Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

الثلاثاء 3 مارس 2009

       
       

الخديعـة (10)

ـ رواية ـ

صلاح الحداد

الجزء الثاني : الفصل الخامس

وصلت الأخبار بسرعة البرق إلى الباشا ، الذي أمر وليَّ عهده البيك محمدا بالقضاء على المتمردين وسحقهم دون هوادة . وفيما كانت الحشود الغاضبة تقترب من القلعة ، تصدت لها فرق الباشا العسكرية من الصبايحية والتريس والأتراك ، وأخذوا في إطلاق النار عليهم بشكل عشوائي ، فيما كان الباشا يراقب المشهد من علٍ . وفي غضون ساعتين من الزمن ، انتهى المشهد بمجزرة بشعة ، لا ترى فيها إلا أشلاء المتمردين مبعثرة هنا وهناك ، فيما أحرقت شجرة الحرية ، وأسر البحارة الفرنسيون وأودعوا السجن . ارتعد الناس ودبَّ في نفوسهم الرعب وولجوا مساكنهم ، بعد أن أسدلت الدكاكين أسترتها ، وقد خلت المدينة من المارة تماما إلا من الكلاب ، التي أخذت تنهش لحوم الضحايا المتناثرة .

وخلف الأبواب الموصدة ، وبعد اجتياز البوابة الرئيسية ، هناك تقابلك قاعة مليئة بالحرس السود ، حيث يجلس الكيخيا طوال اليوم ، يليها مربع معبّد مع رواق يعتمد على أعمدة رخامية ، مشكلا غرفة الحكم ، حيث تعقد جلسة طارئة مغلقة لكبار رجالات الدولة بقيادة الباشا يوسف . مرّ أسبوعان تقريبا ، والأمور لا تزال على ما هي عليه ؛ خوف وذعر وترقب في كل مكان ، رغم وفود تجديد البيعة والولاء ، التي أخذت في التدفق على القلعة عقب المجزرة دون توقف . بالطبع ، فقد كان من نتائج هذه المواجهات أن تم استدعاء القنصل الفرنسي ، وتبليغه احتجاج الباشا الشديد على ما قام به البحارة . حاول القنصل بوسييه الاعتذار عما قام به البحارة الفرنسيون ، ووعد بأن لا يتكرر هذا الفعل مرة أخرى . لكنّ الباشا أصر على دفع فدية لقاء إطلاق سراحهم . ومع ولوج الأسبوع الثالث ، حصل أمر مهول . كانت أشعة الشمس اللاسعة تسقط عموديا ، حينما صدر الأمر باستدعاء مَنْ يُظن أنه قائد المتمردين ، أو مدبر المؤامرة والمتعاون مع البحارة الفرنسيين ، الذي اختفى عن الأنظار فجأة . دخل بن شعبان سفير القرمانلي الأسبق في فرنسا ، صحبة ابنه إلى القلعة وقت القيلولة . كان رجلا ذا أفكار نيرة وثقافة أوروبية ، قضى جل حياته في باريس . كان يرى من واجبه كإنسان مثقف أن يشن حربا على رجال الدين ، وأن يشنقوا كما شنقوا في فرنسا . لم يكن الكيخيا في السقيفة في استقباله . كان الجو هادئا تماما . خالجه الذعر ، تناقش مع ابنه طالبا منه أن يغادر ، فكل شيء سيكون على ما يرام . وعند تقدمه إلى الأمام ، رأى حارسين واقفين وأيديهما وراءهما . تركاه يمضي بضعة خطوات ، وعندها رموا حبل مشنقة على رقبته . أما بقية الحرس فقد تعقبوا ابنه وأخبروه أن أباه مع الباشا ، وأنهم يرغبون في أن يصطحبهم إلى هناك . استغرب الابن طلب الباشا مقابلة أبيه في هذه الساعة . تردد لحظات ، فيما كان أبوه في هذه اللحظات يصارع الموت . دخل إلى السقيفة ، وهو يلاحظ ازدياد عدد الحرس ، وقد دب الشك إلى عقله في أن شيئا ما غريبا يحدث . وبعد قليل عثر على عمامة أبيه ، التي سقطت أثناء سقوط الحبل على رقبته مركونة في ركن السقيفة . عندها شعر أن ساعته قد قربت . حاول الحرس شنقه وساعدته قوته في الدفاع عن نفسه ، إلا أنه قطع إربا بالسكين بواسطة عشرة من الحرس الانكشاريين ، وساح الدم حتى خرج إلى المدينة .

سوق الجمعة ، ليلة الميلود ، ديسمبر 1802

هذه الليلة هي ليلة المولد النبوي الشريف ، وها هم الصوفية بسوق الجمعة ، يجوبون الأزقة شبه عرايا ، يضربون الدفوف ويسقطون صرعى على الأرض ، والرغوة على أفواههم ، وهم من القادرية . وعلى الرغم من الأنباء القادمة من إسبانيا ، التي شكلت سحابة من الحزن والغضب في أروقة القصر ، والتي تفيد بأن القنصل الطرابلسي "سالم الأدغم" ، قد اعتنق المسيحية وقُلد وسام النبلاء من قبل الملك هنالك ، فإن عامة الناس لم تأبه بذلك . فبعد تناول البازين بالقديد ، خرج الأطفال يحملون الشمع في الليل ، ويغنون أغاني المليود . وقد تصادفت هذه المناسبة الدينية مع مناسبة خطوبة "مريومة" ، ذات العيون السوداء والشعر البني ، وهي تبلغ من العمر أربعة عشر عاما . تقدم الشاب "إدريس البل" عن طريق والده حسين لخطبتها بعد أن رآها وهو يرعى الإبل ، تجلب الماء من إحدى الجابيات . تظاهر لها آنذاك بحاجته لشربة ماء بعد أن اعترض طريقها . تسللت عيناه إلى عينيها السوداوين اللتين تنبعث منهما الحياة ، وهو يتجرع الماء من البرادة . وقد بدا واضحا له ما برز منها من كتفين عريضين وصدر ناهد ، كان في مقتبل النضوج . كان إدريس شابا في العشرين من عمره ، متوسط الطول ، لطيف الوجه ، مفتول العضلات ، تظهر عليه دلائل القوة البدنية العظيمة . ومع ذلك فقد كانت مسحة من مرض ، تتخلل قسمات وجهه . لا أحد يستطيع أن يتكهن ما حل به . أما عيناه الكبيرتان القاتمتان المتيقظتان ، فقد كانتا تدلان على العزم والذكاء معا .

وبعد تبادل التهانئ بالميلود وشرب الشاي وأكل ما لذ وطاب ، تقدم حسين البل رسميا لخطبة مريومة ابنة الحاج حسن الشاوس لابنه إدريس . وحصلت المفاجأة التي لم تكن في حسبان الشاب إدريس ، إذ جاء الرد شعرا من مريومة في اليوم التالي ، وهي تقول له :

لانيش صيدك ، ولانِك طيري
يداعيك مكتوبك ، وتلقى غيري

لانكش طير الجلوة
طير البراني ، مسكنه في العلوة
وحق النبي ، وزيارته ، والخلوة
كاعور زيك ، ما يذوق شعيري

استاء إدريس من رد مريومة المتعجرف ، إذ لم يكن يتوقع أن فقره وعوزه سيكون له مانعا من الزواج بها، حتى جاء اليوم الذي أصيبت فيه ابنة الباشا اللافاطمة بمرض مستعص ، عجز عن معالجته كل الأطباء والشيوخ والسحرة . وما إن سمع إدريس حتى سارع إلى القلعة ، عارضا مساعدته في تطبيب المريضة ، إذ كان على دراية بالمعالجة بالرقية الشرعية . أخذ على الفور إلى دور الحريم وهو بناية أصغر مع مربع في الوسط ، مبروش من الأعلى بكثير من قضبان الحديد كما النوافذ ، حتى يبدو للناظر للوهلة الأولى على أنه حبس . مع العلم أنه لا يُسمح لذكر الوصول إليها ، وهي مظلمة في الأعلى . بيد أن مرضها شكل استثناء هذه المرة . وبعد أن مكث معها ساعات طويلة ، سقى فيها المريضة بول الناقة البكر ، التي ترعى نبات الرمث ، أفاقت اللافاطمة وفتحت عينيها ونطقت بالكلام . فرح الحاضرون وشرعت النوبة تدق طبولها ابتهاجا بشفائها . كان الباشا قد انفض للتو من مشاركته احتفالات النصارى بطرابلس بأعياد الميلاد ، فيما صدر مرسوم بالمناسبة بإطلاق سراح الأسرى الفرنسيين . كافأه الباشا ، الذي انعقد لسانه من التعبير عن فرحته بأموال طائلة ، ورجع إدريس إلى بيته فرحا ، مجددا العزم على العودة إلى خطبة مريومة بعد أن انزاح عنه شبح الفقر وصار ثريا . وفي هذه المرة لم يتلعثم لسانها ، بل سارعت إلى تلبية طلبه ، لكنه ما لبث أن دخل عليها حتى طلقها بهذه الأبيات :

يحرم عليا فتاشك
ويحرم عليا مرقدك وفراشك
وهذا الجمل قلّي عليه قشاشك
وخوذي المسارب وين تبي سيري

إلى اللقاء ..


       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home