Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

السبت 3 يوليو 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

رواية

ألسنة اللهب (4)

صلاح الحداد

-4-

فيما كان يستمتع بروعة الهواء الربيعي الطلق ، راح النسيم العليل يلاعب رباط عنقه المزركش . لوّح نزار بنظره شزرا إلى الوادي الأخضر ، الذي كان يرتفع متعاليا نحو قمم جبال الأناضول المكللة بالثلوج والمحيطة بهم من كل حدب وصوب ، وهي تتلألأ كالنجوم ، عاكسة ضوء قرص القمر المطل من الجهة الغربية . كانت مدينة أنقره غارقة في هدوئها ، عدا بعض المطاعم والحانات ، التي تقفل أبوابها في ساعة متأخرة من الليل .

- أهلا بك في أنقره . صاح الربان بصوت عال ، بسبب هدير محركات الطائرة القوي خلفهما . ثم أضاف مبتسما : أرجو أن تكون قد قضيت رحلة ممتعة .

ضبط نزار عقارب ساعته على توقيت أنقره ، فيما هرع بعض الفنيين على المدرج نحو الطائرة ، في حين رافق الربان نزارا ، وهو يحمل حقيبته إلى سيارة ليموزين كاديلاك طويلة سوداء ، كتلك المخصصة لنقل نجوم هوليوود ، كانت تنتظره على بعد عدة أمتار من الطائرة . لاحظ الربان عَلَما إيطاليا صغيرا مثبتا على أنف السيارة الفخمة ، ومضاء بواسطة مصابيح تعمل بتقنية LED المتطورة ؛ فتذكر أنه كان على خطأ ، عندما ظن أنه رجل أعمال ، وليس دبلوماسيا إيطاليا رفيع المستوى .

بعد ذلك بلحظات ، رُفع الحاجز إلكترونيا من على البوابة ، وقد انطلقت من الجانب الأيسر كلمة ترحيب بالإيطالية (Benvenuti alla Turchia Signore) ؛ لتندفع السيارة بسرعة فائقة ، سالكة طريقا ريفيا مرصوفا يمتد عبر قعر الوادي ، فلاحت أمامهم في الأفق مجموعة صغيرة من المباني ، فيما كان الضباب في الخارج ، يلف السهول الخضراء الممتدة عن جانبيهم .

"تستغرق الرحلة عادة ساعة ونصف ، لكننا سنصل هناك في غضون ثلاثين دقيقة ... اربط حزام الأمان ، رجاء" . قال السائق التركي بلكنة إنجليزية ركيكة ، وهو يدوس بقوة على البنزين ، مستعرضا على ما يبدو مهاراته الفذة في القيادة ، فيما شعر نزار أن رئتيه تتقلصان ، وقلبه ينبض بجنون ، هامسا : "رباه .. لا أريد أن أدفن هنا" .

كان يود أن يعرف ما إذا كان السائق في الجهاز الخاص ، لكن أسئلة من هذا النوع حسب لوائح الجهاز كانت ممنوعة ، فاكتفى عوضا عن ذلك بإرخاء رباط عنقه قليلا ، محاولا الاسترخاء في المقصورة الخلفية التنفيذية الشاملة ، التي تتوفر فيها كل مميزات المكتب المتنقل المفيدة ، والتأمل في ضوء القمر الذي يشع نوره في السماء .

تناول رشفتين من كأس عصير الليمون المثلج ، ثم اتكأ برأسه على المخدة ، وما هي إلا بضع دقائق ابتلعت فيها العتمة الليموزين ، حتى أخذ فكره يسرح به في الماضي السحيق . "أحبك ، يا أبي" . تذكر والده وهو يشتري له ملابس العيد وبعض الحلوى ، ثم راحت الذكريات الأليمة تتوافد على ذهنه ، لا سيما أيام نشأته طفلا مشردا في دار الأيتام ، بعد أن فقد أباه وأمه في حادث مروع أليم ، وهو لم يتجاوز الرابعة من العمر ، فمراهقته وسنوات سجنه وسجل إجرامه الدامي ، حينما كان يلقي مجرد ذكر اسمه الرعب في قلوب الناس بالمدينة القديمة ، ثم قصة توبته إلى الله وحفظه القرآن الكريم ، ودخوله إلى الإخوان المسلمين .

بيد أن الدامي لقلبه حقا هو اختفاء أخيه الأصغر والوحيد عنه ، الذي استطاع وقتها الفرار من دار الأيتام ، ومنذ ذلك اليوم لم يسمع عنه شيئا ، فضلا عن أن يجد له أثرا . كان كل ما يستطيع تذكره عن أخيه ، هو وشم السمكة الصغير على كتفه الأيمن ، الذي نقشه الوشام على كتفيهما في يوم ختانهما .

فجأة ينتشله السائق من حلم يقظته : "نحن أشبه بمدينة صغيرة ... ، لكن لن نتمكن من رؤيتها هنا ، فهي مطمورة تحت سابع أرض" . أدرك نزار الآن أنه أحد رجال الجهاز ، لكن لم يكن لديه الوقت الكافي لكي يستفسر حول هذا الموضوع ، فما إن أنهى السائق جملته تلك ، حتى كبح هذا الأخير السيارة فجأة ، موقفا إياها خارج مبنى فخم ، مطلا على بحيرة خلابة تدعىGolchuk ، تحيط بها مزارع الدراق وسلسلة من الجبال الشاهقة والغابات الكثيفة . بدا المبنى محصنا تحصينا طبيعيا بوجود الجبال والبحيرة حوله ، هذا فضلا عن الكاميرات التلفزيونية المسلطة على الأسوار ليلا ونهارا .

فُتِحَ الباب الفولاذي عن طريق جهاز التحكم الالكتروني عن بُعد ، وانطلقت السيارة من جديد وعجلاتها الضخمة تطحن حبات الحصى ، باتجاه ملتقى دوار يؤدي إلى المدخل الرئيس للمبنى . هنالك لاح أمامهم مبنى مستطيل الشكل ، يتمتع بهندسة القرون الوسطى . اعتدل نزار في جلسته مذهولا ومرتبكا ، فيما أدار السائق السيارة وأوقفها أمام المبنى الحجري .

- عليك أن تنزل هنا ، سوف يكون الرئيس بانتظارك عند المدخل .

فجأة ، لاحظ نزار عجوزا أرستقراطي المظهر ، أحنت السنين ظهره قليلا ، بدا له في أوائل السبعينيات أو أواخر الستينيات .

- أهذا هو ؟ . سأل نزار . رفع السائق رأسه ناظرا إلى المدخل :

- أجل هذا هو .

كان المبنى عبارة عن قصر خلاب ، كل مصابيحه كانت مضاءة ، فيما بدت عشر سيارات فارهة مركونة في المرآب بشكل منتظم . مرّ بنافورة مرمرية ، قبل أن يصعد درجات الشرفة ، ومن ثم إلى الباب الرئيس . ابتسم العجوز مُرحّبا وملقيا عليه تحية الإسلام . رد التحية وقبّل يد العجوز الخشنة ، ثم عقب العجوز قائلا :

- سبق أن تحدثنا على الهاتف ، اسمي عباس . تفضل من هنا رجاء .

توجها عبر الردهة وهما يسيران في الرواق . كان عباس مصريّ الجنسية ، كما تشترط لائحة الجهاز الخاص ، ملقبا بالأمير ، وقد نال لقبه هذا نتيجة تربعه على عرش الجهاز السري سنين طويلة ، وهو يدير حكومته الخفية بنجاح باهر . كان هزيلا ، أصلح الرأس ، بوجه صلب حاد الملامح ، رغم التجاعيد القليلة ، في حين كانت عيناه الصغيرتان كعيني القطة ، تشعان بشيء من الثبات والحزم ، اللذين يتعذر على المرء التحلي بهما ، من دون سنوات طويلة من التدريب العسكري الشاق والمهام الخطرة . كان يرتدي روبا سندسيا أخضر .

إنه لا يزال يتمتع بصحة ممتازة ، فقد كانت مشيته عسكرية ولهجته واضحة وصارمة تماما ، كملامح وجهه القاسية . لا شك أنه يعد أحد أعضاء الجهاز السري المخضرمين ، الذين لا يزالون على قيد الحياة . هكذا اعتقد نزار .

"آن لي أن أنزع هذا .. أكاد أختنق" . قال نزار ، وقد أخذ يخلع شعره المستعار وقناع الوجه المزيف . ظل نزار تابعا للأمير حتى اجتاز معه بابا إلكترونيا ، يؤدي إلى ردهة الانتظار الضخمة . وقف العجوز عباس ، وقال :

- هل تعلم سبب استدعائك العاجل هذه الليلة ؟ .

- إطلاقا . هزّ نزار رأسه نافيا .

- حسنا ، تعلم أنها ليلة القدر ، وهي جوهرة الليالي ، وسيِّدة الزمان ، وأكبرُ منحة ربّانيَّة لهذه الأمّة ، نطلق عليها نحن في الجهاز ليلة التتويج ، ففجرا سيتجلى الله على عباده قائلا : ألا هل من مستغفر فأغفر له .. ألا هل من تائب فأتوب عليه ، ألا هل من داع فألبيّ دعاءه ... وغدا ستشرق شمس جديدة على الأرض ، معلنة بداية اليوم الثامن والعشرين ، وهذا الرقم يمثل السنة ، التي أعلن فيها الإمام تأسيس جماعتنا ، وهي السنة التي سنعلن نحن فيها قيام الدولة الإخوانية –إن شاء الله تعالى- ، لذلك فهذه الدرجة هي أعلى درجات الجهاز السري ، التي ستتقلدها الليلة ، تقديرا لشجاعتك وللمهام ، التي أوكلت إليك وأنجزتها بنجاح ، على مدى السنوات الأخيرة الماضية . سَرَت قشعريرة في جسد نزار ، وقال مرتبكا من الفرحة التي غمرته ، وهو لا يكاد يصدق ما تسمع أذناه :

- في الحقيقة يعجز لساني عن التعبير عن غبطتي وسعادتي وامتناني وشكري لكم ، على ثقتكم العالية فيّ وتقديركم لمساهماتي المتواضعة .

كان نزار عاجزا عن تصديق الذوق الرفيع ، الذي يطغى على زينة الجدران الفنية ، وهي مرصعة بآيات قرآنية ، نقشت بأجمل الخطوط العربية ، إضافة إلى منحوتات أصلية قيّمة ، وتطريزات فارسية وإيقونات فرعونية وصور للطبيعة مُذهّبة إطاراتها ، وأخرى مرسومة من قبل رسامين عالمين ، تظهر عليها توقيعاتهم الشخصية . إنها أعمال تساوي مئات الآلاف من الدولارات .

لوّح العجوز بيده "إنها من نعم الله علينا التي لا تحصى" . قال بلغة خاشعة ، وكأنه ولي صوفي ، بينما راح نزار يتأمل لوحة النسر الذهبي ذي الرأسين الهائلة المعلقة على الجدار .

- هل أعجبتك ؟ . غمز العجوز عينه اليسرى .

- إنها حقا مدهشة ورائعة . علق نزار .

- إنه دليل القوة والشجاعة والخلود والمناورة في اقتناص الفريسة . ألاَ ترى فرد النسر لجناحيه ؟ . إنها إشارة إلى دوره الرسولي باعتباره مبلغا وحامياً وقناصا ، ولذا اختير النسر ليكون شعارنا في الجهاز الخاص . أسطورياً ، كان مرتبطاً عند الإغريق بكبير الآلهة زيوس Zeus ، وعند الرومان بالإله جوبيترJupiter ، وعند القبائل الجرمانية بالإله أودين Odin ، وعند المسيحيين بالرب الأعظم . وقد اعتُبر النسر كطائرٍ مقدسٍ ، وحامٍ للروح ، وحارس السماء . إنها معان جديرة بالتأمل ، يا نزار ، أليس كذلك ؟ .

ظل نزار خاشعا لسماع هذه التجليات ، فيما مدّ العجوز يده ليلتقط جهازا إلكترونيا ، يشبه جهاز التحكم في التلفزيون ، ضاغطا بأصابعه على المفاتيح . صدم نزار حين انشقت المكتبة الضخمة إلى نصفين ؛ لتفصح عن باب سري . "تفضل ، يا بُني . من هنا" ، قال العجوز وقد لمعت عيناه بشعاع ساطع .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home