Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Friday, 15 February, 2008

   

مستقبل ليبيا بين يدي الفيلسوف جيرمي بنتام
( 3 من 3 ) ـ الأخيرة


صلاح الحداد

يمكن القول إن مشروع بنتام لتأسيس دولة مدنية دستورية ديمقراطية في طرابلس ، كان يقوم على تقديم مسودة دستورية شاملة ، تتناول كل الحقوق في المجتمع ، موفرة في ذات الوقت إصلاحات جوهرية ، تعمل على صياغة جديدة لشكل الحكم وشؤون الإدارة ، بما في ذلك من خطط لتطوير المؤسسات التعليمية (الدينية) والاجتماعية والاقتصادية ، مثل المساجد والمدارس والمعاهد والسجون والمصانع ، وإعادة تأهيل الأئمة والمعلمين ، أو العمل على تغييرها بمؤسسات أخرى مدنية إذا لزم الأمر . إن هذه المسودة الدستورية الشاملة باختصار ، كانت تستهدف بالأساس ثلاثة وجوه مهمة في السلطة ؛ هي : الحكومة ، الإدارة ، المؤسسات .

كان بنتام يأمل في أن يكون الدغيس -بما له من وزن سياسي في الحكم لدى البلاط الباشوي وآخر اجتماعي- ، الرجل المناسب الذي يناط به القيام بهذه المهمة العسيرة . لكن المشكلة العملية التي استغرقت لبّ الفيلسوف ، هي في كيفية التمكن من وضعه في موضع السياسي المنفذ ؛ أي كوزير من وزراء الحكومة ؛ كي يعمل على تطبيق هذه التغييرات بطريقة أو بأخرى ، وإلا فإن المشروع سيذهب كغيره أدراج الرياح . وها هو أخيرا قد اهتدى إلى التركيز على مشكلة من سيخلف يوسف باشا ، ومن ثم تداعيات هذا الاستخلاف وعلاقاته بعائلة الدغيس على وجه الخصوص . كان بنتام جازم الاعتقاد من أن أي وريث للباشا يكون مختلفا عليه بين القبائل ، أو لنقل لا يحظى بقبول واسع ، سيقود البلاد حتما إلى حرب أهلية . وبما أن الدغيس تربطه علاقة مصاهرة مع ابن الباشا علي ، وجد الفيلسوف أنه ربما يكون من الأنسب المراهنة عليه ؛ ليكون هو خليفة الباشا ، وليسهل من ثم تمرير الإصلاحات ، أو المقترحات الدستورية الشاملة في البلاد وتطبيقها .

كانت هذه صورة عامة ومختصرة عن ملامح المشروع الليبرالي ، أما فيما يخص تفاصيله ، فقد قام الفيلسوف برسم ثلاث خطط لتحقيقه ؛ حيث كانت الأولى : إقناع الباشا نفسه -بالتي هي أحسن- بالقبول بأن تتم هذه المقترحات الدستورية الإصلاحية على يديه ، الأمر الذي يتطلب –إذا وافق- تنفيذ ثلاث خطوات عملية هي :
1- خطاب شخصي من الباشا ، يطرح فيه بوجه عام إلى عامة الشعب ، فكرة قبوله بتوسيع المشاركة السياسية ؛ أي القبول بأن يكون عاهلا للبلاد ، مع إعطاء صلاحيات أوسع للحكومة ، ودور أكبر لمؤسسة برلمانية تشريعية منتخبة من الشعب .
2- خطاب شخصي من الباشا ، إلى كل من ولديه علي ومصطفى ، يطلب فيه منهما الوقوف مع حسونة الدغيس ، ودعم توجهاته الإصلاحية الليبرالية .
3- خطاب شخصي من الباشا ، إلى كل الوجهاء ورؤساء القبائل في البلاد ، يطلب فيه مساندتهم وتعاونهم .

وقد اقترح الفيلسوف ـ في حال قبوله بتنفيذ هذه المقترحات الدستورية ـ على الباشا أن يوقع اتفاقا رسميا في المسجد الرئيس بالبلاد، ويلقي من ثم خطابا إلى الأمة ، خطه له بنتام بنفسه، وقد جاءت بدايته على هذا النحو :
"إلى الشعب الذي ائتمنني الله تعالى على العناية بهم. أفتتح هذا اليوم بما أمرني به الله في كتابه الكريم، حيث قال : وشاورهم في الأمر..."

كان هذا الخطاب ، مدخلا لإجراء تغييرات وإصلاحات جوهرية واسعة ، تشمل بالدرجة الأولى إقامة دستور للبلاد ، يتأسس على اختيار الناس الحر لحكومتهم ، بما في ذلك إنشاء مؤسسات مدينة ، تعمل على ضمانة تمثيل الناس ، وتوصيل أصواتهم إلى الحكومة ، كالبرلمان مثلا . ولم ينس كل من الفيلسوف والدغيس أن يُصدر الباشا ميثاقا في هذا الخصوص . هذا الميثاق كان في طريقه إلى أن يصير تشريعا وقانونا ملزما ، يعلن عنه الباشا في خطاب العرش اللاحق . لقد تضمن هذا الخطاب تعهد الباشا لشعبه بخدمتهم حتى انتهاء فترة ملكه ، منتهيا إلى خلاصة مفادها أن الالتزام الفعلي بتحقيق السعادة والرفاهية لمعظم أفراد الشعب ، هي الطريق الوحيد لاختيار وتعيين وريث الحكم ، لا غير .

وإذا ما فشلت هذه الخطة ، بأن رفض الباشا تلبية هذا الطلب مثلا ، فإن الخطة الأخرى ، كانت هي العصيان المسلح ، الذي يقوم على حملة عسكرية واسعة ، بمساعدة قبائل جبل نفوسة البربرية على وجه الخصوص . كانت هذه الخطة منوطة أعباؤها بالدغيس نفسه ، الذي عليه أن يعي أنه ربما تكلفه هذه المغامرة رأسه . وقد كتب الفيلسوف خطابا إلى النفوسيين "Address to the Mountaineers" ، يحضهم فيه على الثورة على الاستبداد ؛ لتشكيل حكومة تتمشى مع تعاليم القرآن في الشورى ؛ أي بمعنى حكومة منتخبة ، يرأسها أقدر الناس على تسيير دفة الحكم . كان لدى الدغيس ما يقارب ألف جندي ؛ نحو مائتين منهم من الخيالة . كان الاقتراح هو أن يسافر الدغيس وبعض مرافقيه إلى مالطا ، في محاولة استطلاعية ؛ لاختيار أفضل المواقع الهجومية ، وذلك قبل استدعاء الجنود . كل هذا بالطبع ، كان يتطلب من الدغيس طلب الحماية من بعض السفن الحربية في حوض المتوسط ؛ لتأمين وصوله إلى الشواطئ الطرابلسية . كان في حسبان الدغيس الحصول على دعم من النظام الليبرالي الصاعد في إسبانيا ، كما كان يأمل أيضا ، الحصول على تمويل لحملته العسكرية ، ذلك عن طريق سلفة ، تقدر بنحو خمسين ألفا من أرباب المال البريطانيين .

وإدراكا من الفيلسوف ، بأن المعرفة قوة قائمة في ذاتها ، لا تنحني إلا لنفسها ، وأنها التجسيد الأكبر لقوة الإنسان وحريته واستقلاله وتاريخيته ، فقد وضع خطة بديلة ثالثة ، ألا وهي الرحلة المعرفية إلى طرابلس الغرب . إذ يبدو أن الفيلسوف كان على دراية بما تقوم عليه وتنتجه ثقافة المجتمع البدائي هناك ، من أفكار مطلقة ، يتوارى أى دور للعلم والمعرفة فيها ؛ لذا فقد كانت هذه الخطة بالغة التعقيد ، تتلخص وظيفتها في جوانب فكرية وعلمية واقتصادية ، تستهدف تأسيس قاعدة معرفية بالدرجة الأولى ، تضم ثلة من العلماء والمفكرين الليبراليين الطرابلسيين ؛ ممهدة الطريق للتغيير الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي الكبير المرتقب . أما فيما يتعلق بالجوانب العلمية والاقتصادية ، فقد كان اهتمام الفيلسوف منصبا على اكتشاف موارد طبيعية ، كالماء والحديد والفحم ، تكون مادة لتأسيس مجتمع صناعي ، يتراكم في مدنه رأس المال ، وتتكدس التجارة ، وتنتشر الصناعات ، بدلا من القرصنة وتجارة الرقيق وقطع الطريق ، الأمر الذي يساعد على توفير الجو ؛ لتشكيل علائق جديدة في المجتمع ، تكون بديلة عن العلائق القبلية المهيمنة ، كما يعمل على إعطاء الفرصة ؛ لإحلال نظام تعليمي معرفي علمي ، يقوم على التجرية والاكتشاف والبحث والنقد ، بدلا من النظام التعليمي الديني التلقيني ، القائم على الخرافة والأسطورة والقداسة والتمجيد . هذا ناهيك عن محاضرات مكثفة ، يقوم بها علماء متخصصون في المعاهد والمدارس الطرابلسية ، حول الكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والرياضيات والفلك وغير ذلك . كان من شأن هذا كله ، تسييد العقل وقلب منطق إنتاج المعرفة ؛ من منطق فقهي أو برهاني أو عرفاني ، إلى منطق استكشافي ، يرتكز على العلوم والتجربة في وحدتهما الجدلية ، ويتحرر فيه البحث المعرفي من سلطة السلف والمألوف والغيب ؛ ليضع الأشياء جميعها ضمن دائرة الشك المنهجي والتحليل والاختبار ، هذا ناهيك عن إخضاع الواقع لتحليلات العقل ، ومن ثم إعطاء فرصة للفرد في تكوين تصوره الخاص ، عن الكون والوجود والحياة والطبيعة والمجتمع والتاريخ ، وذلك من خلال النقد وطرح الأسئلة الجريئة ؛ لاستكشاف العلائق بين المقدمات والنتائج ، والأسباب ومسبباتها ؛ بين الإنسان والعالم ؛ بين الذات والموضوع ؛ بين العقل والمادة . علاوة على هذا وذاك ، إيجاد أسس اقتصادية لمجتمع مدني في طرابلس ، تتحدد فيه العلاقات على ضوء من الكفاءة والمهارة والنبوغ ، بدلا من علاقات المصاهرة والمعاشرة القبلية المقيتة ، وذلك بغض النظر عن تغير نظام الحكم ، سواء بطريقة الإقناع السلمي ، أو بطريقة الحل العسكري .

لكن المفاجأة الكبرى كانت في حسونة الدغيس ، الذي أبدى في اللحظات الأخيرة توجسه من المضي قدما في تنفيذ هذه الخطة ، وذلك نظرا لاعتبارات أمنية ، حول سلامة الرحالة الأوروبيين في طرابلس . ولسبب أو لآخر ، تفاقمت توجسات الدغيس بشكل دراماتيكي ، من تنفيذ الخطتين الأخريين ، وعندما لمس الفيلسوف هذا التردد في عيني الدغيس ، انسحب بهدوء ، مؤثرا الانشغال بمشروعه الدستوري التنويري الليبرالي حول اليونان . وللأمانة ، يقال إن الدغيس ، عمل جاهدا عند تقلده منصب وزير الخارجية في عهد يوسف باشا ، لتحقيق هذا المشروع ، بيد أن تورط القنصل الإنجليزي المباشر بطرابلس "جورج وارنجتون" ، في عملية عزل حسونة الدغيس من منصبه كوزير للخارجية ، تعيد إلى الذاكرة طرح السؤال مجددا ، حول دور الحكومات الغربية الاستعمارية ، في استبعاد أي محاولة لإرساء نظم ديمقراطية دستورية في بلادنا ، لا سيما إذا ما علمنا أن تهمة الدغيس الحقيقية ، لم تكن المساهمة في قتل الرحالة الإنجليزي في تمبكتو ، كما أشيع وقتها ، إنما التهمة الحقيقية ، التي أقصته عن وطنه ؛ ليموت في المنفى وحيدا ، كمصير أي مثقف عضوي ، كانت في محاولته تحويل طرابلس إلى دولة مدنية ديمقراطية ، وذلك بتبني وإدخال أشكال ومواد من الدستور البريطاني ، إلى الحكومة في طرابلس .

وتمضي السنون لتقذف الرياح بالدغيس من جديد في قلب العاصمة لندن عام 1831 ، لكن هذه المرة لاجئا سياسيا ، وليس دبلوماسيا ؛ ملتمسا النصيحة من الفيلسوف الإنجليزي ، حول الأوضاع في طرابلس ، بيد أن الفيلسوف أعرض صفحا عن عرض أية حلول للإصلاحات في البلاد ، وبذلك طويت صفحة ليبيا الدولة الديمقراطية الدستورية المدنية إلى أجل غير مسمى .

إلى اللقاء ..

haddadsalah@yahoo.com
________________________

* المرجع الذي استندت عليه هذه المقالة في معلوماتها الرئيسة هو بالإنجليزية :
Preparations for Civil War in Tripoli in the 1820s: Ali Karamanli, Hassuna D'Ghies and Jeremy Bentham
By L.J. Hume. The Journal of African History, Vol. 2, No. 3. (1980), pp. 311-322


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home