الثقافية: القوة والديمقراطية
1.4 مقاربة التعددية الثقافية: نحو ديمقراطية حقيقية

*   *   *

"الجميع يعلم ما فعله كولومبس سنة 1492 ، لكن ليس كل واحد يتذكر ما فعله سنة 1493"
                                                                                (Helgerson, 1992:27).


1. ما هي التعددية الثقافية (Multiculturalism)؟

1.1 خلفية تاريخية موجزة: يبدو من الصعب على مدى التاريخ الإنساني أن تجد مجتمعات بشرية لم يكن التنوع الثقافي فيها معلما رئيسا. هذه الحقيقة غدت اليوم أكثر وضوحا في عصر العولمة، بحيث صار من المستحيل لأي كان تجاهلها، ناهيك عن إنكارها. وأيا كان الأمر، فإنني أعتقد أن الجواب عن السؤال التالي، سيساعدنا على فهم كامل لِما يعنيه هذا المصطلح المعاصر"Multiculturalism"، وما هي سياسته واستراتيجيته. والسؤال هو: كيف تعامل الغرب الاستعماري مع التنوع الثقافي منذ سنة 1492؟ . بمعنى آخر ، ما نوع جملة المواقف والسياسات التي اتبعت ونفذت بواسطة الغرب الاستعماري ، كرد على هذه الظاهرة ؟ . بالطبع ، فإن الجواب عن هذا السؤال يقتضي مني مراجعة -ولو مختصرة- لتاريخ هذه السياسات والمواقف ، التي تبنيت ونفذت من قبل الاستعمار الغربي . وبلا أدنى شك ، فإنني أعتقد أنه من دون فهم كامل لتاريخ الاستعمار الغربي ، فليس ثمة من طريق آخر يمكننا من فهم ملائم لكيفية عمله اليوم ، ناهيك عن بناء خطة أو استراتيجية لمواجهته .

أنماط الاستبعاد
(1) سياسة الإبادة الجماعية (من القرن 15 إلى القرن الثامن عشر) : أول رد ملحوظ على التنوع الثقافي كان التاريخ البشري قد شهده ، هو ثقافة الإبادة الجماعية ضد سكان أمريكا الأصليين. كانت هذه واحدة من أكثر حملات الإبادة الجماعية قساوة ووحشية في التاريخ. وقد بدأت أول ما بدأت كأي إبادة جماعية، يُعامل فيها الضحايا على أساس أنهم أحطّ من منزلة البشر . وهذا النمط يمكن أن يعرف كنظام يهدف إلى هدم تقاليد المجموعات العرقية بشكل كامل أو جزئي ، عبر العديد من الأسباب . بالطبع ، فهناك العديد من المظاهر التي صاحبت الإبادة الجماعية ، التي نفذت في أمريكا الشمالية ضد السكان المحليين بواسطة المستوطنين الجدد . لقد تضمنت قائمة سياسة الإبادة الجماعية في أمريكا أنواعا عدة ؛ منها : إعدامات واسعة ، تطهير عرقي ، مذابح عسكرية ، تهجير قسري ، حجز. (Kivisto, 2002: 51 & Kymlicka, 1995: 22) .

وقد استمرت عمليات الإبادة هذه حتى مُسح السكان الإصليون من على وجه القارة تقريبا ، ومسحت معهم الكثير من لغاتهم وثقافتهم ودياناتهم . فعلى سبيل المثال ، "فإن مناطق آهلة كانت قد خسرت 90 في المائة من نسبة قاطنيها الأصليين"(Mann, 2005:76) . تاريخيا ، فإن هنالك الكثير من العوامل ، التي أدت إلى اقتراف مثل هذه الجرائم ضد الإنسانية . بيد أن أهمها هو أيديولوجية الاستعلاء الحضاري أو العرقي . كانت المسيحية على سبيل المثال ، تدّعي "لقرون طويلة أنها تمثل سلطة السماء" (Mohawk, 1992:441) . لذلك "فإن عقيدة الحق الأوحد والتسامي الأخلاقي والحضاري ، كانت بدورها قد ألهمت وبرّرت الكثير من الحملات التبشيرية والاستعمارية ، التي سيقت إلى أولئك الذين يقبعون في الظلام الدامس . (Smith, 1996:194) .

وفي حقيقة الأمر ، فإن المستوطنين الجدد (الأوروبيين) ، كانوا قد بدأوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ذوو منزلة حضارية عليا ، تخوّلهم مسؤولية حمل الحضارة إلى من هم أقل منزلة . وعندئذ ، شطرت نظرةُ العالم الاستعماري الحقيقة إلى ضدين : الخير الشر ، الجسد والروح ، الإنسان والطبيعة ، أوروبيين وبدائيين .

(2) سياسة الانصهار (من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين) : مع بداية نزوح أسراب هائلة من المهاجرين الجدد خلال بدايات القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين ، بدأت المخاوف في الولايات المتحدة تتصاعد من هؤلاء الذين ينعتون بـ"الآخرين" . وكانت الخطة التي اتبعت في التعامل مع هذه الأزمة ، هي خطة سياسة الانصهار التي نفذت "لتبرر حملات الأمركة ... هذه الحملات كانت تنوي الانقضاض على أي أثر لثقافة القادمين الجدد (Kivisto, 2002:46) .

كل الثقافات صهرت في الشخصية الأمريكية ؛ أي في مجرى الثقافة الرئيس . وهذا المجرى الرئيس كان في الحقيقة مجرد ثقافة إنجليزية استعمارية قديمة بالدرجة الأولى . أما عن المهاجرين الذين قاوموا سياسة الانصهار هذه ، فقد عُدّوا غير أسوياء . الأيرلنديون ، على سبيل المثال ، كان يُنظر إليهم باعتبارهم "زنوجا من البيض" (Ibid:46) .

(3) سياسة الاستيعاب والتعدد الثقافي (منتصف القرن العشرين إلى بداية القرن الواحد والعشرين) : في الستينيات من القرن المنصرم، تصاعدت وتيرة تظاهرات السود بشأن استبعادهم من المجتمع الأمريكي. ولمواجهة هذا التمرد اتخذت خطوات عاجلة لامتصاصهم مرة أخرى في سيل الثقافة الرئيس، وذلك من خلال سياسات الاندماج في المدارس على سبيل المثال. ومن هنا طرحت سياسة الاستيعاب (1) كـ"عملية تستهدف الأشخاص من ذوي الأصول العرقية المختلفة ، للتفاعل مع المجتمع الكبير ... لقد كانت عملية من اتجاه واحد ، تقوم المجموعات العرقية من خلالها بالتخلي عن هويتها الأصلية ، في مقابل تشرّب قيم الثقافة المهيمنة السائدة في المجتمع المضيف . (Bennett, 1986:36)
مع نهاية السبعينيات أو لنقل بداية الثمانينيات ، غدا واضحا لذوي السلطة أن سياسة الاستيعاب فشلت فشلا ذريعا ، بطريقة أو بأخرى . (Kivisto, 2002: 30 & Bennett, 1986:37) فقد أظهرت الثقافة السوداء ، التي كانت حقل تجارب استحالةَ الامتصاص . ومن المثير للدهشة "أنه لم يكن مهما ذلكم القدر الذي حاوله السود في تشرب الثقافة الأمريكية ، فقد بقوا رغم ذلك مهمشين على أساس لون بشرتهم (Kincheloe & Steinberg, 2002: 4) . وسريعا ما حلت سياسة التعدد الثقافي كبديل محل سياسة الاستيعاب. فقد عرّفتBennett (1986) هذه السياسة الجديدة كـ" عملية تسوية ، تمت على أساس من الاحترام والتقدير المتبادل بين المجموعات العرقية المختلفة ... فقد سُمح لأعضاء هذه المجموعات المختلفة بالاحتفاظ بالكثير من ممارساتهم الثقافية ، طالما بقيت هذه الأخيرة لا تمثل تهديدا لوحدة المجتمع ككل (p. 37).

(4) سياسة التعددية الثقافية (من بداية القرن الواحد والعشرين حتى الآن) : ظلت سياسة الإجماع على نجاة المجتمع ككل في خطر . وبمعنى آخر ، فإن السياسة التي مفادها أنه ليس هنالك من أهداف أو قيم مشتركة تستطيع توحيد الأقليات غير أهداف أو قيم الإجماع ، التي هي بالأساس في يد الثقافة المهيمنة كانت قد أخذت تترنح . ويجدر التذكير بأن الحديث عن أي شكل من أشكال الاستقلال الذاتي الحقيقي ، بقي خارج نطاق السؤال . وأمام هذا الضغط المتنامي ، الذي ربما يؤدي إلى انفجار المجموعات العرقية داخل المجتمع ، اقترحت خطة جديدة ، أطلق عليها اسم ""Multiculturalism .

وعلى ضوء ما تم استعراضه حتى الآن ، فإنه يمكنني تلخيص أهم معالم التعددية الثقافية ، رغم اختلاف الأسماء وتنوع المصطلحات –على مدى مسيرتها التاريخية- على هذا النحو : (1) التعددية الثقافية كأطروحة سياسية غربية ليست ظاهرة جديدة ، بل إنها متجذرة عميقا في التاريخ الامبريالي الاستعماري الغربي ، تتغير وتتقلب حسب الظروف المجتمعية والسياسية من حالة إلى أخرى ؛ مُحاولة في هذا كله الحفاظَ على مفاتيح السيطرة في العالم بوجه عام ، وعلى قوى التحكم في المجتمع بوجه خاص . (2) مثل هذه السياسة ، تفترض دائما أن البيض ليسوا هوية أو مجموعة عرقية ، وهذا الافتراض مرتبط ضمنيا باستعلاء ثقافة البيض . الجنس البشري وعلاقاته ، على سبيل المثال ، (كأيديولوجية قائمة على نوعية الدم ولون البشرة..إلخ) ، لا يزال "عاملا مركزيا في تركبية الهوية الغربية" (Furedi, 1998:1) . (3) ظهرت التعددية الثقافية المعاصرة ، كرد لا مفر منه على تصاعد أعداد المهاجرين واللاجئين في المجتمع الغربي . بمعنى آخر ، "فإن الغربيين كانوا قد وصلوا إلى نتيجة مفادها: ارغب فيها أو لا ، فإنك تعيش في مجتمعات متعددة الثقافات" (Kincheloe & Steinberg, 2002: 2)

ملحوظة : لا يجوز إعادة نشر هذه الدراسة إلا بإذن من الكاتب ، وإلا ستعد قرصنة .

إلى اللقاء ..

haddadsalah@yahoo.com
________________________

(*) جزء مترجم من أطروحة بالإنجليزية بعنوان
"Examining Multicultural Literature Books for Children" May, 2006. by Salah Haddad
(1) See also Goldberg T. David. (1994) Introduction: Multicultural Conditions IN: David T. Goldberg (ed.)
Multiculturalism: A Critical Reader, Blackwell Publishers Ltd, Reprinted 1995/6. P. 4.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home