Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Thursday, 6 July, 2006

       

تأثير النص الديني المقدس في الفكر الإسلامي :
تدمير قانوني السببية والنسبية

دراسة تحليلية نقدية
(*)

صلاح الحداد

(3)

بعد النظر في المكانة المقدسة التي تبوّأتها اللغة العربية بعد نزول النص الديني بها ، أعتقد أنه من الضروري لنا الآن التعرّف على فحوى رسالة الوحي ، ومن ثم الانطلاق لاكتشاف طبيعة المُوحي (الله) كما وردت في القرآن نفسه . إن النظر في هذين الأمرين ، سيجعلنا أكثر قربا من تعريف النص المقدس وتحديده ، الأمر الذي من شأنه أن يمكننا من فهم تغلغل النص المقدس في الفكر الإسلامي ، إلى الحد الذي بات فيه المُشكِّل الرئيس لتاريخ وثقافة وتراث العرب .

ما فحوى رسالة الوحي؟

بادئ ذي بدء ، فإن المسلمين لا يعتقدون أن القرآن كتاب تاريخ أو علوم أو قانون ، رغم إيمانهم باحتوائه على كل ما ذكر سالفا . إنهم يعتقدون -أولا وقبل كل شيء- أن القرآن كتابُ هداية إلهي مقدس ، "هذا القرآن هو شرع الله وقانونه الخاتم لكل البشرية ، وقد جاء في القرآن أن الله أوحى إلى كلٍّ من نبييه موسى وعيسى لهداية بني إسرائيل ، بيد أنهم نبذوا كتاب الله وجعلوه وراءهم ظهريا ؛ لا بل حرّفوه عن مواضعه ، وهو ما أدى بالنهاية إلى إرسال محمدٍ رسولا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله" (Field, 1994:230) . يمكن - في المقام الأول - اعتبار آيات القرآن آيات هداية وإرشاد ومبادئ عامة ، تحتوي على عدد لا بأس به من القصص ، الذي يهدف إلى تذكير الناس وتحذيرهم ونصح البشرية جمعاء . وبالطبع ، فكما نجد فيه القصص ، يمكننا أيضا أن نجد فيه أيضا عددا من أوامر الله ونواهيه الصارمة ، التي "تشمل كلَّ مناحي الحياة ، بحيث لا مجال للحيرة والتخبط . ومن أهم تعاليمه التي نزلت في المدينة (مقر أول دولة إسلامية) ، هي كيفيةُ إدارة المسلمين لشؤون الحكم والدولة" (Ibid:230) .

هنا يمكنني أن أطرح السؤال التالي: هل يمكن للبشر الاستغناء عن تعاليم الله ووحيه؟(1) . يأتي الجوابُ سريعا من قبل أكثر الأصوليين شهرة "سيد قطب/1966" ؛ ليقول في كتابه "معالم في الطريق" ما نصه:

ثم إن الإسلام يسأل: "أأنتم أعلم أم الله؟" ويجيب: "والله يعلم وأنتم لا تعلمون" "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" ، والذي يعلم والذي يخلق ويرزق كذلك هو الذي يحكم ، ودينه هو منهجه للحياة هو الأصل الذي ترجع إليه الحياة . أما واقع البشر ونظرياتهم ومذاهبهم فهي تفسد وتنحرف ، وتقوم على علم البشر الذين لا يعلمون ، والذين لم يؤتوا من العلم إلا قليلا (ص:104) .

ما يمكننا استنتاجه مما ورد أعلاه هو الآتي: (1) تعريف النص الديني المقدس على أنه كلمات الله الخاتمة لهداية كل البشرية في جميع تفاصيل حياتها اليومية. فعلى سبيل المثال ، فإن أحكام القانون الإسلامي (الشريعة)، يجب أن تؤسس على منهاج الوحي الإلهي، الذي يُعدّ المصدر الأساس للتشريع في الإسلام . وليس هذا فحسب، بل إن كل الأفكار والقيم والأخلاق والمعاملات، لابد أيضا أن تتفق مع مبادئ الوحي الربانيّ. (2) وبناء على هذا التعريف، تكون سلطة النص هي النظام العقدي (الأيديولوجي) الشامل الذي يُشكّل الفكر الإسلامي، ومن ثَمَّ المدار الذي تدور في فلكه جميع ما تمثله الحياة من أوجهٍ في الثقافة الإسلامية. وما ينبغي الإشارة إليه ههنا أن هذا يُعد عنصرا أساسيا، يتركز عليه تحليلنا في هذه الدراسة. بالطبع، فإنه لربما يكون للثقافة والمعرفة الإسلامية مصادر وعناصر أخرى، تشترك في تكوينها وتشكيلها بقدر أو بآخر، لكنّ النص الديني المقدس يبقى أحد أهم العوامل الأساسية المُكوِّنة لثقافة المسلمين، والمُشكِّلة لفكرهم.

الشكل (1): هيمنة سلطة النص الديني المقدس على كل مناحي الحياة في الثقافة الإسلامية.

وللحصول على فهم أعمق للدور الذي يلعبه النص المقدس في حياة المسلمين ، فإنه يتعين علينا أولا إدراك المفاهيم الأساسية ، التي تمثل الجوانب التطبيقية العملية لهذا الدور . فوفقا للفيلسوف الألماني "فريدريك شلايرماخر(2)/1834" ، فإن عملية التأويل النفسي هي الطريق إلى فهم كيف أن اللغة سواء كانت مكتوبة أو منطوقة ، تصوّر وتعكس أفكار الإنسان الذي كتبها أو نطقها . أي أن النص أيَّ نص -حسب اجتهاد شلايرماخر- يكون الوسيط اللغوي ، الذي ينقل فكرَ المؤلف إلى القارئ . هذا الاجتهاد يشير بوضوح إلى علاقة جدلية في النص ذاته ؛ بين جانبه اللغوي وجانبه النفسي الذي يشير إلى فكر المؤلف وتجربته . وفي هذا السياق ، يمضي شلايرماخر موضحا: "أن كل عمل فكري ليجدُ صداه منعكسا في النص ، ففيه تكون الأفكار مُبطّنة تكشف عن نفسها" . وأضاف قائلا: "كل خطاب يعتمد على الأفكار المبطنة ... [وعليه] فإن ظاهرية النص ، لا يمكن لها أن تفهم على نحو صحيح إلا عن طريق ردّها ، وذلك بربطها بعالم المؤلف الفكري الداخلي"(3).

وعودا على بدء ، فلعله من المفيد الإشارة مجددا إلى نقطة الفيلسوف الألماني "همبولت/1835" الذي كتب: "إن اللغة عبارة عن آلة من آلات الفكر ، والنشاط الفكري ما هو إلا عمل عقلي باطني ، يمرّ دون تتبع ؛ ليصير عبر الصوت مُجسَّدا في النص ومحسوسا في الوعي . لذا فإن كلاّ من الفكر واللغة شيء واحد ملازم أحدهما للآخر"(4).

وفي ضوء ما تقدم ، ووفقا لوجهة النظر الإسلامية ، التي ترى أن القرآن كلام الله الحرفي المباشر ، فإنه يمكننا أن نفترض فيه كأي خطاب آخر أن يمثل تصورات الإله وأفكاره عن الكون والوجود . ولمحاولة شرح هذا الأمر شرحا وافيا ، فإنه يتحتم عليّ بداية كشف الطبيعة الإلهية كما وصفت في القرآن ، إذ ربما يساعد في شرح إلى أي مدى جسّدت كلماتُ الله ، ليس فقط وصايا وأحكام الدين الإسلامي ، بل ثقافة وتاريخ وتراث العرب أجمع . وقبل الشروع في طرق هذا الباب ، فإنه ربما يكون من المفيد في هذا السياق التذكير بحقيقة أن معظم المسلمين يذهبون إلى الاعتقاد بأن الله هو خالق اللغة ، وهو بالتالي الذي علمها لآدم في الجنة حسبما جاء في القرآن: "وعلم آدم الأسماء كلها" (البقرة:31) . وبناء عليه ، فإنهم يُوعزون أصلَ اللغة إلى الله الذي علّم أولَ البشر اللغة ، وليس إلى العقل البشري .

إلى اللقاء ..

haddadsalah@yahoo.com
________________________

(*) هذه الدراسة مترجمة عن الأصل الإنجليزي ، وهي بعنوان :
"The Influence of Islamic Sacred Texts on Muslim Thought and Culture: Destroying the Causality & Relativity Principles. By Salah Haddad, Jan 2006.
(1) يُعدّ المفكر عادل ضاهر أفضل من انبرى لمناقشة هذا السؤال مناقشة فلسفية عميقة، ومن ثم تفنيد أسطورة الأصوليين اللاهوتيين القائمة على أن البشر لا يمكنهم البتة الاستغناء عن تعاليم الله ووحيه. انظر كتابيه: الأسس الفلسفية للعلمانية، دار الساقي بيروت، ط 2. ص: 223-396، وكذا أوليّة العقل: نقد أطروحة الإسلام السياسي، دار أمواج بيروت. ص:243-297.
(2) يُعدّ المفكر شلايرماخر صاحب السبق في نقل علم التأويل أو ما يُعرف بـ(الهرمنيوطيقا) من دائرة الاستخدام اللاهوتي؛ لتكون فنا مستقلا مؤسِّسا لعملية فهم وتفسير وتحليل النصوص. انظر: المرجع أدناه.
(3) Grondin, Jean. (1995) Introduction to philosophical hermeneutics, translated by Joel Weinsheimer (Yale University Press, London. pp 68-72.
(4) Gumperz J. John & Levinson C. Stephen. (1996) Linguistic determinism: The interface between language and thought in Rethinking Linguistic Relativity, ed. John J. Gumperz & Stephen C. Levinson, Cambridge University Press, New York. p 21.


       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home