Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

السبت 2 ابريل 2011

أوركسترا القذافي

صلاح الحداد

" لديكم كل ما يعوزني . أنتم تزوّرن الأدوات الروحية لتجديد ألمانيا .
أجل ، فأنا لست سوى طبل ورئيس تشريفات في الأوركسترا . دعونا نتعاون إذن". أدولف هتلر ربيع 1922

من فيلسوف مأجور إلى فنان مغمور ، ومن قائد معتوه إلى ديكتاتور متوحش ، ومن كاتب مرتزق إلى مثقف متسلق ، يجول بنا الكاتب الاسترالي كلايف جيمس في صفحات كتابه الضخم الموسوم بـ Cultural Amnesia: Necessary Memories from History and the Arts ؛ أي فقدان الذاكرة الثقافية: ذكريات لازمة من التاريخ والفنون ، عبر مائة ونيف من المقالات ، يسبر بها سيرا ذاتية لمواقف عدد من الفنانين والمثقفين والكتاب والقادة السياسيين ؛ لينشط ذاكرة العالم ، لا سيما الغربيين ، بأدوار مثقفي السلطة في صناعة الدكتاتوريين في العالم ، والتي عادة ما تنتهي إلى خراب الأوطان ودمارها .

ولئن برع الطغاة في الاعتماد على فقدان ذاكرة شعوبهم بكل الأساليب الحقيرة ، حتى يستمروا في سدة الحكم مدة أطول ، فإن مثقفيهم أيضا يلعبون اليوم نفس الدور ، لذا لزم التحذير والتنبيه ، بالأخص عندما ادعى أحدهم بفجاجة منقطعة النظير ، حسبما جاء في تصريح للجزيرة أنه "كان من أوائل المعارضين للقذافي ، وأن أعماله الأدبية هي ليست ضد السلطة كمفهوم أخلاقي وحسب ، ولكن كمفهوم فلسفي ، وإذا كان ثمة من محرض على الثورة ، فهي أعمالي التي تصلح أن تتخذ إنجيلا للثورة" . بالطبع فقد نسي هذا الفهلوي الماضي في عجرفته وتكبره ، أنه لا كتاباته الأدبية ولا رؤاه الفلسفية التي كانت وراء إشعال فتيل الثورة في المنطقة بأسرها ، إنما بائع عربة خضار بسيط . وأضيف حقيقة أخرى ، وهي إنه إذا ما أحسّ الطغاة فعلا بخطر أفكارك وكتاباتك لقاموا بحرقك حيا ، لا أن يُقلدوك مناصب ويفتحوا لك خزائن .

هؤلاء الذين كانوا في أوركسترا القذافي ، يعزفون ألحان الخيمة التي انتصرت على القصر ، يطلون علينا اليوم بوجوههم هذه المرة دون أي حياء ؛ ليتحدثوا عن ثوريتهم المسبقة ومعارضتهم الشرسة للقذافي . إنها الأقلام التي روجت ومدحت وطبلت للاستبداد والجنون والقتل والدمار ، هي نفسها عادت تكتب ضد نفس المستبد ، لا لتأخذ حصتها من الكعكة فحسب ، بل لتتبوأ ذات المناصب التي كانوا يتقلدونها أو أكثر . نعم ، قد أجد مائة عذر لكاتب مقموع في داخل ليبيا ، وقد أجد الشيء نفسه لمن مضى في غيه متغافلا عن دوره المعنوي في تسيير دفة الاستبداد ، بغية مغانم دنيوية ، ثم استدرك الآن وتاب وتخلى واعتذر علانية ، لكنني لا أجد عذرا البتة لمثل هؤلاء الذين لم يعتذروا للشعب عن موافقهم المخزية ولو كانت معنوية ، إذ قد ترقى إلى درجة الإجرام المادي ؛ لا بل تراهم يلعبون على معزوفة الاستخفاف بذاكرة الشعوب ، مدعين بطولات زائفة لا وجود لها إلا في عقولهم المريضة .

نعم ، إنه زمن الثورة الشعبية على الظلم والاستبداد والقهر ، من أولئك المسحقوين الفقراء المحرومين المهضومين المظلومين ، وهو أيضا زمن المزايدات الرخيصة والبطولات الزائفة من أولاء الانتهازيين المنافقين الأفاقين المرتزقين ، سياسيين وكتابا ومثقفين وإعلاميين وشعراء . وقد رأيناها بأم أعيننا في تونس ومصر ، وقد بدوا في الظهور في ليبيا الآن . انظروا إلى أوردغان البطل الإسلاموي الشهم ، الذي طالما لعق أحذيته شداد الآفاق من الإخوان المسلمين .. انظروا إليه وهو يراوغ ويتاجر ويزايد بالدم الليبي . لقد استلم قبل مدة وجيزة جائزة القذافي لحقوق الإنسان ، وهي تبلغ مئات الألوف من الدولارات ، ولم نسمع منه أنه قد تبرع بثمن هذه الجائزة ، فضلا عن ردها ورميها على وجه القذافي اللعين ، في الوقت الذي سمعنا فيه عددا من المطربين الشهيرين المسيحيين الكفار من أمريكا وكندا ، يسارعون إلى التبرع بما حصلوا عليه من أموال بعرق جبينهم خلافا لأوردغان اللئيم ، من حفلات ماجنة أقامها أولاد القذافي في أصقاع المعمورة . لكن لا علينا إذا ما علمنا أنه حفيد الأتراك الذين سلموا ليبيا للطليان لقمة سائغة . ولتولوا وجوهكم الآن شطر حماس الانتفاضة في سوريا ، وهي تعيش تحت وابل صيحات الجماهير السورية الهادرة في شوارع دمشق ودرعا واللاذقية . هل سمعتم من كلمة حق ؟ . كلا ، فلم نسمع حتى زغرودة ولن نسمع ، فما يجري هو شأن داخلي ، وربما يزعزع جبهتنا مع إسرائيل . هكذا كالنعام يدسون رؤوسهم في الرمال . إنهم يطالبون العرب بمن فيهم الشعب السوري والليبي ، أن يقفوا معهم ضد احتلال الصهاينة لفلسطين ، وإذا ما انتفض السوريون ضد احتلال الأسد لسوريا فللبيت رب يحميه . هل رأيتم كم مرغت شماعة إسرائيل أنوفنا في التراب ؟ . والقائمة تطول من الغنوشي إلى الترابي ، فالنقد قد يسبب أزمة دبلوماسية ، لا قدر الله .

ونعود للسؤال الجوهري الذي علينا الإجابة عنه اليوم وغدا وبعد غد: من صنع معمر القذافي ، وذلك حتى نتفادى معمرا آخر في المستقبل . انظروا حولكم ، الووا أعناقكم إنهم هناك قربون منكم جدا ، إنهم يعزفون الآن على أوركسترا أخرى ، إنها أوركسترا الثورة ، لكن لا تنسوا أننا سنعمل على تأليف كتاب ضخم ، يضم كافة المأجورين والمرتزقة والمستلقين من كتاب ومثقفين وإعلاميين ومشايخ ؛ لننشط به ذاكرة الليبيين بأدوار فقهاء السلطة في صناعة الدكتاتور .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home