Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Thursday, 3 August, 2006

       

تأثير النص الديني المقدس في الفكر الإسلامي :
تدمير قانوني السببية والنسبية

دراسة تحليلية نقدية
(*)

صلاح الحداد

(5)
الأخيرة

بعد الانتهاء من عرض وتحليل الخصيصة الجوهرية الأولى للطبيعة الإلهية وما أدت إليه من نتائج كارثية، نشرع الآن في النظر في الخصيصة الثانية، التي تعد هي الأخرى حجر زاوية في الثقافة الإسلامية. فوفقا للطبيعة الإلهية وما تتمتع به من صفة الحق المطلق ، فقد ورد في القرآن حول هذا المعنى ما نصه: "فذلكم الله ربكم الحق ، فماذا بعد الحق إلا الضلال" (يونس:4) . "وبالحق أنزلناه وبالحق نزل" (الإسراء:105) . "وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا ، لا مبدل لكلماته" (الأنعام:115) . "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله" (التوبة:33) . وبموجب هذه الصفة ؛ صفة الحق المطلق ، فإن ما هو متعين بالدرجة الأولى على الناس هو الخضوع لأوامره دون أي نقاش أو شك أو حتى أسئلة . أما ما يتعين ثانيا -بحسب أن الإسلام هو الدين الحق- ، فهو نسخ الديانات الأخرى وإبطالها . وقد جاء في هذا السياق قوله : "إن الدين عند الله ... ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه" (آل عمران:19-85) . وندع الآن الحديث لسيد قطب ؛ ليلخص لنا وجهة النظر الإسلامية الأرثودكسية حول هذا الموضوع :

إن الإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية . لا من ناحية التصور ، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا التصور .. فإما إسلام وإما جاهلية . وليس هنالك وضع آخر نصفه إسلام ونصفه جاهلية ، يقبله الإسلام ويرضاه . فنظرة الإسلام واضحة في أن الحق واحد لا يتعدد ، وأن ما عدا هذا الحق فهو الضلال . وهما غير قابلين للتلبس والامتزاج . وأنه إما حكم الله وإما حكم الجاهلية ، وإما شريعة الله ، وإما الهوى . والآيات في هذا المعنى متواترة كثيرة ... وليس بعد هذا التوكيد الصريح الجازم من الله سبحانه مجال للجدال أو للمحال .. وظيفة الإسلام إذن هي إقصاء الجاهلية من قيادة البشرية ، وتولي هذه القيادة على منهجه الخاص المستقل الملامح الأصيل الخصائص (معالم في الطريق: 164-165) .

وبالطبع فلا يقتصر الإقصاء على الأديان الأخرى وحسب ، بل يمتد ليكتسح المذاهبَ والأحزاب والجماعات والطوائف والفرق التي تنتسب إلى الإسلام نفسه ، إذ تدّعي كل فرقة أنها هي الفرقة الحق وما عداها فهو الباطل ، حينئذ لا يبقى مجال للنسبية ولا للتعددية ، وإذا كان ثمة من هدوء بين الغرماء في جبهات القتال فهو هدوء تكتيكي مرحلي وحسب . هذا من وجه ، ومن وجه آخر ، فإنه يمكن أن نرى تجليات هذا المفهوم أيضا في التماثل الكبير بين صورة الإله وصورة الحاكم في العالم الإسلامي . فالاثنان مثلا ؛ أي الإله والحاكم لديهما الكثير من الطبائع والميزات المشتركة ، ولا غرو من أن "الحُكام رعاة ، والناس قطيع ، إذ أن مواطني الدول العربية غالبا ما يشار إليهم بالرعية"(1) . وهنا لا ينبغي أن يكون الأمر مفاجئا لك أن ترى ، أو تسمع في العالم الإسلامي وعلى مدى قرون طويلة عن أب يضرب زوجته ويقمع أبناءه ، وعن مُعلم يجلد تلاميذه ، وعن ربّ عمل يستعبد عُمّاله ، وعن خليفة أو سلطان أو رئيس يقمع شعبه . وما أصابك من حسنة فمن الله ، وما أصابك من سيئة فمن نفسك ومن الشيطان . وفي الحقيقة ، فإن التاريخ الإسلامي زاخر بعديد الأمثلة عن المجتمعات الاستبدادية الشمولية ، التي احتلّ الحاكمُ فيها موقع المطلق الأبدي الخالد ، فيما احتلت الشعوب موقع النسبي المحدود الهامشي .


الشكل (2): تأثير النص الديني المقدس في الفكر الإسلامي (خرافة وجبر وأحادية وقهر)

ولتلخيص ما سبق ، فإن نتائج الدراسة يمكن أن تكون على هذا النحو : (1) النص المقدس نص إلهي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأيا كانت المواضيع التي يتطرق إلى مناقشتها سواء التاريخية منها ، أو الأخلاقية والعلمية وما سوى ذلك ، فلا اجتهاد مع النص . (2) كل نصوص القرآن صالحة لكل زمان ومكان ؛ لأنها تتضمن الحقيقة من جهة ، ولأن الله باق لا يتغير من جهة ثانية . (3) جميع القوانين والتشريعات والأخلاق والقيم الإسلامية توقيفية ؛ أي هي صنع لله المشرع وحده ، وليست من صنع البشر ولا من حقهم تشريعها (4) يرى المسلمون أنفسهم أنهم أصحاب الدين الحق في هذا العالم (5) اللغة العربية هي اللغة التي اختارها الله لوحيه المقدس ؛ لأنها أفصح اللغات وأبينها للحقيقة ، لذا فإن الحقيقة المطلقة واللغة العربية صنوان .

وفوق كل هذا وذاك ، فإن عامة المسلمين يعتقدون أن هذا النص المقدس نص شامل ونظام متكامل ، فهو منهج حياة ؛ عقيدة وشريعة .. أخلاق وحضارة .. سلوك وعبادة ... فلا مجال للتفرقة بين ما هو دنيوي وما هو آخروي ، الأمر الذي جعل المقدس يستحوذ على كل شوؤن الحياة تقريبا . أخيرا ، فإنه من الواضح أن الرؤية للعالم والكون التي عُرضت في القرآن ، كانت قد تأسست على مفهومين أساسين ؛ هما : مفهوم الانفصال التام والحق المطلق ، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى إلقاء أولا ظلال من الشك والريبة حول القول بوجود علاقة ضرورية بين السبب والمسبب ؛ لينتهي الأمر إلى إهدار مفهومي الزمان والمكان بنظرية الجوهر الفرد ، التي قضت على قانون السببية . ثم ثانيا عندما تم تقسيم العالم إلى فسطاطين ؛ كفر وإيمان وحق وباطل ؛ لينتهي القول بوجود حقيقة واحدة يجب على الناس الإيمان بها ، وهي التي ينبغي أن تسود هذا الكون طال الأجل أم قصر .

وبناء على مضى ، فقد أخذ الفكر الإسلامي في الاتجاه نحو العالم الروحي وقواه الخارقة للعلوم والطبيعة ، متخليا عن الدنيا وشؤونها وملذاتها ، ومنغمسا في ذات الوقت في التصوف والدروشة وعالمها السحري . وبالطبع ، فإن هذا الاتجاه كان قد ولّد راغبة جامحة نحو المزيد من التعلق بالله المطلق الخالد الأبدي ؛ خالق الكون من العدم ، صاحب المعجزات ومفرج الكروب من جهة ، وترك العمل بالعقل والفلسفة ؛ لا بل تكفير وتجريم من يسعى لإعمالها ؛ لتغرق الثقافة الإسلامية برمتها في وحل من الجبرية السياسية والفكرية والاجتماعية ، وفي أوهام الخرافات وعالم ما وراء الطبيعة .

إلى اللقاء ..

haddadsalah@yahoo.com
________________________

المراجع العربية :
أبو زيد حامد نصر ، 2003 . نقد الخطاب الديني ، مكتبة مدبولي ، ط الرابعة ، القاهرة .
ابن هشام ، 1955 . سيرة ابن هشام ، مكتبة مصطفى الحلبي ، ط الثانية ، القاهرة .
الثعالبي أبو منصور ، 1994 . فقه اللغة ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
الجابري عابد محمد ، 2004 . بنية العقل العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، ط السابعة ، بيروت .
ضاهر عادل ، 2001 . أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي ، دار أمواج ، بيروت .
ضاهر عادل ، 1998 . الأسس الفلسفية للعلمانية ، دار الساقي ، ط الثانية ، بيروت .
الغزالي أبو حامد ، 1986 . إحياء علوم الدين ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
الغزالي أبو حامد ، 1972 . تهافت الفلاسفة ، دار المعارف ، ط السادسة ، القاهرة .
قطب سيد ، 1982 . معالم في الطريق ، دار الشروق ، بيروت .

المراجع الأجنبية :

The Koran, Translated with notes by Muhammad Pickthall, London: Albirr Foundation.
Barakat, Halim. (1993) The Arab World: Society, Culture, and State (University of California Press.

Field, Michael (1994) Inside the Arab world, Harvard university press.

Gentner Dedre. (2003). Why we are so smart in Language in mind: advances in the study of language and thought. Dedre Gentner & Susan Goldin-Meadow (eds.) A Bradford Book, the MIT press, Cambridge, Massachusetts.

Grondin, Jean. (1995) Introduction to philosophical hermeneutics, translated by Joel Weinsheimer: Yale University Press, London.

Gumperz J. John & Levinson C. Stephen. (1996) Linguistic determinism: The interface between language and thought in Rethinking Linguistic Relativity. John J. Gumperz & Stephen C. Levinson (eds.), Cambridge University Press, New York.

Schiesinger, M I. (1991) The wax and wane of Whorfian views in The influence of language on culture and thought: essays in honor of Joshua A. Fishman. Robert L. Cooper & Bernard Spolsky (eds.) Mouton de Gruyter, Berlin & New York.
________________________
(*) هذه الدراسة مترجمة عن الأصل الإنجليزي ، وهي بعنوان :
"The Influence of Islamic Sacred Texts on Muslim Thought and Culture: Destroying the Causality & Relativity Principles. By Salah Haddad, Jan 2006.
(1) Barakat Halim, The Arab World: Society, Culture, and State (University of California Press, 1993) p 117.


       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home