Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Thursday, 7 February, 2008

   

مستقبل ليبيا بين يدي الفيلسوف جيرمي بنتام
( 2 من 3 )


صلاح الحداد

في سنة 1821 ، حط دبلوماسي ليبي في الأربعينيات من عمره رحاله بلندن ؛ ليكون سفيرا معتمدا لبلاده في البلاط البريطاني . كان هذا الدبلوماسي رجلا مثقفا مطلعا -عن دراسة وعلم ومتابعة مضنية- على الحضارة الأوروبية ، لا سيما عصر الأنوار ؛ عصر سيادة العقل وما تمخض عنه من تحولات كبرى ، هزت أوروبا برمتها وغيرت وجه هذه القارة العجوز إلى الأبد . كيف لا ، وقد أقام لأجل ذلك زمنا بفرنسا ، مبعثا من قبل أبيه ؛ لدراسة لغتها وثقافتها وقوانينها . ولم يمض وقت طويل حتى صار يتكلم الفرنسية بطلاقة ، ويكتب بها بسلاسة ، هذا ناهيك عن تشربه مبادئ الثورة الفرنسية ؛ مبادئ الحرية والعدالة والمساواة . وكمثقف مشغول دوما بالبحث عن الخلاص والحقيقة ، لا لنفسه فحسب ، بل لسائر أبناء وطنه ، سارع في التعرف على رجالات الفلسفة والقانون والثقافة والمعرفة بلندن ، ومن ثم توطيد علاقاته معهم ، وقد ساعده في ذلك مركزه الدبلوماسي . وبعد مضي عام تقريبا ؛ أي سنة 1822 ، رأت مخطوطته ، وتدعى (كراسة في تجارة الرقيق بأفريقيا) النور في عاصمة الضباب لندن ؛ مترجمة إلى الإنجليزية ، بعد أن عكف على تأليفها بالفرنسية في فرنسا ؛ ليكون أول كاتب ليبي ، يُصدر كتابا مدونا بلغة أجنبية في عقر أوروبا . وقد عبر في هذا الكتاب عن معارضته الشديدة للعبودية الرائجة في أفريقيا عموما وبلده خصوصا ، مقرا في ذات الوقت بصعوبة مقاومتها ، فضلا عن إلغائها ، ذلك لتعقد الوضع الاجتماعي والثقافي المنبثقة عنهما . وخلاصة رأيه في التخلص من العبودية ، يكمن في تأييد الحشد من الأمم الأوروبية ؛ لإيقاع نوع من الضغط على الحكومات البربرية في المنطقة ، توازيا مع توسيع التجارة مع هذه الدول لرفع الوفرة الاقتصادية ، وفتح قنوات التفاوض مع القراصنة ، ومنحهم مكافآت مجزية في مقابل التخلي عن أعمال القرصنة .

كانت أطروحات المثقف الليبي المتنورة ، قد جذبت اهتمام الفلاسفة الإنجليز ؛ فتمت اللقيا بينه وبين شيخ فيلسوف شهير ، ناهز الرابعة والسبعين من العمر ، وذلك في صيف عام 1822 ، عن طريق طرف ثالث ، يُدعى جيمس سكارلت . إنه جيرمي بنتام ؛ عدو العبودية والأنظمة الدكتاتورية في العالم . كان هذا الأخير مهتما بإشاعة أطروحاته الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقانونية والإصلاحية في العالم ، منطلقا من مبدأ عالمية الفكر الليبرالي الديمقراطي ، الذي بإمكانه إرساء الأمن والرخاء والتقدم للشعوب في أرجاء المعمورة . لقد أصدر للتو كتابه الموسوم بـ"Codification Proposal" ، أو تشريعات وقوانين مقترحة ، وذلك في محاولة منه لتقديم حزمة من القوانين والتشريعات الكاملة لكل الأمم ، التي تتبنى المذهب الليبرالي . كان في ذلك الوقت مشغولا بالتفاوض مع كل من إسبانيا والبرتغال واليونان ، وبعض دول أمريكا الجنوبية ؛ من أجل وضع هذه القوانين موضع التنفيذ .

أصغى بنتام إلى المثقف والدبلوماسي الليبي حسونة الدغيس باهتمام ، بعد أن طلب منه أن يشرح له باستفاضة الأوضاع في طرابلس الغرب ، وقد أمده الدغيس بمعلومات فائضة عن أنماط الحكم السائدة هناك ، وعن ثقافة تلكم الشعوب . تشوق بنتام لسماع المزيد من الدغيس ؛ فعقدت اجتماعات عدة لاحقة ، شرح فيها الدبلوماسي بالتفصيل أزمة الحكم في طرابلس ، متطرقا إلى تعقيدات الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، التي من الممكن أن تفضي في النهاية إلى حرب أهلية ضارية بين الغرماء ، تأتي على كل شيء في البلاد . وبعد أن فرغ الدغيس من وضع الفيلسوف في الصورة ، شرع بنتام بتوجيه أسئلته المركزة إلى الدغيس ، التي تمخض عنها مخطوطة من عمل بنتام ، كانت بعنوان "Some Account of The State of Tripoli on The Barbary of North Africa" ، ثم لتتلوها عدة كراريس أخرى ، ألفت خلال عامي 1822/1823 ، وقد جاءت وفق هذه العناوين "Facienda by Government and Tripoli Reconnaissance de droit" ، وهي تمثل المحاولة الأولى لبنتام في شرح ما ينبغي على الدغيس فعله تجاه طرابلس الغرب . وورقة تعريف الأهداف من سبعة فصول بعنوان "Securities Against Misrule" ، وهي معدة للدول المحمدية (الإسلامية) ، وعلى الأخص طرابلس في عهد البرابرة . ثم كراسة أخرى بعنوان "Travelers To Tripoli" ، وهي تتناول محاولة إرسال رحلة علمية إلى طرابلس الغرب ، تضم كوكبة من أبرز العلماء . بعد انتهاء المشاورات بينهما ، سُحر الدغيس من سعة علم الفيلسوف وخبرته القانونية ، طالبا منه وضع خطة ، تتيح للبلاد فرصة التخلص من أنماط الحكم الشمولي ، وبناء دولة مدنية دستورية ديمقراطية .

أما عن تفاصيل خطة الفيلسوف ، لإحلال أول نظام مدني دستوري ديمقراطي في شمال أفريقيا بطرابلس الغرب ، فسأتناوله في الحلقة المقبلة والأخيرة .

إلى اللقاء ..

haddadsalah@yahoo.com


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home