Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Thursday, 3 March, 2008

       
       

الخديعـة (6)

ـ رواية ـ

صلاح الحداد

الجزء الثاني

الفصل الأول

الفرقاطة فيلادلفيا ، جبل طارق ، يوليو 1801

بينما كانت شمس الغروب تسقط منكسرة على صخور الشاطئ ، ومياه مضيق جبل طارق تعكس ضوءا معتما ، كان ديل يحتفل مع بحارته على ظهر الفرقاطة فيلادلفيا ، التي تزن 1240 طنا بنجاحه بالاستيلاء على بعض المراكب الطرابلسية في جبل طارق . وفي أثناء هذا الاحتفال الصاخب ، أُعلم الأميرال الأمريكي أن أميرال هذه المراكب هو القبطان "مراد رايس" ، أو "بيتر ليسلي" ، وهو الاسم المسيحي الذي كان يحمله الرايس مراد ؛ ذو الأصل الاسكتلندي ، قبل أسره واعتناقه الإسلام . لقد كان كان أحد بحارة السفينة الأمريكية "بنسي" ، التي استطاع الطرابلسيون الاستيلاء عليها عام 1796 . اشتاط الأميرال ذو الكرش المنتفخ ، إذ كان يعلم أن هذا المتمرد ، بات يمثل كابوسا حقيقيا للسفن التجارية الأمريكية العابرة في المتوسط . تعكر صفو الاحتفال ، فعقد ديل اجتماعا عاجلا مع كبار ضباطه على ظهر الفرقاطة ؛ لِمَا علمه من أمر هذا البحار الداهية ، الذي يعتقد كبار الساسة والعسكر الأمريكان ، أن نهاية البحرية الطرابلسية مرهون بالقضاء عليه .
- "إن علينا أن نحصل على هذا الشيطان حيا أو ميتا" ، قال مخاطبا أحد مساعديه .
- "لكن كيف ، والحال أننا لم نعثر له على أي أثر حتى الآن ، سيدي؟" . تساءل مساعده بطريقة تبعث على الندم واليأس معا .
- "لتكفّ عن هذا الهراء ، يا أندرو". ردّ فاقدا صوابه ، وكأنه لم يستوعب ما كان يعنيه مساعده ، الذي قلّب جنوده الدنيا بحثا عنه ، لكن دون أي أثر يذكر . كان في نيته أن يواصل حديثه عارضا خطة جهنمية لاستدراجه ، ومن ثم الإيقاع به ، لكنه سرعان ما استسلم للأمر الواقع ، مكتفيا بسحق الطاولة بقبضة يده ، وهو يزمجر بالقول :
- "اللعنة على هذا الوغد.." . سحب نفسا عميقا ، ثم حملق بعينيه الزرقاوين في وجوه البحارة "ليس لدينا وقت نضيعه هنا .. سنترك الفرقاطة فيلادلفيا في المضيق ، ونتوجه ببقية الأسطول إلى حوض المتوسط ، إذ هناك سيتقرر مصير البحرية الأمريكية" .

لقد تمكّن الرايس مراد من الإفلات ، بعد أن تواطأ مركب إنجليزي على الإبحار به إلى طرابلس ، فيما نجح أتباعه في التسلل إلى شاطئ طنجة ، عبر قارب صيد صغير ، ومن ثم مواصلة رحلتهم عبر البر شرقا . وبينما كانت تعقد جلسة طارئة لكبار القادة والوزراء في ديوان القلعة برئاسة الباشا ؛ لمناقشة آخر التطورات ، كانت الحركة التجارية في سوق الثلاثاء قد بلغت الذروة عند منتصف النهار . كان الحرفيون يعرضون الصنادل والسروج ، وكان الحدادة يصنعون السيوف والخناجر ، وهي أرخص من المستوردة ، فعبر طرابلس تتجه إلى بورنو وودان مختلف أنواع السيوف الطويلة والخناجر الشرقية المزخرفة . هذا إلى جانب الجرود والأغطية والأقمشة الحريرية والقطنية والمرايا والبرانس المصنوعة من الحرير ، ذات الخيوط والشرائط الذهبية ، وهي سلع تصنع خصيصا للإقطاعيين من الوجهاء والأثرياء ورؤساء القبائل . وها هم تجار فزان الذين وصلوا لتوهم بعد رحلة مضنية عبر الصحراء ، محملين بالذهب من بلاد السودان على هيئة تبر وسبائك صغيرة يتأهبون لعرضها في السوق ، إلى جانب الجلود الذهبية والتي تسمى "سامانتو" ، حيث يتهافت النسوة على شرائها ؛ لاستخدامها في الزينة ، أو تعشيقها في جدائل شعورهن . كان أول من تهافت على شراء البضائع النسوة من الأسرة الحاكمة . وها هم العبيد والخدم يصيحون لإخلاء الطريق أمامهن . كن يرتدين غطاء يغطيهن بالكامل باستثناء أعينهن . ويا ويل من يقطع الطريق عليهن أو ينظر إليهن ، إذ العقوبة هي القتل . وفي ساحة مفتوحة في آخر السوق ، كان العبيد أيضا يُعرضون بالمزاد العلني ، واحدا واحدا بعد طليهم بالزيت ، الذي يُذهب عنهم آثار الجرب ، وقد اشترى القنصل الإنجليزي للتو عشرين منهم بسعر بخس ؛ للعمل كمجدفين في مركبه الخاص .
عند بلوغ العشية ، أحدثت فرقة من الشاويشية جلبة في السوق ، عندما ساقت عددا من الفقراء أمام دار القاضي ؛ لتنفذ حكم الشرع فيهم . وقد كانت التهم مختلفة ؛ منها ما يتعلق بالسرقة ، ومنها ما يتعلق بتهمة اختلاس النظر إلى إحدى بنات القرمانلي . لفّق القاضي الحنفي "حسين النعال" –كعادته- ودون أي ضمير من العدالة ، أحكاما بالقتل والقطع أمام حشد من الطرابلسيين في مقر المحكمة الشرعية ، حيث أُخذ الأول منهم وهو يرتعد فَرَقا ، طالبا الرحمة من الباشا ، إلا أن الحاجب الانكشاري كان أسرع في إجابته ، وذلك بقطع يده بسكين حاد ، ثم بتغطيس أصل العضو المقطوع في السمن المغلي . وهكذا فعل بالآخرين . أما من ألصقت به تهمة اختلاس النظر إلى إحدى بنات الباشا ، فقد تدحرج رأسه في السوق مضرجا بالدماء . كان المشهد - لا شك - فظيعا ، فيما أخذ القسيس "ليوناردو" وهو رئيس الإرسالية الفرنشيسكانية ، يرسم شارات الصليب على صدره وَجِلا ، وهو في طريقه إلى كنيسة السيدة مريم بحومة باب البحر ، متمتما بعبارات قصيرة . في هذه الأثناء حطّت قافلة ابن حاكم المغرب في قلب المدينة ، وهي في طريقها إلى الحج ، وقد أطلقت المدافع طلقاتها ترحيبا به . كان يصطحب معه سبع زوجات ؛ خمس يونانيات وزنجيتين ، إضافة إلى خمسمائة جندي ، يرافقونه في رحلته إلى الأراضي المقدسة .

وقبل هبوط الليل ، خرج البهلول "مفتاح بوخطوة" من القلعة . سُمي بوخطوة ؛ لاعتقاد الناس أنه من أهل الخطوة في العالم ، حيث غالبا ما يحدثهم عن أماكن بعيدة ويصف لهم حوادث غريبة ، في أقاصي الدنيا ، كان قد رآها رأي العين . هذا علاوة على اتصاله بالله مباشرة والتقائه الأنبياء والرسل والأولياء والصالحين في أمكنة مختلفة من العالم . كان آخر ما حدثهم عنه هو أن البلاد الطرابلسية ، سيظهر فيها دجالون كثر ، وأشهرهم على الإطلاق ، حاكم يستولي على السلطة بالقوة ، ويدّعي النبوة ، ويُعمّر ثمانين سنة ونيف ، ويموت مسموما ، فيما ينتشر الفقر والمرض بين الناس ، حتى يتمنى الواحد منهم أن يموت ألف مرة في اليوم والليلة .

كان محدودب الظهر ، أصلع طويل اللحية ذا عينين جاحظتين ، حافي القدمين ، نحيفا مستطيل الوجه ، صارم الملامح في نهاية العقد الثامن من العمر . كان يحمل ثعبانا على كتفه ، ويرتدي قميصا وسروالا زرقاوين ، ويمشي على عكاز خشبي . كان دائما ما يتمتم بهذه الأبيات لابن عربي :
لـــولاه لما كنـا ... ولا نحن ما كانا
فان قلنـا بانـا هو ... يكون الحق إيانا
فيظهـرنا ليظهر هو ... سرارا ثم إعلانا

كان يعلم كل صغيرة وكبيرة في البلد ، لذا فهو يُدعى إلى القلعة بين الفينة والأخرى . كان واسع المعرفة كثير الاطلاع ، عليما بالقرآن والزبور والتوراة والإنجيل ، ناهيك عن ديانات ، مثل الزرادشتية والمانوية والمزدكية في بلاد فارس . لكن العجيب في أمره ، أنه كان يكتنز كل مخطوطات ابن الراوندي ، التي اختفت معظمها من على وجه الأرض ؛ بداية من (التاج) الذي دافع فيه مصنفه عن أبدية العالم ، ومرورا بـ(الزمرد) ، وهو كتاب اعتقد فيه أنه سيعمي أعداءه ومعارضيه ، كما يعمي الزمرد عيون الأفاعي ، وقد ذكر فيه معجزات الأنبياء فطعن فيها ، وزعم أنها مخاريق ، و (الفرند) ، الذي انتقد فيه بعث الرسل ورسالة الأنبياء ؛ قائلا ليس بواجب على الله أن يرسل الرسل ، أو يبعث أحداً من خلقه ؛ ليكون نبيه ويرشد الناس إلى الصواب والرشد ؛ لأن في قدرة الله وعلمه أن يجعل الإنسان يرقى ويمضي إلى رشده وصلاحه بطبعه ، كما خلق الشجر والنبات ، وهي تنمو وتثمر دون أن يجعل لها نبياً ، و(اللؤلؤ) ، و(الدامق) ، الذي عارض فيه القرآن الكريم ، وأخيرا وليس آخرا (التعديل والتجوير) ، الذي جاء فيه أنه من أمرض عبيده ، فليس بحكيم في ما فعل بهم ، ولا ناظر لهم ولا رحيم بهم ، كذلك من أفقرهم وابتلاهم . لكنّ الأغرب في الأمر ، أن لا أحد يعلم سر احتفاظه بهذه المخطوطات ، على الرغم مما تشكله من خطر ماحق على حياته .

وبينما كان يهيم على وجهه قرب جامع الناقة ، استوقفه بعض المتفقرة من القادرية ، وقالوا له : يا مولانا الشيخ ، أين نطلب الرزق ؟ . فقال : إن علمتم أين هو فاطلبوه ، فقالوا : نسأل الله تعالى ؟ . فقال : إن علمتم أنه ينساكم فذكَّروه ، فقالوا : أندخل البيت ، ونقفله علينا ونتوكل ؟ . فقال : التجربة مع الله شك ، فقالوا : وما الحيلة ؟ قال : الحيلة في ترك الحيلة ، فقالوا : تستور ، يا بهلول ! . ضحك البهلول ساخرا -كما هي عادته- ، ثم واصل طريقه إلى مقر إقامته بقصر زينوبة ، ذي البوابات الضخمة المرعبة ، والجدران المتهدمة . لا شك أن هناك اعتقادا راسخا لدى الطرابلسيين بأن أشباحا تركية تسكنه ، وهي في حقيقة الأمر ، كانت جملة من الضباط الأتراك ، الذين قتلهم الباشا الكبير ، ودفنوا في تلة كبيرة ، حيث أرواحهم تكثر التردد وتعربد في المكان كل ليلة .

حوض المتوسط ، أغسطس

وصل ديل سواحل طرابلس بعد أن استقر لبعض الوقت في ميناء "حلق الواد" بتونس ؛ مُغدقا على الباي حموده أثمن الهدايا ، ناهيك عن الجزية السنوية المذيلة بخطاب الرئيس جيفرسون ، الذي عبر فيه عن عظيم مشاعر الود والروابط الأخوية التي تربط البلدين ، قائلا في رسالة سلمه ديل شخصيا له "لقد أعطينا تعليمات صريحة لقائد هذه القوة لكي يحترم علمكم وتجارتكم وبلادكم ، بل طلبنا منه أن يقوم بزيارة لكم حال حلوله بالميناء ؛ ليعبر لكم عن جزيل الشكر ، وعظيم التقدير والامتنان" .
- "لقد نجحنا في خنق الدجاجة ، ولم يبق غير حزّ رقبتها" ، قال ديل على ظهر السفينة "إيسكس" ، مخاطبا مساعديه وجنوده ، ومبديا بنشوة إعجابه بنجاح خطة تحييد تونس عن ميدان الصراع في المتوسط ؛ ليبقى الباشا وحيدا ، ويسهل من ثم تلقينه درسا قاسيا .
- "أفضّل بداية الحلَ الدبلوماسي" ، قال بتأنٍ لمساعده النقيب "أندرو ستريت" ، وواصل مقاطعا دهشة ستريت بعد أن أشعل لفافة سيجارة ، نافثا دخانا كثيفا في الهواء الطلق : "هذا الحل الدبلوماسي يجب أن ينتهي بأسف للباشا العميق للولايات المتحدة في قطعه المفاوضات ، وإعلانه الحرب على السفن التجارية الأمريكية" .
- "لكن كيف سيحدث هذا ، سيدي؟" ، تساءل ستريت ، وقد بدت علائم الدهشة ترتسم على وجهه .
- "انتظر وسترى" ، أجاب ديل بهدوء واتزان ، ثم انصرف إلى قمرة القيادة ، تاركا النقيب في قلق وحيرة . لقد بدأ ريتشارد ديل وظيفته كتاجر ناجح يجوب البحر بسفينته ، ثم ما لبث أن عُيّن ضابطا في سلاح البحرية بولاية فرجينيا بعد الثورة الأمريكية ، منجزا العديد من المهمات العسكرية التي أوكلت إليه ، إلى أن وقع في الأسر على يد الإنجليز سنة 1777 ، حيث سجن هناك ، بيد أنه تمكن من الهرب إلى فرنسا . وبعد تأسيس سلاح البحرية في الولايات المتحدة سنة 1794 ، كان واحدا من أوائل ستة رجال ، حظوا بالترقية إلى درجة أميرال . كان يرى أن لديه من الخبرة العسكرية ما يمكنه من كسب الحرب بأقل الخسائر . لكن بعد أسبوع ، حصل ما كان غير متوقع من ديل ، حيث استلم ردا سلبيا من الباشا جاء فيه : إما أن تزيدوا من قيمة الإتاوة ، أو أن أترك لرجالي تمزيق صواريكم في عرض البحر . وجد ديل بعد عملية استطلاع لوجستية مضنية ، بالتعاون مع بعض القنصليات الغربية في طرابلس ، الميناءَ محميا بحواجز صخرية من شأنها أن تمنع اقتراب أسطوله . هذا ناهيك عن أسوار المدينة ، التي اتخذت شكلا خماسيا لتحيط بها من جميع الجهات . لم يجنح ديل إلى دك الميناء بنيران مدافعه ، وقد اكتفى بفرض راقبة غير صارمة على الميناء .

- "لقد زاد المدينة مناعة وضعها الجغرافي ، حيث لا يتيسر لبوارجنا قذفها إلا من جهة واحدة هي جهة الشمال الغربي . وفي هذه الجهة يقف برج حصن المندريك المتصل ببرج درغوت بواسطة سور منيع تم تجديده مؤخرا . وهنا تنتصب مدفعية بين هذين الحصنين ، لتصير سفننا هدفا سهلا للطرابلسيين". قال مساعده ستريت ، شارحا الوضع العسكري بتفاصيله الدقيقة لقائد حملته مستعينا بخريطة متوسطة الحجم ، بعد أن نزع قبعته ، تاركا لنسائم البحر العبثَ بشعره البني . استدار قبالة ساحل طرابلس ، حيث طيور النورس ، واقفة بصمت فوق النتوء الصخري ، وأضاف بعد إطراقة ماكرة : "لكن ما رأي سيادتكم في هذه الخطة؟". ثم شرع يخوض في التفاصيل مع كبار القادة .

عند ساعات الفجر الأولى ، كانت سفينة أمريكية هي انتربرايز ترفع العلم البريطاني ، مسلحة بـ12 مدفعا وعليها 150 رجلا ، تخترق الضباب الكثيف ، مقتربة شيئا فشيئا من السكونة الطرابلسية "مبروكة" بقيادة الرايس سويسي وهي في دورية استطلاع عادية ، وقد كان بها 11 مدفعا ، وعلى متنها 80 بحارا . وعندما تمكن ستريت من الاقتراب من مبروكة ، استطاع تقدير الموقف الحربي قبل بدء المعركة ، خصوصا بعدما اتضح له الفرق الكبير في العدة والعتاد . وبينما كان معظم البحارة الطرابلسيين يظنون أنها مركبة إنجليزية صديقة ، طفق الأمريكان في قنصهم ببنادقهم الواحد تلو الآخر ، ثم ما لبثوا أن وثبوا على ظهرها ؛ ليلتحم البحارة الأمريكان في معركة دامية بالسيوف والخناجر مع بقيتهم ، انتهت بسقوطهم ما بين قتيل وجريح . بعدها قام الأمريكان بنهب حمولتها وإلقاء عتادها الحربي ، وجثثها وجرحاها في البحر .

في ساعة متأخرة من الليل ، كان فيها البحر هادئا تحت انعكاس الضوء القادم من الضفاف ، ظهر الرايس سويسي وهو يطفو على خشبة باتجاه الشاطئ ، فيما يبدو أنه الوحيد الذي تمكن من النجاة . كان إنسانا فقيرا معدما ، يعيش على ما يجلبه من البحر ؛ كي يطعم أطفاله العشرة . وقبل خروجه هذه المرة ، وعدهم أنه سيجلب لهم أخطابوطا . تلقفه الصيادون وأخذوا يسعفونه ، فيما بدا منهكا ومرتجفا من الخوف حول مصيره بعد هذه الضربة المفاجأة . وفي صباح اليوم التالي ، وبينما كانت الشمس تنشر ببطء أشعتها الصفراء على المدينة ، كان الباشا يستمع بذهول إلى الرايس سويسي وهو مكبل بالسلاسل الحديدية ، وسط حضور كبار وزرائه وقادته العسكريين في القلعة . نفخ الباشا أوداجه غاضبا ، وهو يتوعد رجاله والأمريكان على حد سواء بالويل والتبور ؛ قائلا :
- "لقد جلبتم العار لي يا أوغاد .. ثمانون بحارا ، لم يبق منهم على قيد الحياة ، غير هــذا
الصعلوك .. ويا للمهزلة ، فقد خدعكم هذا الثعلب بسهولة وانطلت عليكم حيلته .. سفن حربية جلبناها من كل أنحاء العالم ، ترجع خائبة خاسرة .. ويا للحسرة ، كم استجدينا المساعدات من صديقنا ملك انجلترا جورج الثالث ، ومن حضرة السلطان العثماني ، ومن نابليون ، من أجل بناء أسطول بحري قوي ، يدفع عنا كيد الأعداء ، ويجلب لنا الخير والنماء . أين أنت ، يا مراد .. أين أنت ؟ " . حقا ، لقد فقد صوابه . وعندما يفقد الباشا صوابه ، لا يمكن لأحد تخيل ردة فعله . وفي سرعة البرق ، كان مراد بجانبه وهو يخفق من الوجل . أطل عليه بعينين حادتين مفترستين ؛ قائلا :
- "أريدك أن تجعل من هؤلاء العلوج أضحوكة في التاريخ .. استعمل كل ما لديك من قـوة وعتاد لدحرهم وسحقهم من الوجود .. استعن بالفرنسيين .. بالإنجليز .. بالإسبان ، أو حتى بالعفاريت والشياطين" . بلع أميرال البحر ريقه من شدة الهلع الذي انتابه ، ثم تماسك بصعوبة قائلا :
- "إننا يا مولاي ، لن نتمكن من التحرك قيد أنملة ، فالأسطول التجاري الأمريكي محمي حماية فائقة بالفرقاطات الحربية السريعة الحركة ، والمجهزة تجهيزا عاليا" . قال صهره ؛ زوج ابنته المتعجرفة "اللاذوقية" ، وهو يحاول تفادي ردة فعله الناقمة ، وقد بدا يضغط بيده على مقبض مسدسه . ساد صمت مطبق بين القادة العسكريين من شدة الارتباك ، لم يخرقه غير مبادرة الدبلوماسي المحنك الدغيس ، الذي بادر بالقول : "أرى يا مولاي أن نوجه رسائل عاجلة إلى كل من تونس والجزائر ، نحذرهم فيها من خطورة تماديهم في المضي في صمتهم المطبق ، تجاه ما نعانيه من حصار ، ويجب مع ذلك تحذيرهم من عواقب هذا الصمت المخزي ، تجاه إخوتهم في الدين والعقيدة ، الذي لن يدفع ثمنه الطرابلسيون وحدهم فحسب" . اقترح بوجه ممتلئ تبدو عليه النضارة وعينين ضيقتين ، ولكنهما حادتان متفرستان ، تنمان عن ذكاء وتيقظ .

- "هل تريد يا دغيس ، أن تلقنني دروسا في الدبلوماسية ، بينما رجالنا تلقى جثثهم في البحر طعما للأسماك ؟ . لتفهم أنت ولتفهم كل الدنيا ، أنني لا أريد غير حل عسكري ، يرد الاعتبار للبحرية الطرابلسية ، ولي أنا شخصيا من هؤلاء الأوغاد" ، قال الباشا معقبا ، وهو يتقدم بخطوات عسكرية ، رافعا رأسه باتجاه ضوء القنديل المشع ، وقد انعكست حمرته على وجهه المكور . كان متعجرفا في رده ، الذي تحمل ملامحه آثارا واضحة لحياته السابقة ، أو هكذا رأى وزير خارجيته . لقد بدا كأحد ولاة الرومان في عصر الانحطاط . أما مصير الرايس سويسي ، فقد أمر الباشا بجلده مائة جلدة أمام العامة ، ثم حمله مكتوفا على ظهر حمار ووجه إلى الخلف ؛ ليطوف به في أزقة المدينة وشوارعها ، مع طلي وجهه بالفحم . وبالفعل ، فقد أطلق الحمار بعد أن ملئت أذناه بالدبابير ، حيث طفق ينط في شوارع المدينة والأطفال وراءه يركضون . بعدها بساعة ، وجدت جثثه معلقة على سارية إحدى السفن في الترسانة .

إلى اللقاء ..


       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home