Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

الإثنين 4 اكتوبر 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

رواية

ألسنة اللهب (14)

صلاح الحداد

-14-

بينما كانت كريمة في مانشستر تتلقى تعليمات أبيها ، وهي تحضّر لمفاجأة من العيار الثقيل ، كان حسن يحتسي القهوة في ضيافة مشرفه البروفيسور جونسون ، مستوضحا منه بعض النقاط ، التي أثارها في محاضرته العامة الأخيرة ، عن حركة الحشاشين والديمقراطية ، والتي لاقت أصداء واسعة في أوساط الجمهور ، وتغطية موسّعة في الصحف الأيرلندية الكبرى ؛ كالاندبندنت والأيرش تايمز.

- لقد ورد في محاضرتك "أن القيم لا يمكن وضعها في هرمية منظمة ميتافيزيقيا" ، سؤالي لك هو : ما الذي تقصده بذلك ؟ . اعتدل حسن في جلسته على الكرسي في مكتب جونسون بالجامعة ، وفتح عينيه جيدا وعصر ذهنه في محاولة للتركيز ، ماسكا بقلمه لتدوين بعض الملاحظات المهمة .

- ما أقصده ، هو أنه يمكن أن توجد عدة تصورات معقولة للخير ، مما يفسر لماذا الحكم والاختيار الفرديان في مجال القيم هما من الأهمية بمكان ، بحيث يصدق على الشخص الذي يحكم ويختار أنه يقترب من أنموذج الفرد المستقل بذاته ، كما تصوره كانط في فلسفته الأخلاقية .

احتسى جونسون رشفة من القهوة الساخنة ، ثم تابع بالقول وهو يطل عليه بوجهه السينمائي : إن هذا ، يا صديقي ، يستوجب المساواة الأخلاقية بين جميع الأشخاص ، من حيث كون كل منهم كائنا مستقلا بذاته ، فلا يجوز للدولة في هذه الحال ، أن تخضع لنفوذ أي عقيدة من العقائد الشاملة المعينة ، وأن تنحاز لتصور الخير الذي تنطوي عليه هذه العقيدة ؛ لأن هذا لا يمكن أن يعني عمليا سوى مأسسة قيم الجماعة التي تتبنى هذه العقيدة ، وفرضها على الجماعات الأخرى ، وبهذا تنزلق الدولة نحو الأبوية ، متدخلة بصورة غير مشروعة في حياة الفرد ، فارضة عليه أن يرى الخير كما تراه هي ، وليس كما يراه بنظرته الخاصة .

- لكن ألا يعني هذا الفوضى بشكل أو بآخر ؟ . رفع حسن حاجبيه مستفهما ، وقد لمعت عيناه الرماديتان بضوء خافت .

- بالعكس ، فالنظرية الليبرالية في التعددية هي على نحو أو آخر ، محاولة لتسويغ وضع قيود على السلطة السياسية ، بحيث يضمن ذلك المحافظة على الحريات الأساسية ، كحرية الضمير والتعبير والفكر وحرية الفرد ، في أن يختط بنفسه الطريق التي يراها مناسبة لحياته ، وفي أن يجتمع مع سواه لأي غرض مشروع . ما هو مشترك بين الليبراليين ، على اختلاف توجهاتهم الفلسفية ، هو إصرارهم على ضرورة وضع حد فاصل بين المجال العام والمجال الخاص . لكن ، وأشدد ، يا حسن ، على كلمة (لكن) ، قد تنشأ شتى الخلافات بينهم حول أين يجب وضع هذا الحد الفاصل ، وما ينبغي استبعاده أو عدم استبعاده من فئة الحريات الأساسية ، وما إذا كان فهم الحرية ينبغي ألا يتجاوز فهمها سلبيا ، ولكن ثمة فكرتان أساسيتان مشتركتان بين الليبراليين المعاصرين ، وهما أولا : فكرة وجود رباط حميم بين الليبرالية والديمقراطية ، وثانيا : فكرة كون التعددية من طبيعة القيم . ومن هنا نفهم إصرار الليبرالي على ضرورة التزام الدولة الحياد إزاء التصورات المختلفة للخير ، ومعاملة الأشخاص على النحو ، الذي يستلزمه كون كل منهم ذاتي الاستقلالية ، وهو ما يستوجب رفض النزعة الأبوية والكمالية معها ، فتبقى للفرد الحرية الكاملة في أن يختار قيمه . والحياد إزاء التصورات المختلفة للخير ، هو بالضرورة حياد إزاء العقائد الشاملة ، التي تشكل الأساس لهذه التصورات المختلفة .

- هل لك أن تشرح لي هذا بشكل أكثر تبسيطا ؟ .

- لقد صرتَ أكاديميا الآن ، يا حسن . قال جونسون بشيء من المرح . صمت قليلا وارتسمت ابتسامة على شفتيه ، ثم استأنف قائلا : حسنا ، على افتراض وجود عدة عقائد شاملة في مجتمع ما (مسيحية/إسلام/يهودية) ، ولنقل مثلا في بلدك ليبيا ، حيث تكون الأسس لكل عقيدة منها غير شفافة للذين لا يعتنقون هذه العقيدة ، فإن أصحاب كل عقيدة من هذه العقائد ، ملزمون باحترام السلطة المعرفية لأصحاب العقائد الأخرى ، فيما يخص ما يرونه بنظرتهم الخاصة على أنه حق ، أو خير ، أو ذو قيمة . إن مبدأ الحياد إذن يستلزم المساواة المعرفية بين جميع الفرقاء ، وينفي بالتالي أن يكون لأي منهم امتياز معرفي على الآخر .

- لكن هذا لن يحصل من ناحية عملية على الأقل . علت الدهشة وجه حسن .

- بلا شك ، حيث سيدّعي كل فريق لنفسه امتيازا معرفيا ، وسيرفض التخلي عن سلطته المعرفية لأي فريق آخر ، مما يعني أنه من غير المحتمل أن ينجح أي فريق في جعل سلطته المعرفية هي السلطة النافذة في المجتمع بأكمله ، إلا عن طريق فرضها على جميع الفرقاء بالقوة . ومن هنا يتضح أن الاحترام المتبادل ، هو البديل الوحيد العادل والمنصف ، الذي ينبغي أن ينظم على أساسه تعامل الفرقاء بعضهم مع بعض ، ورفض هذا البديل بمثابة رفض مبدأ القابلية للكوننة ، أو قل إن شئت للعولمة . وما يتضمنه هذا ، هو أنه إذا كان ثمة مبدأ يكفي لتسويغ رفض معتنقي الإسلام التخلي عن سلطتهم المعرفية لأصحاب أي عقيدة أخرى ، إذن ، فهذا المبدأ إياه يكفي لتسويغ رفض المسيحية واليهودية التخلي عن سلطتهما المعرفية للسابقين .

- هل يمكنني أن أفهم الآن ، أن الدولة الإسلامية المزمع إقامتها لا يمكن بحكم طبيعتها ، أن تكون محايدة إزاء العقائد والأفكار المتعددة ، وأن تعمل ، بالتالي ، على ضمان المساواة في فرص العمل السياسي لجميع الأفراد ، وتوفير الشروط لكل صوت لأن يسمع ؟ .

- أحسنت ، يا حسن . إن إقحام الدين في السياسة على طريقة الحشاشين ، أو اليمين الديني في الولايات المتحدة ، مثلا ، لابد أن يقود في اتجاه عدم الاعتراف بمشروعية التعددية ، وهذا يعود إلى وجود نزعتين في الدين -أي دين كان - ؛ النزعة الاختزالية ، والنزعة نحو إسباغ طابع مطلق على العقيدة الدينية . فالنزعة الاختزالية مثلا ، في حال تجسدها في مواقف معينة من القضايا العامة ، تتحول إلى نزعة نحو النظر إلى التعارض في القيم أو المصالح أو المنظورات والأفكار ، كتعارض بين الخير والشر (بين حزب الله وحزب الطاغوت) . والمعادل لهذا في المعترك السياسي ، هو تحول الصراع إلى قتال ضار بين الفرقاء ، بدل أن يكون شيئا يمكن تدبره سياسيا . أما النزعة الثانية ، فإن ما يترتب عليها في أفضل حال ، هو النظر إلى ما يتعارض مع المضمون السياسي الاجتماعي المزعوم للعقيدة الإسلامية ، على أنه انحراف خطير عن الحق والحقيقة ، دون الحاجة إلى تذكيرك أن النظر إليه كذلك ، من هذا المنظور ، يسبغ عليه طابع الخطيئة المميتة . والنتائج من هذا وذاك ، هي بلا شك الحرب الأهلية ، والأمثلة حية أمامك في السودان والعراق و فلسطين واليمن ، والبقية آتية في الطريق . إن حال العرب لهو أشبه بمدينة مستغرقة في نومها ، وهي لا تدري أنها على فوهة بركان ، يوشك أن يحرق بحممه الأخضر واليابس .

- لكن قد يعترض بعضهم على أساس أن الدولة الدينية المرجوة ، لا يمكن أن تكون غير عادلة ، ما دامت تتخذ من القانون الإلهي أساسا لها . فالقانون الإلهي عادل بالتعريف ، ولذلك فالمؤسسات السياسية ، التي ستعمل بوحيه لابد أن تتوافر فيها شروط العدالة أكثر من أي مؤسسات من نوعها لا تعمل بوحيه . بدت الحماسة على وجه حسن مجددا .

- إنه ، يا حسن ، ليس أكثر من مجرد هراء ، الادعاء بأن القانون الإلهي ، وما يزعمون أنه المضمون السياسي-الاجتماعي له ، هو الذي يحكم . فالقانون الإلهي المزعوم ، يتحول إلى أيديولوجية سياسية-اجتماعية ، عاكسة لوجهة النظر الخاصة بالجماعة الإسلامية ، التي ستؤول إليها مقاليد السلطة ، ومعبرة عن المصالح الخاصة بها . ونتائج هذا واضحة ، فما دامت جماعة (الإخوان المسلمون) ، على سبيل المثال ، لا يمكن أن تعترف أنه بمقدور أي جماعة سواها ، لا تشاركها منظورها أن تصل إلى المواقف الصحيحة ، من القضايا العامة ، فإنها ستعمل على استبعاد أي دور سياسي ، لأي حزب أو جماعة ذات منظور منافس . لا يمكننا ، في هذه الحال ، أن نتوقع أن تتاح لغير المسلم أو اللاأدري ، أو حتى للمسلم الليبرالي ، أو العلماني ، أي فرصة حقيقية للمشاركة في الحياة العامة ، على قدم المساواة مع الذين يتماهى منظورهم مع المنظور الإخواني المسيطر .

تركت كلمات جونسون العلمية الصارمة "حسن" منفعلا ، إذ تذكر أفاعيل صهره الشنعاء ضده ؛ فتنهد محاولا استعادة صفو أفكاره ، وقال بعد أن رشف قهوته التي أخذت تبرد :

- هذا بالطبع إذا ما سلمنا بأن ثمة عادلة وحياد حتى بين الإخوان أنفسهم . لكن ماذا لو قال أحدهم إن قواعد اللعبة الديمقراطية ، تقوم على مبدأ الأغلبية ، وإذا كانت أغلبية السكان في ليبيا من المسلمين ، واختارت ديمقراطيا أن يقوم الحكم فيها ، على أساس ديني ، فلا يمكن أن يكون في هذا انحراف ، على مستلزمات إقامة مؤسسات ديمقراطية عادلة ؟ .

- سؤال رائع والرد عليه سهل جدا . وإن كانت الطريقة التي قد تؤدي إلى إقامة حكم إسلامي ، في هذه الحال ، ديمقراطية ، من الوجهة الإجرائية ، إلا أنها من حيث الجوهر ، تمثل كل ما هو منافٍ لإقامة مؤسسات ديمقراطية عادلة . ما ألاحظه مبدئيا ، أن مجرد مطالبة جماعة اتفق أنها أكثرية عددية في مجتمع ما ، بأن تصبح أغلبية سياسية ، وأن يكون هناك ضمان دستوري لاستمرارها كذلك ، لهو أمر منافٍ لروح الديمقراطية وللواجبات المدنية النابعة منها . ولتوضيح هذه المسألة أكثر ، فإنه من الضروري التمييز في البداية ، بين المبادئ المكونة للممارسة الديمقراطية ، والمبادئ التي ينبغي أن توجه اختيارنا للأساسيات الدستورية . إن مبدأ حكم الأغلبية هو من النوع السابق ، ولا مهرب من تبني هذا المبدأ ؛ لأنه لا يمكن عمليا وواقعيا تحقيق الإجماع حول القضايا السياسية . أن نطالب بالإجماع في المجال السياسي ، هو بمثابة مطالبتنا بشل الإرادة الجمعية ، ولكن الأمر يختلف بالنسبة لاختيار الأساسيات الدستورية . لا يمكن قبول هذا الاختيار إلا على أساس الإجماع . أن نطالب هنا بأقل من الوصول إلى إجماع حول هذه الأساسيات ، أو بأقل من تحقيق "إجماع متشابك" بحسب تعبير (جون رولز) ، هو أن نفسح المجال واسعا أمام أكثرية دينية ، أوعرقية ، لأن تؤمّن لنفسها التحول إلى أغلبية سياسية دائمة . أما عن تماهي الأكثرية الدينية ، أو العرقية مع الأغلبية السياسية ، على أساس دستوري ، فهو أن تصبح بالضرورة غير ديمقراطية ، وغير عادلة ؛ لأن حكمها في هذه الحال ، لن يقوم على قاعدة الأغلبية ، بالمعنى الإجرائي المتعارف عليه ، إذ أنه لابد من أن يتجه نحو تحويل القاعدة ، إلى مجرد ستار لطغيان الأكثرية ، ولذلك فإن المبادئ التي ينبغي أن تشكل الملاذ الأخير لأي مجتمع ديمقراطي ، تكمن في المبادئ الدستورية ، فلا يمكن أن تضمن إقامة مؤسسات ديمقراطية عادلة محايدة ، إلا إذا ثمة إجماع متشابك حولها .

- أفهم من هذا كله ، أن قواعد اللعبة الديمقراطية هي عالمية تماما ، كقواعد لعبة كرة القدم ، فلا تستطيع ليبيا –إذا ما استضافت تصفيات كأس العالم يوما ما- بحجة الخصوصية الثقافية ، أو الغالبية المسلمة مثلا ، أن تغير شيئا من قواعد لعبة كرة القدم ، كأن تلزم اللاعبين بارتداء السراويل الطويلة بدلا من القصيرة .

- هذا إذا ما تمكنت ليبيا من استضافة المونديال !. علق جونسون مازحا ، وهو يكشف عن أسنانه ضاحكا .

***

بعد مضي أسبوع على سفرها ، أدارت كريمة قرص الهاتف ، متصلة بحسن من مانشستر:

- أنا في طريقي إلى ليبيا صحبة الأطفال . صدر صوت متشنج مسعور هكذا دون أية مقدمات . إنها الآن تنفذ تعليمات أبيها بحذافيرها .

- ماذا ؟ . أخذ حسن نفسا عميقا ، غير مصدق ما سمعته أذناه ، فيما بدا قلبه يخفق خفقانا شديدا .

- قلت لك إنني لا أستطيع الاستمرار في العيش معك .

- لماذا ؟ . تكلم بصوت رفيع ومنهار . كانت أفكاره تدور وسط دوّامة من الصور المحيرة والمشوشة . أيعقل أن يكون ما سمعه صحيحا ؟ .

- لا أريد أن أدخل في دائرة المحظور الشرعي معك . أجابت بصوت لاذع .

- ماذا تقصدين ؟ . سأل بصوت مختنق ، وكأنه يحتضر .

- أقصد أنني لا أستطيع أن أعيش تحت عصمة كافر مرتد ، وأنت تعرف جيدا أن لا ولاية لكافرعلى مسلمة . لابد أن نفسخ العقد ، وتسلّم لي بقية الأطفال . كان من الواضح أنها تبتزّه .

- تقولين إنني كافر مرتد ؟ . هل أنتِ متأكدة مما تقولين ؟ .

- نعم . أجابت بحزم .

- وهل أنتِ أدخلتيني إلى الإسلام حتى تخرجيني منه ؟ . أريد أطفالي ... أعيدي لي أطفالي . ردد حسن بصوت مبحوح ، وقد انهمرت عيناه بالدموع ، فيما شحب وجهه ، وأخذ جسمه يرتعش . كان قاب قوسين أو أدنى أن يخرّ على الأرض مصروعا من شدة هبوط السكر .

- تريد الأطفال لتجعلهم كفارا مثلكَ ؟ أنت تحلم أم ماذا ؟ . انسَ الأطفال . قالت بسخرية وعجرفة وكبرياء ككبرياء الشمطاء تاتشر . لم تتحرك فيها ذرة واحدة من شفقة أو حياء ، لحشرجات حسن ودموعه المتدفقة كالشلال . كان يمكنها سماع صوته وهو يبكي كالطفل .

- بيننا الشرطة إذن .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home