Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

السبت 7 أغسطس 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

رواية

ألسنة اللهب (10)

صلاح الحداد

-10-

لو عندنا إلى الوراء قليلا ، لتمكنا من الوقوف على درجة عبقرية العقيد شنابو ، في الإمساك بخيوط التنظيم السري ، فبعد تعليماته الصارمة بوضع كافة المنافذ والنقاط الحدودية في ليبيا ؛ البرية منها والبحرية تحت المراقبة الشديدة ، لا سيما رأس جدير والسلوم ، مع تركيز النظر على كل من يحمل لقب أستاذ جامعي في جواز سفره ، خابت نتائج المراقبة في أن تحصل على أي شيء ذي بال ، وذلك لكثرة من يحملون هذا اللقب ، ومن ثم صعوبة الحصر والتخمين . بيد أن العقيد عبد الله شنابو ، لم يشأ أن يخسر وقته في العد والحصر ؛ فاستغرق في ذات الوقت ، منهمكا في فك الشفرة ، التي عثر عليها في جهاز الكمبيوتر .

كان شنابو في مكتبه صحبة العميد فوزي ، عندما أخذ يتفحص الجملة ، التي كانت مظللة تمويها باللون الأبيض . التفت إلى فوزي الأكحل ، متباهيا بمعلوماته التاريخية الجمة ، عن علم التشفير وفك الرموز السرية ، قائلا : "فهل كانت الملكة ماري ستيوارت ؛‮ ‬ملكة اسكتلندا ،‮ ‬ستقطع رقبتها إذا لم يتم كشف اللغة السرية ، التي استخدمتها في رسائلها ؟ ، وهل كانت فرنسا ، ستصد هجمة الألمان عام‮ ‬1918‮ ، ‬إذا لم يقم‮ ‬رئيس الأركان الفرنسي‮ ‬، بترجمة الرسائل السرية للعدو ؟" .

- هل تقصد ، يا عزيزي ، أنه ستطير رؤوسنا ، إذا لم نعمل على فك هذه الشفرة اللعينة؟ .

- تماما . رمقه العقيد شنابو بنظرة حائرة ، والعرق يتصبب من على جبينه ، نتيجة ارتفاع درجة الحرارة ، على الرغم من المكيف الكهربائي ، الذي يهدر أزيزه صباحا ومساء ، ثم أردف قائلا : "وهل تظن أننا سننجو ، إذا لم يتم الكشف عن هذا الأخطبوط اللعين ؟ . إن ملف القضية اليوم برمته بيد القائد نفسه ، وهو يتابع نتائج التحريات والتحقيقات ساعة بساعة . لقد أنهى للتو اتصاله بي ، قبل مجيء إلى المكتب ، وهو يكاد يُجن" .

- إنها ، لا شك ، قضية أمن وطني .. دولة داخل دولة ، تبا للإخوان الملاعين . عقّب الأكحل بنبرة متوترة .

وقف شنابو فاغرا فاه بقرب الأكحل ، وكأن صدمة هذا الأخير ، قد انعكست على وجهه . بدا رئيس جهاز الأمن الداخلي ، وكأنه رأى للتو شيئا من العالم الخارجي ؛ شيئا يشبه الصحون الفضائية ، التي تزور كرتنا الأرضية من فترة لأخرى .

- أفترض أنك تستطيع قراءة هذا !

- لماذا تفترض ذلك ؟ . التفت إليه شنابو متسائلا .

- حسنا ، لا مجال لمضيعة الوقت الآن ، فلنقِ عليها نظرة عن كثب .

(قيرادعصيواقجعاةفلمبراةلماكسلبلعسنللبنبسناتليت)

أشعل شنابو سيجارته ، ثم تناول القلم من الأكحل ، وراح يداعب به ذقنه الحليق ، وهو يتأمل الشفرة . كانت الدورة التدريبية ، التي خضع لها شنابو سابقا ، في فك الشفرات ، بإشراف جهاز المخابرات البريطانية ، المعروف اختصارا بـ(SIS) ، قد علمته أن الرموز ، تعطي أحيانا معاني من زوايا متعددة . كانت بسيطة إلى حد ، أنه بالكاد يحتاج إلى قلم وورقة . ومع ذلك وتجنبا للخطأ ، بدأ يعيد ترتيب الحروف أفقيا وعموديا ، في هيئة جدول موزع ، على سبعة أعمدة . واصل العمل بسرعة إلى أن اتنهى ، فكان شكل الحروف على هذا النحو :



- لابد أنها تعني شيئا ، هل لديك أية احتمالات ؟ . سأل العميد ، وهو يسحق عقب سيجارته في الطبلة ، فيما اكتفى شنابو بحملقة عينيه ، متأملا الجدول طويلا ، بحثا عن أي معنى في الأحرف ، ولكن تأمله كان نوعا من العبث .

- إن تفكيك الشفرة ، أتى بشبكة لا معنى لها من الأحرف . إنها ببساطة تعني الفوضى . علق شنابو محبطا . التفت إليه العميد ، وقد وبدت الكآبة على وجهه .

- لنحاول مرة أخرى . قال شنابو ، بينما نفث دخانا كثيفا من سيجارته نوع الرياضي . هذه المرة ، قام بتوزيع الحروف على ثمانية أعمدة .



ابتلع شنابو ريقه بصعوبة ، وتململ وهو يتساءل عما يمكن أن يعثر عليه .

- اللعنة .. لا شيء على الإطلاق ، لا شيء . رمى بعقب سيجارته خارج النافذة غاضبا .

نظر إلى ساعته ، فإذا بها العاشرة ليلا . لقد أدرك الآن مدى طول الوقت ، الذي استغرقه في محاولة تفكيك هذه الشفرة التافهة . كان الفراغ فوق رؤوسهم يلقي بثقله عليهم تماما ، كليلة غاب عنها ضوء القمر . راح يراجع في ذاكرته موسوعته الذهنية للرموز المشفرة وطرق تفكيك المسائل العويصة ، فلم يجد سوى ملاحظة واحدة ممكنة ، كانت قد خطرت له في البداية ، ولكنها بدت غير محتملة ، إلا أنه الآن مضطر إلى كسب الوقت . فجأة رنّ التلفون صادحا في أرجاء المكتب ؛ ليعيد ذهن شنابو إلى شاشة الكمبيوتر اللعينة . "لابد من أن يكون القائد" . وثب شنابو كالقط المهلوع مسرعا تجاه التلفون .

- نعم سيدي ...

- هل من أخبار جديدة ؟ . صدر صوت صافٍ ، بنبرة واضحة وضوح صوت آلة موسيقية .

بدا شنابو مشوش الأفكار ، ثم قال والنصر بادٍ في صوته :

- أجل سيدي ، نحن قاب قوسين أو أدنى من فك الشفرة . إنها بسيطة جدا . ستكون كل الأمور على ما يرام . "هل أنا أكذب ، أم أمزح ؟ لا أحد يعلم سوى الله" . همس شنابو في نفسه مرعوبا .

- لا تجعل ثقتي فيك تتزعزع ، مفهوم ؟ .

- نعم سيدي ، نعم .

- سأتصل بك بعد عشر دقائق .

أشعل شنابو سيجارة أخرى ، وهو يُحدّق برعب ، في عيني العميد فوزي ، قائلا : "ألم أقل لك ، إنه القائد . لتكن هذه المحاولة الأخيرة .. ستضيع سنوات خبرتي سدى ، وستضيع معها سنتا تقاعدي المتبقيتان" . اعتصر ذهنه محاولا التركيز من جديد ، وهو يعيد توزيع الحروف على تسعة أعمدة .



للوهلة الأولى ، بدا شنابو مشلولا ، وقد شعر بمزيج من الغثيان والغضب ، بيد أنه الآن بدأ يكشف عن أسنانه ، فيما كانت عيناه تراقب جدول الحروف بفرح عامر . كان العميد فوزي ، يتابع حركات شنابو المتوترة ، دون أن يفهم ما يدور حوله ، وكأنه يتلقى درسا معقدا بوكالة ناسا ، في الصعود إلى القمر .

- اللعنة على الحشاشين ، لقد فككت الشفرة أخيرا . صاح شنابو ، مستعيضا عن تكشيرته بابتسامة عريضة ، ومحتضنا العميد فوزي بقوة ، وكأنه قد حقق انتصارا عظيما ، يشبه فتح عكا .

- اللعنة .. ماذا حصل ؟ . لا أستطيع قراءة أي شيء .

- هنا .. ألا ترى معي ؟ . أشار بأصبعه عموديا . ثم صاح : "أين القلم ؟" ، وأخذ يوصل حروف العمود الأول فالثاني فالثالث ، إلى أن وصل إلى الأخير ؛ لتكون على النحو التالي :

(قابلني قرب برج الساعة عند الساعة منتصف الليل كل يوم سبت)

- يا لك من عبقري . علق العميد فوزي مبتسما ، وهو يهوي بقبضة يده على الطاولة ، ثم أردف سائلا : اللعنة ، أين يكون برج الساعة هذا ؟ . لقد بدا بطرحه سؤاله هذا غبيا إلى حد ما ، وهو يحك شعر رأسه الكث المجعد .

- في سبها . أجاب العقيد شنابو ساخرا ضاحكا ، ثم استطرد قائلا : "لا يوجد في طول البلاد وعرضها ، سوى برج ساعة واحد ، هو ذلك الذي في حومة البلدية ، بالمدينة القديمة . لقد شيّده الوالي التركي (المشير علي رضا باشا) ، في القرن التاسع عشر ، وقد تم بناؤه على الطراز التركي ، ويرتفع 18 متراً فوق سطح الأرض ، وهو مربع الشكل ومقسم إلى طابقين ، تعلوه ساعة على كل واجهة من واجهاته الأربع ، ومزين بأعمدة رخامية تعلوها التيجان خارج البناء ، وله باب يطل على الميدان" . تطوع شنابو بالتبرع بهذه المعلومات التاريخية ، كعادته دون أن يطلبها منه أحد . ثم أردف بالقول : "السؤال الآن هو : مَنْ سيقابل مَنْ ؟ ، لا يهم كثيرا ، فعلى الأقل أنه سنتمكن للمرة الأولى ، من التعامل مع أشخاص حقيقيين ، بدلا من التعامل مع الأشباح . أخيرا خرجت الفئران ، ألم أقل لك إن الفئران لا تقوى على مقاومة الجبن ؟ . كم سيسعد القائد بهذه المعلومات" ! .

شعر العميد فوزي بالإحراج ، فهو لم يكن من مدينة طرابلس ، لذا فإن معلوماته عن معالمها التاريخية شحيحة ، فيما توقف شنابو عن الكلام لبعض الوقت ، وكأنه غير واثق من الطريقة ، التي كان من المفترض به أن يعبر بها عن كلماته السابقة . وبينما هما يفكران في الخطوة التالية التي ينبغي عليهما اتخاذها ، عاد التلفون يرن بقوة من جديد .

- ما الجديد ؟ . بدا الصوت هذه المرة غارقا ، وكأنه يخرج من بئر عميق .

- أجل ، سيدي . لقد أنجزت المهمة . أجاب شنابو بثقة بالغة ، وعينه على الوسام الذي سيتقلده ، فضلا عن أن يصبح بطلا وطنيا ، قد تطبع صورته على العملة الوطنية ، أو يُنصب له تمثال على مشارف الساحة الخضراء .

- جيد ، لا أريد أية أخطاء ، أو تصرفات متهورة حمقاء .. تصرف بذكاء ، مفهوم . خرج الصوت بنبرة لاذعة هذه المرة .

- أجل ، سيدي القائـ. . ولم يكمل شنابو كلمته ، حتى أقفل الخط على الجانب الآخر .

خلال ساعات قليلة ، صدرت الأوامر بفرض رقابة صارمة على مدار الساعة ، على منطقة برج الساعة بكاملها ، إذ سلطت الكاميرات الأمنية الخفية ، من على أبراج القلعة وأسوار البنك المركزي ، فيما اتخذ عدد من رجال الأمن ، الذين ظهروا في زي مدني مواقعهم الخفية ، وهم يحملون مناظير متطورة ، تتمتع بتقنية الرؤية الليلية الليزرية والحرارية ، أما البعض الآخر ، فقد تنكروا في هيئة عمال نظافة .

لم يظهر إطلاقا شيء في الشهرين الأولين ، إلا أنه كان قد ظهر نوع من الحركة لشخصين اثنين بعد هذه الفترة ، في الوقت والزمن المحددين ، وقد تكرر هذا المشهد لأسبوعين متتالين . لم يشعرا بأنهما كانا قد وضعا تحت المراقبة ليلا ونهارا ، وقد تركا على هذه الحال فترة شهر كامل ، حتى تمكن رجال الأمن من التعرف على خيوط أخرى ، ثم صدرت الأوامر بالمداهمة والاعتقال . لكن ثمة سر بقي عالقا في البرج ، لم تتفتق عبقرية العقيد شنابو عن حل لغزه .
_________________________

ــ أكتفي بعرض الحلقات العشر الأولى من الرواية ، التي أعمل على وضع اللمسات الأخيرة لها ، لتنشر عمّا قريب بواسطة إحدى دور النشر ، متمنيا أن تكونوا قد قضيتم وقتا ممتعا في قراءتها ، راجيا في الوقت نفسه الكتابة إليّ عبر هذا الإميل haddadsalah@yahoo.com ، إذا كان ثمة من نقد أدبي أو فني . شكرا !


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home