Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Saturday, 10 November, 2006

   

غـربة (1)

قصة

جورج مور
(1852-1933)

ترجمة : صلاح الحداد

ـ 1 ـ

أبلغ الطبيب أنه يشرع في عمله في الحانة عند الساعة الثامنة . تقع هذه الحانة في حي فقير يظلله الشجر . ولكي يحافظ على لياقته ، كان عليه أن يستيقظ مبكرا عند الساعة الخامسة فجرا ، ومن ثم يقوم بالتنزه مشيا في الحديقة .

- كل ما تحتاجه هو رحلة بحرية . قال له الطبيب . لماذا لا تذهب إلى أيرلندا لمدة شهرين أو ثلاثة ؟ سوف تعود إنسانا آخر!
- إني أرغب في رؤية أيرلندا مرة أخرى .

وطفق يتساءل كيف هي أحوال الناس هناك . يبدو أن الطبيب كان على حق . قال مخاطبا نفسه بعد أن شكر الطبيب . لم تمض ثلاثة أسابيع حتى حط برحاله في مدينة كورك . وما إن استقل عربة القطار حتى أخذ يتذكر قريته الجميلة ، التي بنيت وسط الصخور الممتدة على شكل رأس كبير يلف البحيرة . كان بإمكانه أن يرى تلكم المساكن والشوارع والحقول المؤجرة . كما بإمكانه أيضا أن يرى القصر الجورجي وملاكه . لقد كانوا صبية يلعبون معا قبل رحيله إلى أمريكا . تذكر القرويين وهم في طريقهم كل صباح إلى المنازل الكبيرة للعمل في الإسطبلات والحدائق والحقول . كما تذكر "مايكل ماليا" وهو يشيد سورا حول مزرعته . تذكر كل هذا وكأنه حدث بالأمس القريب ، مع أنه كان قد مضى على وجوده في أمريكا حوالى ثلاثين سنة . وعندما توقف القطار في المحطة ، كان أول شيء فعله هو إلقاء نظرة على المكان ، باحثا عن أي تغيير ربما يكون قد طرأ . لكن يبدو أن لا شيء قد تغير . فالمحطة التي تبلغ المسافة بينها وبين بلدة دونكانون خمسة أميال ، بقيت مكسوة بحجر الكلس الأزرق نفسه منذ ثلاث عشرة سنة . لاحظ أيضا أن المنصة وسقف المحطة بقيا أيضا على ما كانا عليه ، إذ لم يلحقهما أي تغيير يذكر . كان قد خطا ذات مرّة هذه الأميال بمرح ، في وقت تعدى قليلا الساعة ؛ حاملا رزمة ثقيلة على عصاه . بيد أنه لم ينتابه الشعور ذاته هذا اليوم رغم أن الجو كان قد أغراه ليحاول . كانت العربة بانتظاره في المحطة . عرف الفتى من خلال لكنته ولباسه أنه قادم من أمريكا . أمطره بعديد الأسئلة التي أجاب عنها برايدن سريعا . كان يرغب في سماع أخبار من لا يزال مقيما في القرية ، وإذا ما كان هنالك من بيت يقضي فيه فترة إجازته هذه . أجابه الفتى بأن أفضل بيت في القرية لقضاء الإجازة فيه هو بيت مايك سكولي ، الذي كان غائبا لسنوات طويلة كسائق عربة في مقاطعة الملك ، لكنه عاد منذ فترة وقد بنى بيتا جميلا ذا أرضية لمساء . كان بمقدور الفتى أن يوصيه بالمبيت في مخزن التبن ، الذي كان هو نفسه قد بات فيه سالفا . عندئذ سيكون مايك سعيدا بتأجيره ، وليس هنالك من شك حول هذا .

أخذ برايدن وهو على ظهر العربة يتذكر صاحبه مايك عندما كان يمر بأحوال عصيبة في منطقة البيت الكبير . كان مايك يرغب في أن يصبح فارسا في سباقات الخيل . وها هو فجأة قد صار رجلا طويلا رائعا يسوق العربة ، عوضا عن ذلك . حاول برادين أن يتذكر ملامح وجهه ، لكن كل ما استطاع تذكره هو أنفه المستقيم ووجه المعتم . وبينما كان برايدن قد غادر إلى أمريكا ، كان مايك قد عاد من مقاطعة الملك وقد بنى لنفسه بيتا أنيقا . هو الآن متزوج ، والأطفال على وشك القدوم . لكنّ برايدن عاد لتوه إلى البلدة ، ومن المحتمل أن يشرع في بناء منزل أنيق فيها . فجأة قطع صوت الفتى حبل أفكار برادين ؛ قائلا: "هذا هو منزل مايك سكولي" ، مشيرا بسوطه . رأى برايدن رجلا قوي البنية طويلا ، يبدو في مقتبل العمر قادما من البوابة ، وقد ارتسمت علامات الاندهاش على وجهه عندما شرع برايدن يكلمه . كان قد نسي صديقه برايدن أكثر مما صاحبه نسيه ، الأمر الذي ذكره العديد من أعمامه وخالاته من قبل .
ـ "صرتَ رجلا رائعا يا جيمس . قال وهو ينظر إلى برايدن محدقا إلى صدره العريض . لكنك تبدو نحيل الخدين كما تبدو شاحبا ".
ـ "لم أكن على ما يرام في أيامي الأخيرة ، وهذا من أحد الأسباب التي دعتني للعودة ، كما أنني بالطبع أغرب في رؤيتك من جديد" .
ـ "على الرحب والسعة ، يا برايدن" .
دفع برايدن الأجرة إلى سائق العربة ، متنميا له كل التوفيق . اقستم الصديقان الأمتعة . حمل مايك الحقيبة بينما أخذ برايدن الكيس ، وتابعا طريقهما حول البحيرة باتجاه القرية التي كانت تربض خلف الحقول . وبينما كانا يسيران ، تذكر برايدن هاتيك الغابات الكثيفة وقد أصبحت الآن يبابا ، فالجداول نزحت والجسر الذي كان يؤدي إلى مدخل البحيرة تهاوى .

كان طريقهم يقع بين الحقول الطويلة حيث قطيع الماشية يرعى ، فيما بدا الطريق مهشما . وهنا تساءل برايدن كيف يمكن للقرويين أن يسوقوا عرباتهم في هذا الطريق المحطم . أبلغه مايك أن صاحب الأرض لا يريد ذلك ، إذ هو لا يوافق على إصلاحها دون أن يحصل على أجر مقابل ذلك . لذلك صارت كالطريق العام . مع أنه لا يعتقد أنه يجب أن يكون كذلك ، يقطع أملاكه الخاصة . وفي نهاية المطاف ، فإن العديد من الحقول صارت أماكن تعيسة بانتقال القرويين إلى البلدة . لاحظ برايدن أن القرية لم تكن عامرة بالأهالي كسابق عهدها الذي كانت عليه . الأمر الوحيد الذي بقي في القرية وهو أمر كان غريبا ومألفوفا في ذات الوقت ، أن ترى الدجاج يتجول في المطبخ . تمنى أن يعود إلى عادته القديمة عندما كان يتوسل إلى السيدة سكولي بعدم طردهم من المطبخ . كان لا يمانع في وجودهم . أخبر مايك زوجته أن برايدن كان قد ولد في دونكانون . وعندما سمعت باسمه مدت إليه يدها بعد أن مسحتها في مئزرها ؛ قائلة : مرحى بقدومك . الشيء الوحيد الذي كانت تخشاه هو أن يمتنع عن النوم في مخزن التبن .
- لماذا أمتنع عن النوم في مخزن التبن ؟ ألا تعتقدين أنها فرصة طيبة لأمريكي هنا ؟. وأردف قائلا : لكن كنت أخمن أنك لم تفكري في هذا ! . هنا أنتِ تعملين عندما ترغبين في العمل ، وتجلسين عندما تنوين الجلوس ، لكن عندما تتشردين كما هو الحال معي ، وعندما تشاهدين أطفالا صغارا يمشون بعصيهم ، تعتقدين أن هناك شيئا يمكن قوله لأيرلندا القديمة .
- الآن ، ألا ترغب بارتشاف شيئ من الحليب ؟ . ستحتاج إلى الشراب بعد كل هذا السفر ، قالت السيدة سكولي . وبعد ما شرب الحليب ، سأله مايك ما إذا كان يرغب في الذهاب إلى الداخل للراحة ، أو التنزه مشيا بالخارج . ربما أخذ قسط من الراحة هو ما ترغب فيه . أضاف مايك .

ذهبا إلى الكوخ وشرعا في الحديث عن الأجرة التي من الممكن للرجل الحصول عليها في أمريكا ، وعن ساعات العمل الطويلة . وبعد أن أخبره برايدن عن كل شيء عن أمريكا ، سأل مايك عن أيرلندا . لكن مايك لم يكن قادرا على التحدث إليه عن أيرلندا بارتياح . كانوا فقراء ، كلهم تقريبا فقراء ، حتى بعد أن غادرهم .
ـ "لا أعتقد أن أي شخص باستثنائي أنا كان يملك خمسة باوندات" . غمر برايدن شعور بالأسف تجاه صديقه مايك . لكن بعد كل حياة مايك ، بما فيها من دلائل النجاح ، كان قد طرأ تغير طفيف على برايدن . أتى إلى هنا بحثا عن الانتعاش وقد شعر الآن بالتحسن بعد احتساء كوب الحليب ، الذي أثر في نفسيته وجعله يشعر بارتياح ، فيما فتحت شهيته نكهة لحم الخنزير والكرنب المتصاعدة من القدر . كانت عائلة سكولي غاية في اللطف ، إذ دائما ما يشددان عليه أن يأكل جيدا . وبعد أسابيع من هواء الريف المنعش ، ومن طعامه اللذيذ ، قالوا إن هذا سيرد إليه صحته ، التي خسرها في باوري بأمريكا . وعندما قال برايدن أنه ترك التدخين منذ زمن ، علق مايك بأنه ليس هنالك أحسن من هذا الأمر . أثناء فترة مرضه العضال كان قد ترك التدخين . إنه لشيء مريح أن تجلس إلى جانب نار الموقد ، مشاهدا الدخان وهو يتصاعد من أفواه القرويين منجرفا من خلال المدخنة . كان كل ما يريده برايدن هو أن يُترك وحيدا . لم يكن يرغب في سماع قصص الأهالي الحزينة ، لكن عند حلول الساعة التاسعة ، كان عدد من القرويين قد هبوا فيما بدا مظهرهم يبعث على الكآبة . تذكر برايدن واحدا أو اثنين منهم . كان يعرفهما معرفة جيدة حينما كان صبيا .

إلى اللقاء ...


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home