Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Monday, 6 February, 2006

     

الطريق إلى الديمقراطية (4) (الأخيرة)

نجح الألمان والإسبان فهل سينجح الليبيون؟

دراسة تحليلية مقارنة (*)

صلاح الحداد

وفي سياق القضايا المعروضة آنفا، فإني أودُّ الآن الشروع في رسم خلاصة أخيرة، أجيب فيها عن الأسئلة، التي سبق أن طرحت في المقدمة حول الوضع في كل من إسبانيا وألمانيا، ومن ثم ليبيا. ولمجرد التذكير، فإن هذه الدراسة كانت قد أماطت اللثام عن العوامل الرئيسة، التي ساهمت في عملية الدمقرطة في كلا القطرين. هذه العملية التي ابتدأت بسلسلة من التغييرات الجوهرية، الاقتصادية منها والاجتماعية ثم السياسية. لكن علينا أن نتذكر جيدا أن هذا لم يكن كل شيء في عملية التحول الديمقراطي، كما أشرتُ في البداية، إنما كان الخطوة الأولى نحو التغيير الناجح. وأيا كان الأمر، فإني سأبدأ بالمقارنة بين البلدين مع ذكر أوجه التفاوت بينهما، وذلك من خلال العاملين، اللذين قمتُ بمناقشتهما وتحليلهما، مستهلا بالعامل الاقتصادي.
لقد بات من الواضح أن هذين القطرين يلتقيان تاريخيا (بداية القرن العشرين)، في بعض نقاط التشابه، لا سيما في التجربتين الديمقراطيتين السابقتين الناقصتين ؛ وهما جمهورية فايمار الألمانية (1919-1933)، والجمهورية الإسبانية الثانية (1931-1939). ويظهر التشابه أيضا، لكن سلبيا هذه المرة، وهو الأمر المتعلق بنمط الحكم الشمولي، المتمثل في شكله النازي بزعامة هتلر، وشكله الفاشي بقيادة فرانكو. وعلى الرغم من نقاط التشابه هذه، فإن أوجها من التفاوت تظهر بوضوح أيضا. وهنا بعض الاختلافات الجوهرية : "(1) نجد في إسبانيا ـ وهذا على العكس من ألمانيا ـ نجد قاعدة من المعارضة، كانت تعمل تحت الأرض دون كلل أو ملل ضد النظام الفاشي، في حين لم يكن ثمة معارضة حقيقية لنظام هتلر (2) إن إزاحة النظام النازي تمت بواسطة الهزيمة العسكرية النكراء على يد قوات خارجية هي قوات الحلفاء (3) وفي ألمانيا أيضا، فإن عملية الدمقرطة برمتها تمت تحت رعاية وإشراف قوات الحلفاء"(1). تظهر هذه الأوجه من التشابهات والتفاوتات على حد سواء في مجموعة العوامل الأولى، التي ساعدت في تقويض هذه الأنظمة الشمولية، ومن ثم تسهيل الطريق نحو الديمقراطية. وفي هذا السياق لا يمكننا أن ننسى أن كلا من إسبانيا في الخمسينيات من القرن الفائت، وبالأخص ألمانيا الغربية، كانت قد شكلت الخط الدفاعي الأول في الحرب الباردة ضد الزحف الشيوعي الأحمر. هذا الواقع جعل الولايات المتحدة الأمريكية، تنهج سياسة "الأمركة" تجاه ألمانيا الغربية وبعض البلدان الأوروبية الأخرى، والتي منها بالطبع إسبانيا، الأمر الذي أثّر في النهاية على كل مجريات عمليات الدمقرطة ومساراتها ونتائجها، لا سيما فيما يخص المسار الاقتصادي ونتائجه. وهذا يقودني إلى الإشارة ولو سريعا، إلى العلاقة الجدلية القوية بين النظام الاقتصادي الرأسمالي وبين النظام الديمقراطي(2). ومهما يكن من أمر، فإن العامل الثاني الذي قمت بمناقشته وتحليله في هذه الدراسة، كان عامل الأفراد. ولا خلاف هنا حول وجود قادة سياسيين، كانوا على مستوى من المسؤولية والكفاءة والوطنية العالية، التي خولتهم اتخاذ قرارات حاسمة ومصيرية، بالنسبة لمستقبل بلدانهم وشعوبهم. ففي إسبانيا كان الملك إخوان كارلوس، الذي أعاد السلطة التي سُلمت له من قبل فرانكو كاملة غير منقوصة إلى الشعب. القائد الآخر الذي لا يمكن تجاهل دوره في هذا المقام، كان رئيس الوزراء أدولفو سوارز ؛ وهو الذي شكل جسرا بين قوى اليمين واليسار. أما في ألمانيا، فقد كان أبو المعجزة الاقتصادية الشهير"Wirtschaftswunder" ، بمعية أول مستشار للجمهورية الفدرالية الألمانية، وقد لعبا معا دورا عظيما في إعادة إعمار البلاد. وبصراحة، فإنه من دون هؤلاء القادة العظام في كلا البلدين، يكون أمر تخيل نجاح الدمقرطة أمرا مشكوكا فيه إلى حد كبير. وأرى من المفيد هنا التأكيد على ما ذهب إليه مؤلف كتاب (الموجة الثالثة) حينما قال بالحرف الواحد :"إن النمو الاقتصادي يجعل من الديمقراطية أمرا ممكنا، والقادة السياسيين يجعلونها حقيقة واقعة"(3). وبالمناسبة، فإنه لابد من أن أشير هنا إلى أهمية هذا الكتاب، الذي لا غنى لباحث ومهتم في هذا الحقل عن قراءته والإحاطة به، وكم تمنيتُ أن أرى هذا الكتاب مترجما للعربية. وأيا كان الأمر، فما هو أوضح وآكد من هذا كله وفي كلا البلدين، هو تلكم الظروف الدولية، التي صاحبت إن لم أقل صنعتْ كلّ مراحل التحول الديمقراطي، وبخاصة المرحلة الاقتصادية. وبمعنى آخر، فإن وقوف الولايات المتحدة الأمريكية، وبعدها الاتحاد الأوروبي من وراء حجاب تارة ومن دونه تارة أخرى، كان عاملا رئيسا ومحفزا في عملية الدمقرطة في كل من ألمانيا وإسبانيا.

وبعد الانتهاء من الملفين الألماني والإسباني، أودُّ وبعجالة التعرضَ للملف الليبي في ضوء هذه الدراسة، وما عُرض فيها من عوامل وفرص اقتصادية وسياسية، مبتدئا بالأفراد (الطبقة الحاكمة) ودورهم المزعوم في دمقرطة ليبيا. وقبل أن أطرح سؤالي المهم في هذا السياق، عليّ أن أبيّن أمرا مفصليا يقوم عليه دور الأفراد عالميا، ومن ثم يدفعهم إلى تبني المسار الديمقراطي، كخيار استراتيجي لأوطانهم. هذا الأمر هو أمر معرفي بالدرجة الأولى، وإذا شئتَ قلت هو تلكم القناعة الراسخة، المنبثقة عن ثقافة الديمقراطية وقيمها الأساسية، كمنظومة معرفية متكاملة، لا كمناورة سياسية مخادعة، كلّ ما تستهدفه هو تمهيد الطريق لتوريث السلطة، ليس إل. وسؤالي المترتب هو التالي : هل تملك الطبقة الحاكمة في ليبيا اليوم أيا من هذا النوع المعرفي الرصين ؟. الجواب هو كل. إن الثقافة السائدة اليوم والمتجذرة ليس في عقول هؤلاء وحسب، بل في عقول الغالبية الساحقة من الجماهير، هي : ثقافة الراعي والرعية.. ثقافة المطلق والنسبي.. ثقافة السادة والعبيد.. ثقافة الشيخ والتلميذ.. ثقافة الأب والابن، ولا شيء غير ذلك. لذا، فإن ما رأيناه على مدى العقود والقرون المنصرمة، وما سنراه من هؤلاء مستقبل، لن يتجاوز هذا الإطار، حيث يظل الحاكم "مهيمنا على كل شيء، من المعتقد الديني الشخصي، إلى العلاقات الدولية، ولا يترك حيزا كافيا لمبادرات تأتي من خارجه، أو من دون مباركته.. أنظمة تفتقد فيها الانتخابات النيابية الحرية والشفافية، وتنتج مجلسا نيابيا من لون واحد (إن وجد)، كما تضيق فيها حرية الصحافة ومساحة العمل السياسي والحقوقي، ويستخدم فيها القضاء للتنكيل بالخصوم، ويكرس فيها الدستور وجود حكم غير مقيد بزمن، ولا خاضع لرقابة برلمان أو سلطة قضاء" (تقرير التنمية الإنسانية العربية 120:2004ـ119 ) . إذن فإنه يمكنني القول بعد كل هذا إن الأمر كل الأمر بالنسبة لهذا الدور، أي دور الأفراد مرهون نجاحه بتغير البُنية المعرفية الثقافية تغيرا جذريا، يسمح برسوخ قيم الديمقراطية ومبادئها، في عقول الحكام والمحكومين على السواء.

أما فيما يتعلق بالدور الاقتصادي في عملية الدمقرطة في ليبيا، فلا يمكن التعويل عليه كلية ؛ وذلك من هذه الوجوه المعتبرة ؛ أولا : إن النمط الاقتصادي الساري في ليبيا، وفي غالبية الدول العربية، هو نمط الاقتصاد الريعي، القائم على عوائد النفط والسياحة، لا الاقتصاد الرأسمالي الصناعي المنتج. وهذا يعني (1) تركز الدخل في أيدي فئة محدودة هي الفئة الحاكمة، وبالتالي الهيمنة على كل مفاصل الاقتصاد في البلاد (2) القضاء على الطبقة الوسطى (3) اختفاء مؤسسات المجتمع المدني (4) تركز الإنتاج في الأنشطة الأولية كالسلع الاستهلاكية وما شابه ذلك (5) غلبة المشروعات الصغيرة الفاشلة وندرة الشركات الكبرى والمتوسطة (6) غلبة القطاع العام وضعف المنافسة (7) انتشار الفقر والبطالة والأمية والفساد (8) تصاعد موجة المد الأصولي (9) ضياع قيم الاستقلالية والحرية الفردية والنشاط الإيجابي الفاعل (10) عسكرة المجتمع والمقصود به "مجتمع المخابرات".


الشكل (1) : يبين مخاطر نمط الاقتصاد الريعي القائم على عوائد النفط في ليبيا.

وأخيرا بقي علينا أن نطرح هذا السؤال الجوهري، وهو : ما موقف القوى الدولية وعلى رأسها بالطبع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، من التحول الديمقراطي في ليبيا اليوم ؟. هل ترغب فعلا كلٌّ من هذه القوى في رؤية ليبيا دولة ديمقراطية ؟. وبالطبع، فإن الإجابة عن هذا السؤال - في اعتقادي - تتحدد من خلال المصالح الاستراتيجية لهذه القوى، وعلى الأخص الأمريكية منها في منطقة الشرق الأوسط، والشمال الأفريقي، وذلك في الجواب عن هذا السؤال بنعم أم ل. وهنا يجدر بي أولا التنويه بهذه المصالح ولو على سبيل الاختصار، وهي على هذا النحو : (1) أمن إسرائيل (2) تأمين مداخل آمنة للنفط المتركز في منطقتي الخليج والشمال الأفريقي (3) القضاء على الإرهاب كـ"هدف جديد بديل عن الشيوعية سابقا". ثم ثانيا التنويه بأن التحول الديمقراطي، يحتاج إلى محيطه الجغرافي سياسيا واقتصاديا أيضا. وبمعنى آخر، فإن ما أذهب إليه هو استحالة قيام تجربة ديمقراطية حقيقية في ليبيا، ما لم تكن لها مثيلاتها في الدول الكبرى المحيطة على الأقل، وإلا فإن المصير سيكون لا محالة هو الفشل الذريع. ولعلّ ما يشرح هذا الأمر بوضوح، هو مدى حرص النظام في ليبيا وغيره من الأنظمة الشمولية، على التمسك الشديد بدعم سياسات التوريث، ليس في منطقتنا وحسب، بل في قارة أفريقيا برمتها، تمشيا مع الخصوصية الثقافية حسبما يصدر منه من تصريحات بهذا الخصوص. وفي هذا السياق بالذات، أرى أنه من المهم الإشارة تاريخيا إلى أن رؤية ليبيا دولة ديمقراطية كألمانيا، أو غيرها من الدول الأوروبية في حقبة الحرب الباردة، كان أمرا ممكنا لولا أن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية الاستراتيجية يومذاك، اقتضت أن تكون ليبيا والمنطقة برمتها غير ألمانيا وإسبانيا. وبالتالي حصل ما حصل عندما قُوِّضتْ التجربة الديمقراطية الليبية الوليدة، في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم. والجدير بالملاحظة أننا نرى جميعا كم تحصد أمريكا الآن جراء ما جنته من استراتيجياتها السابقة، ولا أقول من قراءاتها غير المدروسة للأوضاع في المنطقة آنذاك، وما بنته عليها من سياسات هوجاء، أدت في نهاية المطاف إلى صعود التيار الديني (العدو الأول لأمريكا الآن)، وتعزيز فرص وجوده وشعبيته في الشارع ؛ ليتحول إلى فزّاعة سحرية في يد الأنظمة الشمولية، على مدى العقود الماضية ولا يزال، تُرهب به أمريكا والقوى الغربية على وجه العموم بالبديل الأسوأ والمشؤوم لها على الأقل. وها هي أخيرا، قد تحولت أي الأحزاب الدينية إلى بديل حقيقي، يقضّ مضاجع العالم بأسره، بعد أن صارت القوى الحقيقية في أي تجربة انتخابية تجرى، نزيهة كانت أم مزورة، وما مصر وفلسطين عنا ببعيد. وعلى الرغم مما أعلن عنه مؤخرا من تغير دراماتيكي ـ معلومة أسبابه ـ في الاستراتيجية الأمريكية، تجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي أضحت تتركز على ترويج قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا أن تحكّم التيار الديني في الشارع، وضعف التيار العلماني الليبرالي، وصلات أمريكا القوية بالأنظمة الشمولية في المنطقة، يكشف بوضوح التخبط الأمريكي. فإن هي اتبعت سياسة مواصلة دعم الأنظمة الشمولية القائمة حاليا، زاد هذا من فرص انتشار الإرهاب، وإن هي اعتمدت النظام الديمقراطي بديل، حلَّ الإسلاميون في السلطة. إذن في كلا الحالين، تكون مصالح أمريكا الاستراتيجية الثلاثة المشار إليها آنفا، مهددة بنحو لا مزاح فيه البتة. ويا للمأزق الأمريكي!!. وفي اعتقادي أن الذي يغيب عن الأمريكان وعنا قبلهم، هو كيف العمل على تأسيس قاعدة شعبية متينة للأيديولوجية العلمانية الليبرالية، تكون بديلا فعليا عن الأيديولوجية الدينية القرووسطية السائدة الآن. وهذا ـ لا ريب ـ الخيار الأصعب، لِما يقتضيه من وقت وجهد ومال. والحقيقة المُرة هي أنه لا أمريكا راغبة في هكذا مشروع باهظ التكاليف، ولا نحن أيضا نملك النية على دخول مثل هذه المعمعمة الكبرى ؛ لأننا ببساطة لا نملك أدواتها، والتي تأتي في مقدمتها رأس المال، وأقصد هنا (المعرفة). وقبل الختام، فلعلّ من الفائدة إجمال العوامل البنيوية الأساسية، التي تقف بشكل أو بآخر كحجر عثرة في طريق أي مشروع، أو عملية للتحول الديمقراطي الحقيقي في ليبيا ؛ وهي : (1) الثقافة الدينية (2) الطبيعة القبلية (3) الأمية (4) الاقتصاد الريعي (5) الحركات الأصولية (6) الطبقة الحاكمة (7) ضعف النخب الليبرالية وتهلهل التيار العلماني (8) غياب النموذج الديمقراطي جغرافيا (9) التواطؤ الدولي.

إلى اللقاء..

haddadsalah@yahoo.com

ملحوظة : قريبا ستنشر دراسة أخرى بعنوان (أثر النص المقدس على الفكر الإسلامي: تدمير قانوني السببية والنسبية) للكاتب صلاح الحداد.
__________________________________________________

(*) هذه الدراسة مترجمة عن الأصل الإنجليزي مع بعض الإضافة الجديدة المتضمنة تعليقات تخص الوضع الليبي، وهي بعنوان :
"Beyond the Successful Transition to Democracy: Spain & Germany, by Salah Haddad, Jan 2006"
1. Andrea Bonime-Blanc, Spain's transition to democracy: the politics of constitution-making (Westview Press, 1987, U.S.) p 116.
2. To read more about this subject, please see this book: The Political Economy of Democratic Transitions, by Stephen Haggard & Robert R. Kaufman (Princeton University Press, U.S., 1995)
3. Huntington P. Samuel, The Third Wave: democratization in the late twentieth century (University of Oklahoma Press, 1991) p 316.


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home