Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Monday, 5 June, 2006

هل سيكون الجميع بخير بعـد "مغـادرة" جون ماكهرن؟(*)


" لم يكن هناك شيء أفعله سوى أن أكون كاتباً"

صلاح الحداد

أخيرا ودّع الوجودي جون ماكهرن عالم الرهبة والاضطراب وولج عالم الفناء والخلود. لكن أي فناء وأي خلود؟ هذا كاتب احتضن الألم والشقاء ، اليأس والكآبة والشعور بالذنب لدى أبطاله ، الذين خاض بهم جميع معاركه . جسّد قيمة الوجود ومعناه ودور الفرد في الحياة، وفرض سيادة العقل والنفس ، ودحر سيادة الكنهوت والجبر. هو الذي قال قبل رحيله: "ككاتب أنا أكتب لأكتشف؛ لأني إذا كنت أعلم كيف تنتهي الأمور فلن أتمكن من الكتابة. الكتابة عمليّة اكتشاف"، تاركاً بقية من سارتر وبروست وباسكال ، بعدما باغته عدم "السرطان" على حين غرّة، لتكون نهايته غير سعيدة ، كأمه وكنهايات جلّ أعماله . ترك جون ماكهرن ست روايات وثلاث مجموعات قصصية ، ومذكرات تسرد مقارعته اليأس والحزن، من دون أن يفوته طمأنة قرائه بأن "الكل سيكونون بخير"، وهو عنوان هذه المذكرات. جون ماكهرن، أشهر الروائيين الأيرلنديين، وأكثرهم إثارة للجدل بعد جيمس جويس وصموئيل بيكيت . أُسدِل الستار أخيرا على آخر فصل من فصول حياته الملئية بالوجع ، في أحد مستشفيات العاصمة دبلن، عن واحد وسبعين عاما.

الثالوث الأحمر
كانت بداية جون ماكهرن مع روايته التراجيدية الكوميدية، "الثكنة" (1963)، التي تتناول السنوات الأخيرة لحياة امرأة إنكليزية تدعى إليزابيث، تقع ضحية رجل شرطة ايرلندي، أرمل قاسٍ، بعدما اتخذت العائلة من الثكنة مقاما لها لفترة من الوقت. بدأت محنتها حينما شعرت بفشلها في إرضائه، فضلا عن فشلها في أن تكون أمّا لأولاده الثلاثة. بلغت محنتها أوجها حينما اكتشفت أنها مصابة بمرض سرطان الثدي. هنا تفاقم إحساسها بتفاهة الحياة، فشرعت في مواجهة قدرها المحتوم بين الرغبة في البقاء واليأس من الوجود. طرحت الرواية الكثير من الأسئلة عن الرحيل والمصير والعدم والخلود، ونالت جائزة من مجلس الفنون والآداب الأيرلندي. ولم يمض عامان حتى صدرت روايته الثانية، "العتمة" (1965)، التي ستكون معلما رئيسيا في بداية التشهير به ، وسببا في أن تطرده الكنيسة الكاثولوكية من وظيفته كمدرّس في إحدى مدارس دبلن ، ومن ثم مغادرته البلاد لنحو عقد من الزمن. تلخص هذه الرواية قصة تمرد فتى ايرلندي فقير مراهق على تحرش والده به جنسيا. وكانت الفرصة مؤاتية لماكهرن كي يعمل أدواته الفنية في الكشف عن المخبوء في دياجير المجتمع الفاضل. إنها رسالته التي رهن قلمه ، بل حياته لأجلها. من دونها لن يتمكن من الكتابة ، ولا أن يصير كاتبا مرموقا. تتشابك الأحداث وتتصاعد حينما يدخل هذا الفتى في دوامة من الحيرة والشك والشعور بالذنب والحب والكره، تربك مستقبله والكهنة ، بجرأتها في تجاوز الثالوث الأحمر: الدين والجنس والعرف. إنها لا شك شبكة من العلاقات الدفينة المعقدة بين الولد وأبيه، مكتوبة بلغة مباشرة وأسلوب سلس. لكن هذا كله لم يكن ليشفع لها حتى بالبقاء على رفوف المكتبات، فأصدرت هئية الرقابة الأيرلندية قراراً بمنعها ومصادرتها. وقد سُحبت بالفعل من المكتبات ومورست الضغوط على الكاتب، الأمر الذي اضطره في النهاية إلى ترك البلاد والرحيل إلى إنكلترا. هناك التقى ماكهرن شريكة حياته الأولى، وهي مديرة مسرح فنلندية. بعد اقترانه بها تخلّت نقابة العمال الايرلندية عن الدفاع عن قضيته، بحجة تجاوزه الأعراف الاجتماعية. وبعدما تخلّى الناس عنه، تخلى هو بدوره عن الفنلندية، وشدّ الرحيل إلى باريس، حيث قابل الكاتب الايرلندي صموئيل بيكيت، الذي لم يتوان مع كتّاب آخرين في عرض المساعدة عليه ، بتنظيم حملة لمناصرته ، إلا أن ماكهرن رفض العرض مفضّلا التزام الهدوء.

الكل سيكونون بخير
بعد مضي عقد من الزمن، عاد ماكهرن إلى بلاده ليقيم في مزرعة صغيرة في مقاطعة ليترم، وسط غرب البلاد، ولينشر "الرحيل"، روايته الثالثة (1975)، التي كانت فرصة حقيقية ، ترجم فيها المؤلف يأسه وقنوطه وتذمره من المجتمع وتقاليده البالية. في هذه الفترة كان تزوج من مُصوّرة أميركية تدعى "مادلين قريين" ، مستمراً في التحدي وتأدية الواجب ، في عملية التعرية والكشف المجتمعي . لم يخرس. لم يستسلم . ولم يتاجر. وكان الموعد مع رواية "الخليع" (1980)، التي تحكي قصة رجل مستاء من حياته الجنسية. رائعته "بين النساء" (1990)، طبّقت سمعتها الآفاق، لا سيما بعدما رشحت لجائزة "بوكر" الشهيرة. إنها الرواية التي تدور أحداثها حول شخصية مايكل مورن، العضو السابق في الجيش الجمهوري الايرلندي، والبطل في حرب الاستقلال (1919 – 1921)، ضدّ المستعمر الإنكليزي. فيها يكتشف مورن، ذو الطبع المتعجرف، أن نجوميته أخذت تخفت، عندما أصبح مزارعا بسيطا في أواسط البلاد. وأخيرا يجد نفسه غريبا في قريته الريفية ؛ فيعزل نفسه عن جيرانه وأصدقائه، ويصبّ غضبه على أبنائه الخمسة وزوجته الثانية روز. إنها لا ريب عقدة الماضي. عقدة البطولة وجنون العظمة . في الختام ، تأتي روايته السادسة والأخيرة، "ربما يواجهون الشمس المشرقة" (2001)، التي تحمل شيئا من فرح وبعضا من أمل.

تحت الأضواء
كان أسلوب ماكهرن مختصرا، وتصويره دقيقا للحياة الريفية الايرلندية. تقوم رواياته على تجربته الشخصية، وتتشكّل من خلال آلامه وأحزانه وقلقه واضطرابه. سيطرت على جُلّ أعماله الكآبة، فلم تتخللها أي نهايات سعيدة. أما بالنسبة إلى الأسئلة التي وجهها حول معنى الوجود، فقد قدّم أجوبة ملتبسة غامضة عنها. استقرّت بعض شخصياته في البلاد وتكيّفت مع الأوضاع، في حين أن شخصيات أخرى آثرت المغادرة، علماً أن غالبيتها عاشت متلبسة بالشكّ والذنب والتيهان، حائرة بين إغواء العالم الخارجي وتسلط العائلة وقهر المجتمع.

إلى جانب أعماله الروائية الست ، نشر ماكهرن ثلاث مجموعات قصصية ، هي "خيوط الليل" (1970)، "الأرض العالية" (1985)، "مختارات قصصية" (1992). تعاملت مع الموضوعات نفسها التي تصدى لها في رواياته، وقابلها النقاد، هي أيضا، بحفاوة لافتة. ولم تقتصر مساهمته الخلاقة على مجالي القصة والرواية، إذ كتب بعض الأعمال المسرحية للإذاعة والتلفزيون، وكانت له صولات في المسرح ، من أشهرها "الغسق"، المستنبطة من أحد أعمال تولستوي، وقد عُرضت على مسرح آبي في دبلن عام 1991. تلقى العديد من الجوائز محليا ودوليا، وتبرع قبل رحيله بأرشيفه كاملا، بما في ذلك مخطوطة رواية غير منشورة إلى جامعة قولوي في غرب البلاد.

أعـرف نفسك بنفسك
ولد جون ماكهرن، وهو الابن البكر لعائلة من سبعة أبناء، عام 1934 في دبلن. ماتت أمّه ولمّا يبلغ العاشرة، الأمر الذي كان له بالغ الأثر في حياته وخصوصا في أعماله الأدبية. كان أبوه عسكريا وحشيا ذا طبع عنيف، متقلب الأطوار، لا تعرف الرحمة إلى قلبه طريقا. ومن المشاهد التي لم تُمح من ذاكرة ماكهرن رغم كرّ الأعوام، مشهد أحد إخوته فاقداً الوعي ؛ إثر تلقيه ضربة من أبيه بالمجراف. علاقته الشديدة بأمه، وعدم استيعابه لموتها المبكّر بالسرطان وحقيقة أبيه التسلطية، لم تمنحه أيّ فرصة للأمل والابتهاج. ترعرع في مقاطعة ليترم في وسط غرب ايرلندا، التي باتت مأواه الأخير، حيث الطبيعة الساحرة والحياة الريفية البسيطة، والتي أنجز فيها الكثير من أعماله. نال شهادته الجامعية في اللغة الإنكليزية من جامعة دبلن، ليعمل بعدها مدرّسا في إحدى المدارس الابتدائية بدبلن. اكتشف عالم الأدب صدفة عن طريق أحد جيرانه. قرأ أعمال شكسبير، ومن الكتب التي أغرم بها، "جزيرة الكنز" و "روبنسون كروزويه". أما روائيه المفضل فهي الكاتبة جاين أوستن. لم يكن ماكهرن مؤمنا، وكان غالبا ما يكرر: "لن أخلع على نفسي لقب كاتب ايرلندي، لكن ليس هنالك من شيء آخر يمكن أن أفعله!".
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "النهار" اللبنانية، الخميس 1 يونيو/ حزيران 2006


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home