Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Thursday, 13 July, 2006

أمطار الليـل

قراءة نقدية في رواية "في بلاد الرجال" لهشام مطر

صلاح الحداد


غلاف الرواية

" في تلك الليلة هطل المطرُ غزيرا لساعات، غمرتْ فيها المستنقعاتُ أزقتَنا وعكستْ أنوارَ المنزل الساطعة، فيما تشكّلت بركة ضحلة من مياه الأمطار فوق سطح المنزل. وخضتُ فيها ماشيا؛ مُستعذِّبا مقاومة المياه ضد قدمي الحافيتين" (ص:189)

رغم كل هذا الانهمار، لم تفلح أمطارُ الليل الصيفية في تطهير روح الطفل "سليمان" المُعذَّبة من آثار صور الشنق المروّعة، التي نقلت على الهواء مباشرة في أحد المساءات المشؤومة على شاشة التلفزيون الليبي، وقد تابعها ملايين المشاهدين برعب كبير. كان المشهد مُزلزلا وصاعقا على عيني طفل لم يبلغ العاشرة بعدُ. كيف لا، وهو يرى جاره وأعزّ أصدقاء والده ؛ الأستاذ الجامعي "رشيد" معلّقة رقبته في حبل المشنقة، في ملعب كرة السلة الوطني، في الوقت الذي كانت فيه أحذية اللجان الثورية تنهال على وجه الضحية، وأيديهم تهوي بجسده إلى الأرض ، وسط هتافات صاخبة مجنونة تدعو إلى شنق الخونة .

كنتُ لتوي قد فرغتُ من قراءة هذه الرواية الممطرة للدموع "In the Country of Men"،الصادرة مطلع هذا الشهر (يوليو/2006) عن دار بنيجوين الشهيرة، لمؤلفها الليبي "هشام مطر" (36) عاما، المقيم في لندن. والحق أنني دهشت من نجاح المؤلف في جرّ القارئ إلى قلب الأحداث جرّا غير شعوري. لقد استخدم تقنية تصويرية متطورة، راعى فيها نقل كل تفاصيل الصور المرئية منها وغير المرئية، بما في ذلك بالطبع تلكم الأحاسيس الدفينة، التي تعتري الإنسان. ولا أدلّ على هذا من مشهد الشنق المروّع الفائت الذكر، والذي لم يفته فيه حتى تصوير حذاء القايد العظيم، وهو يُوصد شاشة التلفزيون الليبي بين الفينة والأخرى. لا ريب أن هذا المشهد المؤلم يختزل الرواية برمتها في كيفية تحوّل عالم هذا الطفل الوديع إلى عالم من الأشباح والكوابيس المفزعة. لكن هذا بالطبع ليس كل ما في الرواية. إن ما يستدعي الانتباه حقا هو لربما أكبر من هذا. إنه عنوان الرواية، فأيُّ معنىً يا ترى يعنيه المؤلف؟. يشرع الكاتب في الإفصاح عن هذا المعنى المحدّد في صفحات الكتاب الأولى، ذلك بالكشف عن فداحة إكراه الفتاة "نجوى" ذات الثالثة عشرة سنة، من الزواج من رجل لم تره في حياتها، فضلا عن أن تحلم به فارسا لأحلامها. ربما كان هذا واحدا من أسباب إدمانها على تناول الكحول رغم خطورة المغامرة. وفي مجتمع لا يعلو فيه غير صوت الرجل، يتوغل بنا الكاتبُ عميقا لتسليط الضوء على عقبة أخرى كأدَاء ، تعكس أزمة هذا البلد بأسره إلى وقتنا هذا. إنها أزمة غياب الديمقراطية. وهنا يلجأ الكاتب إلى استفزاز القارئ بطريق مُلغز، يكمن في دفتر صغير بعنوان "الديمقراطية الآن"، يتدخل الطفل سليمان في اللحظات الأخيرة ؛ لإنقاذه من بين ركام كل الكتب الأخرى ، التي أعدّت للإحراق بعد أن طلبتْ فرق اللجان الثورية تفتيش المنزل. والسؤال المركزي التي يمكن له أن يساعد في حل هذا اللغز هو: لماذا يحتفظ طفل في مثل هذا العمر المبكر بهذا الدفتر بالذات تحت وسادته من بين كل الكتب الأخرى ؟. ولا يفوتني في الختام من أن أنوّه بفنّ المونولوج، الذي أضفى على الأحداث نوعا من التقمص الوجداني العميق الأثر، ولنسمع سوية إلى هذا المقطع المدوي :

"أنت تعرف ما صنعتَ، أليس كذلك؟ إنك تعرف هذا جيدا، أو تريدنا أن نخبرك بما فعلت ؟ لقد خنته. ليس هنالك من كلمات أخرى سوى هذه الكلمة. لماذا يا سليمان؟ لماذا اقترفت هذا الفعل؟ أنت مخطيء يا سليمان.. كم أنت قاسيا.. كنتَ تعتقد دائما أنك رجل مُخلص، لكنّ الحقيقة هي أنك خائن.. خائن.. خائن" (ص:111).

إلى كل الذين يتطلعون إلى تمضية عطلة صيف شهية، فليتأبطوا هذا الكتاب.

إلى اللقاء.
12/07/06


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home