Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

الإثنين 4 اكتوبر 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

رواية

ألسنة اللهب (13)

صلاح الحداد

-13-

قامت زوجة علي التومي مريومة ، بزيارة قصيرة مفاجأة لابنتها كريمة ، استمرت نصف يوم ، عقب وقوع فضيحة اكتشافها . كان الهدف من الزيارة ، حسبما رُسِمت من قبل التومي ، هو طمأنة كريمة من جهة ، وإبلاغها بتفاصيل الخطة الجديدة من جهة أخرى . استغلت كريمة انشغال زوجها في الجامعة ؛ لتطلع أمها على الوثائق والمذكرات والأبحاث والكتب ، التي تعج بها رفوف مكتبة حسن . أصيبت مريومة بالذهول عند رؤيتها الكم الهائل من المعلومات التاريخية السرية حول حركة الإخوان المسلمين ، وزادها ذهولا تلكم المراجع الضخمة حول حركة الحشاشين وامتداداتها وأثرها المزلزل في العالم ، كانت في مقدمتها كتب تُدعى : (The Valleys of the Assassins and Other Persian Travels ، وThe Assassins: A Radical Sect in Islam ، و The Assassins - Holy Killers of Islam ، و The Holy Blood and the Holy Grail، و The Secret Societies of All Ages and Countries ، وThe Mythology of the Secret Societies ، و The Necronomicon and Ancient Arab Magick ، وCities of the Underworld ) .

استمرت كريمة في تأدية دورها التنكري ، كزوجة محبة مشفقة غيورة ببراعة ، متحكمة في مشاعرها ، كإحدى ممثلات هوليوود المحترفات ، فهي تبكي وتضحك وتغضب وتحن وتعطف ، عندما تقرر ذلك . أما حسن فقد حاول أن يُصدّق ما يراه من سلوك زوجته الجديد ، لكنه لم يُفلح لتستمر العلاقة فاترة في غالب الأحيان ، على الرغم من محاولاته المتكررة في خلق جو أسري حميم أو لحظات سعيدة ، من خلال القيام برحلات التنزه في الريف الأيرلندي ، أو الخروج إلى الشاطئ ، أو تناول وجبة عشاء في أحد المطاعم .

عند عودة حسن من الجامعة ، لم تتطرق مريومة في حديثها القصير معه إلى موضوع الفضيحة ، وتظاهرت بدلا من ذلك ، بأن لا علم لها بالموضوع ، كما أن "حسن" لم يُرد أن يدخل معها في أمر ، كان يظن أنه شأن شخصي محض . بيد أن مريومة لم تنس قبل أن تغادر أن تسجل تعليماتها لابنتها كريمة ، عن كيفية تربية صغارها تربية إخوانية صارمة .

- إن الأمل في هؤلاء ، يا كريمة ، حينما يصبحون جندا من جنود الدعوة ، لكن كيف تسمحين لهم أن يستمعوا إلى الموسيقى الغربية الهابطة ، وتتركينهم يلعبون مع الأطفال الكفار ويختلطون بهم ؟ . سألت مسعورة ، في حين كان الثأر والانتقام قد بدآ يشلان حواسها .

- ..... اكتفت كريمة بهز كتفيها مفضلة عدم النطق .

- لا شك ، فإنكِ إذا ما تركتِ الحبل على الغارب ، فإنهم سيتأثرون بانحلال أخلاقهم وفساد قيمهم ، ألا تعرفين أن الغناء بريد الزنا ، والعياذ بالله ؟ . ثم ماذا لو تطورت هذه العلاقة إلى غرام وحب وصداقة ؟ . هل ترضين لابنك أو لابنتك أن تتخذ عشيقا نصرانيا كافرا ؟ . وبالمناسبة ، هل يذهبون إلى المركز الإسلامي للصلاة وحفظ القرآن ؟ . رفعت من وتيرة نبرتها ، حاشرة أنفها في أدق تفاصيل حياة حسن وأطفاله .

- لقد منعهم حسن من الذهاب ، بحجة أن المركز يسيطر عليه الإخوان .

- وإلى أين يذهبون إذن ؟ .

- إلى السينما .

- يا له من خنزير ، يريد أن يُعلْمِنَهم هذا التافه الوغد . لطمت مريومة شدقيها مصعوقة ، ثم استأنفت مرعدة : "أريدك أن تتحديه وترسليهم إلى هناك غصبا عنه . حولي حياة هذا العلماني الكافر إلى كابوس حقيقي ، واجعليه يتمنى الموت .

- أعتقد أنه من الخطأ إذا كنا مقبلين على هكذا خطة ، أن أصعّد من الموقف معه ، فالحكمة تقتضي مني الاستمرار في التظاهر بحبه . إنه لمن الحكمة ، يا أمي ، أن نضعف ضحيتنا أولا ، قبل أن نسارع إلى ذبحها ، فالعدو المحشور في الزاوية ، هو في الواقع من ألد الأعداء وأخطرهم . لقد شعّ بؤبؤ عينيها لؤما ودهاء .

- هل أقول إنك ورثت دهاء أبيك الحاج ؟ . علقت مريومة ، وقد ارتسمت على وجهها المجعّد علامات الفخر والاعتزاز بابنتها .

***

عند بداية الصيف من السنة التالية ، نال حسن درجة الماجستير بتقدير ممتاز ، مع درجة الشرف الأولى ، عن أطروحته حول حركة الحشاشين في الشرق الأوسط . كان حسن يتوقع عندما زفّ إليها خبر حصوله على الماجستير ، أن تفرح بفرحه ، أو على الأقل تبارك له تخرجه ، لكن شيئا من هذا القبيل لم يحصل ، بل على العكس ، إذ قالت له حرفيا : "وماذا ستكسب بنيلك هذه الشهادة التافـ.." .

في هذا الوقت ، كانت كريمة تحزم حقائبها للسفر إلى مانشستر مع الأطفال ، بحجة حضور حفل زفاف أختها . اشترى حسن لها وللأطفال تذاكر السفر ذهابا وإيابا لمدة أسبوعين ، وفي يوم الرحلة ، قام بنقلهم بسيارته إلى المطار . لم يُبدِ حسن أي اعتراض لمنعها من حضور الزفاف ، على الرغم من العداوة القائمة والمخاطر المحتملة من الانتقام ، مفضلا أن تكون هذه مناسبة لكريمة للترفيه عن نفسها والأطفال . "لا أريد منكِ أن تذبي عن عرضي هذه المرة ، إنما كل ما أريده منك هو أن تحفظي ستر الله علينا" . لقد بدا على وجه كريمة الوجوم طوال الطريق . راح عقلها يفكر في عواقب الأمر المقبلة عليه ؛ مستقبلها ومستقبل الأسرة والأطفال .

وبينما ساد الصمت المطبق طوال الطريق ، راح فكر حسن يشرد بعيدا ، فالكابوس الذي كان ينتابه منذ صغره ، عاد يرهقه ويستولي عليه من جديد . "ستعيش شقيا وستظل اللعنات تلاحقك مدى حياتك" ، قال له رجل عجوز عقب وفاة أبيه وأمه . غاص خياله في حوادث عنيفة ألمت به مذ كان طفلا ؛ فتذكر مقتل والديه وهو لا يزال صغيرا ، ثم حياته في دار الأيتام ، فحادثة هروبه واختفاء أخيه الأوحد ، وتعرضه لكسر في ساقه أثناء مشاركته في مباراة لكرة القدم ، طرحته على الفراش شهورا ، كاد فيها يفقد ساقه نتيجة التعفن ، ثم موت أمه التي تبنته وسهرت على رعايته ، ناهيك عن حياة الفقر المدقع ، التي جعلته فريسة سهلة ، للتنذر والسخرية من قبل التلاميذ في المدرسة ، حيث كانوا يطلقون عليه لقب (القزُّون) ، وأخيرا اصطياده من قبل الإخوان ووقوعه في براثنهم ؛ ليجد نفسه لاجئا بعيدا عن وطنه ، يعاني الغربة والغدر والخيانة من شريكة حياته . "ماذا فعلت لك ، يا الله ، حتى تلاحقني كل هذه الملاحقة .. أرجوك اتركني وشأني ، فقد تعذبت بما فيه الكفاية وزيادة" . همس حسن بهذه الكلمات ، وعيناه تترقرق بالدموع ، فيما لاحت أبنية المطار أمام ناظريه .

عند الوصول إلى المطار ، احتضن حسن طفليه بحرارة مودعا ، متمنيا لهم قضاء وقت ممتع ، فيما اكتفى بمصافحة كريمة مصافحة باردة . لقد اكتفت كريمة باصطحاب طفلين ، فيما تركت آخرين ، للتمويه ودفع شبهة الفرار . كان كل ما قالته له عند توديعها إياه مرتبكة : "سامحني ، يا حسن" . عند سماعه هذه الكلمة ، غمر "حسن" شعورٌ بالدهشة والارتياب ، من جهة أنها توحي بشيء من الذنب . فكر قليلا ، قائلا في نفسه : "علام تطلب مني السماح ، وقد كنت قد عفوت عن كل هفواتها مؤخرا ، أم أنها تنوي ارتكاب فعلة أخرى ؛ فغلبها شعورها بالذنب للبوح ؟ " .

بعد مضي ساعتين ، رن الهاتف في منزل حسن .

- حسن ، أرجو أن تأتي إلى المطار .

- ما القصة ؟ .

- لقد فاتت الرحلة . قالت بصوت متهدج .

- حسنا ، أنا في طريقي إليكم .

في مساء هذا اليوم ، لم ينقطع الهاتف في منزل حسن عن الرنين ، إذ حصلت دربكة في منزل الحاج التومي ، عندما لم تظهر كريمة ابنته مع الواصلين ، في موعد الطائرة المحدد بمطار مانشستر . انتظروا ساعات طويلة في صالة الاستقبال علها تظهر ، لكن شيئا كهذا لم يحصل . كان كل ما يخشاه التومي ، أن تفشل الخطة كما فشلت من قبل . رفعت كريمة السماعة ، فإذا بصوت مريومة يولول بذعر :

- ما الأمر ؟ .

- لقد فاتتنا الرحلة . أجابت كريمة مرعوبة .

- كيف ؟ .

- تهت في المطار ، عندما دلني رجل على صالة الرحلة خطأ . وعندما تنبهت ، كان الوقت متأخرا على اللاحق بالطائرة .

- اللعنة ، اطلبي منه أن يحجز لك على الرحلة التالية غدا . سوف أتصل بك بعد قليل .

طلبت كريمة من حسن شراء تذاكر جديدة ، لكنه اعتذر ؛ لأنه ليس من مال قد تبقى . رن الهاتف من جديد ، وقد تحول المنزل إلى شيء أشبه ببورصة نيويورك من كثرة رنين الهاتف .

- ما الجديد ؟ . سألت مريومة .

- لا شيء . لقد اعتذر عن شراء تذاكر جديدة ، بسبب أنه ليس من مال تبقى .

- هذا الوقح ، أين يذهب بالأموال ؟ . صمتت لبرهة ، ثم أمالت رأسها هامسة في إذن الحاج الذي كان يجلس قربها ؛ فأصدر تعليماته الفورية لها . استأنفت مريومة "حسنا ، سيقوم الحاج بشراء تذاكر لك وللأولاد ، وسنرسل لك رقم الرحلة وموعدها عبر الإميل" .

لم يفهم حسن أصرار صهره على جلب ابنته بأي ثمن . "ربما لأهمية العرس ، فهو دائما يحب أن يظهر بين عائلته وأقربائه وأصدقائه من الإخوان ، كزعيم كبير وشيخ قبيلة ، يُصدر الأوامر بأصابعه ويعطي التعليمات بإشارة من رأسه ، ويتلقى مكالمات ورسائل التهنئة من كل حدب وصوب ، وكأنه رئيس الولايات المتحدة" ، ظن حسن .

***

داس نزار بقوة على دواسة البنزين ، وانحرف عبر الزحمة ، وراح يجتاز بسرعة قصوى جسر فندق الودان ، متجها صوب ميدان الغزالة . إنه في مهمة خطيرة ، فهل يا ترى يتمكن الليلة من الانقضاض على فريسته ؟ .

راحت سيارته الحديثة رباعية الدفع من نوع (تويوتا لاندكروزر) ، فائقة الذكاء والمغطى زجاج نوافذها بغلاف شفاف أسود ، تحوم في الميدان كسمكة القرش ، التي تقوم بدورية بحثا عن خليج مضاء بنور للانقضاض على فريستها . وبمجرد إلقائه نظرة سريعة وخاطفة على الميدان حوله ، بدأت حاسته السادسة توخزه . وفيما كان يقترب من الفندق الكبير ، كان يرى الهدف الذي يقصده يتحرك أمامه بوضوح . "ها قد أصبح الصياد هو الطريدة" ، ردد نزار بنبرة ملؤها التحدي ، فيما راحت كلماته تدوي بعنف وقوة يخترقان العتمة . وبينما كان العقيد المتقاعد عبد الله شنابو ، يترنح من شدة السكر ، محاولا إشعال سيجارته ومتأهبا لقطع الطريق ، وهو خارج من الفندق الكبير ، بعد وليمة عشاء باذخة أقيمت على شرفه ، مزّقه نزار بسيارته الكروزر المزودة بأسياخ حديدية حادة ، خرجت أوتوماتيكيا من المقدمة ؛ ليحول جسده إلى أشلاء متناثرة في الهواء .

كان المنظر مرعبا بحق ، فلقد طار رأسه منفصلا في الهواء الطلق ؛ ليتدحرج على الطريق على بُعد مائة متر ، فيما غطت الدماء الرصيف والسيارات المصطفة على جانبي الطريق . لفّ المكان صمتٌ وذعر تام ، وقد بدا الوقت عندها وكأنه قد توقف . لم يكن بوسع أي أحد فعل أي شيء . وفي غضون ثوان قليلة ، التهم الليل السيارة ، سالكة طريق الشط السريع ، ومطلقة أزيزا كأزيز سيارات سباق الفورملا ون ، بعد أن غيّر نزار لونها من الأسود إلى الأحمر ، وبدّل لوحتها المعدنية بمجرد ضغطة زر من لوحة التحكم الالكترونية . لم تجتز السيارة ميدان الفروسية بأبي ستة ، حتى انسلت برشاقة واختفت عن الأنظار كلية ؛ ليجد نزار نفسه شاقا مدخلا سريا مظلما تحت الأرض ، يؤدي إلى شبكة من الأنفاق السرية تسبح عليها المدينة ، قام بحفرها الجنود الطليان في أربعينيات القرن الماضي . ابتسم نزار وهو يقود سيارته بأمان ، متوغلا داخل ذاك النفق الحجري الطويل ، وقد بدا عليه بوضوح أنه يستمتع بلحظات قربه من الله .

بعد أن ركن نزار سيارته في مرآب سري بمنطقة تاجوراء ، ترجّل وهو يخلع قناعه وشعره المستعار ، وأخذ يتنفس الصعداء ، ماسحا جبينه من العرق ، فرحا بنجاح المهمة ، بعد أن تخلص من تشنج شديد في معدته . في داخل الردهة ، طرح قفازيه جانبا وأخرج هاتفه الثريا ، المزود بخدمة الاتصال بالأقمار الصناعية ، متصلا بالعجوز عباس .

- " Mission Accomplished" ، قالها بالإنجليزية منتشيا .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home