Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

السبت 10 يوليو 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

رواية

ألسنة اللهب (5)

صلاح الحداد

-5-

ولجا عبر الباب السري خلف المكتبة ، وحين أغلقت المكتبة خلفهما رأى عازلا ثقيلا خلفها . أيا تكن الأصوات الصادرة من هذا المكان ، فلا تسمع في العالم الخارجي . كانت الغرفة الممتدة خلف المكتبة ردهة مضاءة وفسيحة . ارتدى عباس نظارته الطبية ، وقال : "إنه لا بد من أن يكون لعقل الإنسان وفكره وتطلعاته تحليق النسر إذا لم يعترضه عائق كبير ، هذا العائق هو جسدنا بكل مواطن ضعفه ، فجسدنا الميال إلى الكسل ، يخشى الصعاب التي بها تتحقق الأهداف السامية ، وقهر هذه الأهواء وتحرير العقل من قيودها ، هو الهدف من تدريباتنا الشاقة ، إلى أن يصبح المرء قادرا على إنجاز المآثر العالية ، التي تقتضي التضحية بالنفس بشكل أعمى ... عندما يقتل الفدائي وهو يقوم بواجبه ، يُسمى شهيدا ، وعندما ينجح ويبقى على قيد الحياة ، يُرقّى إلى هذه الدرجة .. تفضل من هنا" . قال العجوز وهو يقود نزارا ، الذي بات كالأعمى ، يسير على غير هدى في سراديب مرعبة ، أشبه بمناجم الفحم . سارا إلى الطرف الآخر ، وفتح بابا ثقيلا ، اندفعت منه موجة هواء رطبة باردة ؛ ليمرا عبره إلى منبسط صغير .

ظل نزار يتبع الأمير عباسا ، مندهشا من خفة حركة العجوز ، وهو يجتاز ما قد بدا له عددا لا يعد ولا يحصى ، من الأروقة المتفرعة من الردهة الأساسية . "ما الذي ، يا تُرى ، يخبأه لي العجوز من مفاجآت هذه الليلة؟". توارد هذا السؤال على ذهنه ، وقد بدا جبينه يتعرق . انعطف يسارا ودخل قبوا شاسعا . كان المدخل إلى القبو كناية عن رواق طويل مبلط بكامله ببلاط أبيض ، فشعر كأنه يدخل مأوى الأيتام من جديد ؛ لتنهال عليه كوابيس تلك الأيام الكالحة . كانت هناك على طول الرواق عشرات الصور القديمة المطوقة بإطارات مذهبة . كانت الصور لأناس يرتدون قمصانا خضراء ، كتلك القمصان السوداء ، التي يرتديها الفاشيون في إيطاليا .

"هذه صور أعضاء الجهاز الخاص منذ النشأة ، هل تظن أننا ننسى إخواننا ؟ . سنظل مدينين لهم إلى الأبد". التزم نزار الصمت ، فيما استطرد عباس يشرح بالقول "هل تعرف من يكون هذا الأسد؟" . إنه الملقب بحارس المحراب ؛ الأمير عبدالرحمن السندي ؛ المسئول عن إعداد جيش المسلمين في التنظيم . لله درّه من رجل ، رحمه الله رحمة واسعة ! . كانت أول أعمال الجهاز في عهده ، حينما قرر اغتيال المستشار أحمد الخازندار ، أمام منزله في حلوان عام 48 ، وهو متوجه إلي عمله ، على أيدي شابين من الجهاز . لا تظنن أن الانضمام للجهاز الخاص حتى في ذلكم الوقت ، بالأمر اليسير على الإطلاق ، فالشخص المرشح يمر بسبع جلسات ، وبعد البيعة يمر عضو النظام الجديد بأربع مراحل ، تستغرق كل واحدة خمسة عشر أسبوعا ، يتلقى فيها برنامجا قاسيا في التربية العسكرية والجهادية ، إضافة إلي الجانب التعبدي والروحي المتشدد . وهذه صورة المرحوم اللواء صلاح شادي ، الذي قلّده البنا رئاسة " قسم الوحدات " ، وهو جهاز سري آخر ، يضم رجال البوليس ، أما هذه الصورة ، فتعود إلى الشاب عبد المجيد أحمد حسن ، الذي قام بإطلاق رصاصتين محكمتي التصويب ، على رئيس الوزراء المرتد الخائن محمود فهمي النقراشي باشا" .

استدار عباس ناحية نزار قائلا :"هذا جزاء الأغبياء .. هل تعلم بماذا نطق قضاء النقراشي في قضية السيارة الجيب ، قبل أن يلقى حتفه ؟ . لقد رأت وقتها المحكمة نبل مقصد هذا النظام ، وقالت في حكمها عن المدانين من إخواننا : (إن المدانين كانوا من ذوي الأغراض السامية ، التي ترمي أول ما ترمي إلي تحقيق الأهداف الوطنية لهذا الشعب المغلوب علي أمره) .. يا لتفاهة هؤلاء الأغبياء .. إنه يذكرني اليوم ببعض المخبولين من ساسة العرب ومثقفيهم!". أطلق عباس ضحكة عالية ، رددت أصداءها أروقة المخبأ .

انطلقا مشيا من جديد ، وقد مرا بصور كلّ من صالح عشماوي وحسين كمال الدين وحامد شريت وعبدالعزيز أحمد ومحمود عبدالحليم وسيد فايز ومحمود الصباغ ، وقد طبعت تحت صورة هذا الأخير كلماته التي كان دائما يرددها ، والتي جُعلت فيما بعد أحد أعراف الجهاز وقوانينه (إن قتل خصومنا هو من شرائع الإسلام ، ومن خدع الحرب فيها أن يسب المجاهد المسلمين ، وأن يضلل عدو الله بالكلام حتى يتمكن منه فيقتله) ، أما أحمد عادل كمال ، فقد كانت هذه الكلمة مدبجة على صورته (جماعة دون عنف يحميها .. تهريج) . التفت عباس إلى نزار ، وكأنه يقول له احفظ هذه الجملة جيدا .

عند نهاية متحف الصور ، حيث كانت صورة مهدي عاكف ، استدار عباس من جديد مشيرا بأصبع سبابته إلى صلعة عاكف اللامعة قائلا :" رئيس وحدة العمليات الخاصة ، حكم عليه بالإعدام عام 54 ، في محاولة قتل عبد الناصر، لكن الحكم تحول إلى أشغال شاقة ... كان رجل الإخوان القوي فى أوروبا ، وهو يدير المركز الإسلامى فى ميونيخ فى الثمانينيات من القرن الماضي ، بعد أن هرب من مطاردة النظام المصرى المرتد له . لقد كانت هناك منافسة حامية للسيطرة على المركز ، من قبل منظمات عديدة ، لكنه بفضل مناورات عاكف ، تحولت ميونيخ إلى مكة بالنسبة للإخوان . هل تذكر عرضه مؤخرا لوسائل الإعلام ، إرسال 10 آلاف من أعضاء الجماعة ؛ لمساعدة حزب الله في الحرب بين لبنان وإسرائيل ؟ هل سمعت تصريحاته ؟ . كان متهورا ، سامحه الله". كشف عباس عن طاقم أسنانه الاصطناعي ، وهو يبتسم .

"يقع تحت الأرض .. رائع" . قالها نزار في نفسه ، وهو يخطو داخل المصعد ، شاعرا بهواء بارد جليدي يتصاعد من أغوار بيت المصعد ، ثم أوصدت الأبواب ، وبدأ المصعد بالهبوط . راح يتصور العتمة ، التي تسود بيت المصعد الفارغ تحتهم ، محاولا إزالة هذه الصورة من ذهنه ، من خلال تركيزه على الشاشة المرقمة ، التي تشير إلى انتقالهم من طابق إلى آخر . عندما توقف المصعد ، شعر بارتياح كونه قد وصل أخيرا إلى بر الأمان ، ولكن سرعان ما تبخر ارتياحه هذا ، عندما فتحت أبواب المصعد على مصراعيها ، إذ وجد نفسه واقفا مرة أخرى أمام عالم غريب عنه كليا . كان الممر يمتد أمام ناظريه من الجهتين ، يمينا ويسارا إلى ما لا نهاية ، وهو عبارة عن نفق شاسع من الإسمنت ، بحيث يتسع لمرور حافلة كبيرة . وكانت الناحية التي يقفون فيها شديدة الإنارة ، في حين كان الممر شديد السواد والظلمة في الأسفل . وفجأة ينبعث هواء خفيف رطب من الظلمة ، وكأنه تذكير مقلق بتواجدهم الآن في غور الأرض السابعة .

- إن قطره يزيد على الثماني كيلومترات ، في حين أن طوله يزيد على ألف من الكيلومترات . ذهل نزار لدى سماعه ذلك مكررا ...

- ألف من الكيلومترات ؟ . راح يحدق بالأمير مشدوها ، ثم استدار ونظر إلى داخل النفق المظلم أمامه . عذرا سيدي ، لا شك أنك تمزح .

- يتعين على الإنسان أحيانا أن يحرك الجبال من أماكنها سعيا وراء الهدف .. ألا تذكر أنفاق إخوتنا في غزة ؟ . رفع العجوز حاجبيه .

- أجل ، لقد سمعت عن أنفاق إخوتنا في حماس بغزة ، لكنها لم تكن لتتعدى في أحسن الأحوال بضعا من الكليومترات .

- كلا ، في مثل هذه الأمور نحن لا نعرف المزاح ، يا بني . إنه مجوف تجويفا دائريا مثاليا ، فهو يمتد وصولا إلى قلعة الموت بإيران ، قبل أن يعود وينعطف باتجاه هذه النقطة . هز العجوز كتفيه .

- ماذا ... قلعة الموت ؟ . شهق نزار من الدهشة ، وقريبا سقط مغشيا عليه .

- بالتأكيد أنك لم تسمع عنها من قبل ، أليس كذلك ؟ .

- على الإطلاق . هز نزار رأسه نافيا .

- لا أريد أن يُغمى عليك .. إنها باختصار شديد معقل الحشاشين . إنها فرقة سياسية من فرق الإسلام ، تعود إلى القرن الخامس الهجري .

- بحق الإله ، وما دخلنا نحن بالحشاشين ؟ .

- ما يربطنا بهم كثير ... قوة التنظيم ، السرية ، الانضباط ، الشجاعة ، الطموح ، الأساليب ، المبادئ ، الأهداف . كانوا مبشرين بالخلاص ، كما كانوا حملة وعد بتحقيق رسالة ، ودعاة انعتاق من مشاق العالم وشروده عن منهج الله . هدفهم إقامة حكم الله في الأرض ، ونشر العقيدة إلى آخر حدود الأرض ، وأن تملأ الدنيا نورا وعدلا ، بعد أن ملئت جورا وظلما . أما أساليبهم ، فتقوم على الكر والفر والاغتيال والتقية والاختفاء والتمويه والكذب . كان الفدائي منهم يقتل نفسه ، قبل أن يبوح بكلمة واحدة من أسرارهم . صحيح أن كتب التاريخ ملئت بأغاليط شنيعة حولهم ، حيث اتهموا بالتشيع والفسوق والكفر ، لكنهم قدموا احتراما للقرآن والسنة والشريعة ، لا يقل عن احترام أهل السنة . نصف هذا النفق يعود لهم .

- أتريد أن تقول لي إن الحشاشين حفروا في الأرض ملايين الأطنان من التراب فقط ؛ لكي يتمكنوا من إقامة شرع الله ؟ . شعر نزار بتمطط قدميه ، وهو يحدق إلى أسفل النفق المجوف .

- أجل ، لقد كان هذا قديما أسلوبا من أساليب المقاومة ومحاصرة العدو ومباغتته . لكننا اليوم –ولله الفضل والمنة- يبلغ أعضاء جماعتنا في العالم 100 مليون نسمة ، ينتشرون في 72 بلدا ، خلافا للإحصائيات الأمريكية . لقد تجاوزناهم بكثير .

وفيما كانوا يقتربون من باب القبو الفولاذي الضخم ، ارتدى العجوز معطفا مختبيرا أبيض ، كتلك المعاطف التي يرتديها العلماء في معامل الأبحاث النووية ، ثم ناول نزارا واحدا منها ، وتقدم نحو الجهاز الآلي المعلق على الحائط . صعد إلى مستوى الجهاز ، وخلع نظارته مركزا عينه اليمنى بحذر على عدسة ناتئة ، ثم ضغط على أحد الأزرار ، وإذا بطقطقة تسمع داخل الآلة ، التي راحت تصدر ذبذبات إشعاعية ، متفحصة مقلة عينه فحصا دقيقا . "إنه جهاز لتفحص شبكة العين . كفالة مضمونة مائة بالمائة ، إذ أنها مزودة بسلطة فتح الباب لنمودج معين من شبكات العين". وقف نزار مذهولا أمام بوحه بهذا السر ، فيما كان العجوز يعيد ارتداء نظارته من جديد . راح نزار يتلمس جسده وعينيه ؛ ليتأكد من أنه ليس في إحدى صالات السينما ، يشاهد فيلما خياليا علميا ، كفيلم أفاتار الذي تم عرضه في دور السينما العالمية مؤخرا .

فتح الباب الفولاذي ودخلا . كان المختبر شديد البياض مليئا بالأجهزة الحاسوبية والالكترونية المختصة والمحيطة به من الجهات كافة ، وهي تضفي عليه جوا ، هو أشبه بغرف عمليات وكالة ناسا لأبحاث الفضاء ، كما لاحت أمامه ثلاجات ودوالايب وأدوات إلكترونية ، ومعدات كهربائية معقدة ولوحة مفاتيح ضخمة ، كتلك المُعدة لإطلاق الأقمار الاصطناعية في الفضاء . راح نزار يتساءل عن الأسرار ، التي من المحتمل أن يحتويها هذا المكان ؛ لكي يستلزم ولوجه فحصا دقيقا لشبكة العين ، وفيما كان متجها نحو وسط الغرفة قال العجوز : "إنها الغرفة التي أدير منها حكومتي الخفية .. من هنا نخطط ، ومن هناك سنعلن" . أشار بيده إلى خريطة عملاقة لليبيا .

فجأة ، شعر نزار بدوار حاد في رأسه ؛ فطلب قرصا مسكنا للألم . ناوله عباس القرص ، وما هي إلا ثوان حتى غاب عن الوعي كلية ؛ فأجلسه العجوز على الكرسي ، مصفقا بيديه ، في إشارة ، على ما يبدو ، للشروع في تقليده الدرجة الرفيعة . دخل على الفور اثنان مفتولة عضلاتهما ، وقاما بسحبه إلى مكان سري مجهول .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home