Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Saturday, 1 July, 2006

الزعـيم حين يتوّج(*)
"كولم توبين" ينال جائزة "إمباك" الايرلندية المهيبة

صلاح الحداد

للمرة الأولى في تاريخ جائزة "إمباك"، الذي يصل إلى أحد عشر عاما، يظفر كاتب ايرلنديّ هو كولم توبين (51 عاما) بهذه المكافأة الأدبية الايرلندية العالمية عن روايته "الزعيم"، التي تناول فيها قصة المؤلف الأميركي الشهير هنري جيمس (1843 - 1916). يأتي فوز توبين بالجائزة ، التي تعد من أرفع الجوائز الأدبية الدولية ، وتصل قيمتها إلى 100 ألف يورو؛ ليكرّس واقع كونه أحد أفضل الكتّاب الذين تناولوا سيرة جيمس ، راسماً بذلك صورة دقيقة بارعة عن حياته وعالمه المضطرب الدفين خلال فترة أربع سنوات (1895 - 1899) ، هام فيها الفتى الثري على وجهه في عواصم أوروبية مشهورة مثل لندن ، وباريس وروما.

اختارت "الزعيم " لجنة تحكيم دولية متمرسة ، أدهشت أعضاءَها مهارة الكاتب في تقمص دور شخصية جدلية اكتنفها الكثير من الغموض في علاقاتها الحميمية ؛ لا بل مقدرته البارعة في ترجمة هذه المشاعر الدفينة والأحاسيس الغائرة المتضاربة بشكل فني أدبي راقٍ ومحترف. إضافة إلى كون "الزعيم" رواية نثرية من الطراز الرفيع ، أتاح كولم توبين فيها فرصة ذهبية للقرّاء لسبر أغوار هذه الشخصية الملغزة ، وفهم ما يحيطها من أسرار ويلفّها من غموض ويعتريها من اضطراب . إنها بالفعل المكان الذي خيَّمت فيه كل مشاعر الحب والحزن والندم والفقد والخسران . وما يجدر ذكره أن المنافسة على الجائزة هذه السنة لم تكن سهلة البتة ، إذ لم تخلُ قائمة العناوين العشرة المرشّحة من أعمال أدبية تثير حقا "الفزع" ، كـ"خرائط للعشاق التائهين" لناديم اسلام ، و"الخراب في عامه الثالث" لرونان بينيت ، و"سنونو كابل" لياسمين خضرا. وقد دفع هذا التتويج توبين إلى البوح بفخره المدوي في أن يرى اسمه في قائمة هؤلاء العمالقة، الذين ظفروا بالجائزة على مدار سنواتها الفائتة ، من أمثال: إدوارد بي جونس عن "العالم المعلوم" (2005) ، والطاهر بن جلّون عن "تلك العتمة الباهرة" (2004) ، وأورهان باموق عن "اسمي أحمر" (2003) ، وسواهم .

غاص كولم تويبن إذن في عالم هنري جيمس الباطني ؛ ليطلعنا على المكنون من أفكاره وخياله ورغباته وشهواته وأحلامه ، بأسلوب أنيق جذّاب ، وكتابة نثرية بلوريّة . تبدأ رواية "الزعيم" مع التعثر الدراماتيكي لمسرحية جيمس على خشبة المسرح اللندني ، وهو الذي كان عاد لتوّه من الكتابة النثرية إلى العمل المسرحي ؛ من عالم العزلة والشرود والتيهان إلى عالم الإغواء والمرح والجمال وثمن تقفي الكمال . ورغم برد الشتاء في شهر كانون الثاني اللاذع، احتشد الجمهور اللندني يومذاك، يرومُ دفئا في صالات أوّل عرض مسرحيٍّ لمؤلف أميركي بعنوان "المعلم دومفيل". كان هنري جيمس يتفجر حماسة ويتفتق أملا في أن يحقق بعمله الدرامي هذا حضورا قويا ومكانة مرموقة بين نخبة تُعدّ من ألمع كتّاب القرن التاسع عشر، لكن سخرية الجمهور من رداءة العمل اكتسحت أرجاء المدينة الفيكتورية . في هذا الوقت العصيب على هنري جيمس ، كان الكاتب الايرلنديّ الشاب "اوسكار وايلد" يحبس بمسرحياته المدهشة الأنفاس ، ويخطف بطلعته البهية الأبصار، انتصارا يتلوه انتصار. وكانت الصدمة جراء ذلك كبيرة على جيمس ؛ فغمره شعورٌ بالضياع والفشل والغيرة والحسد ، ولم يحتج الأمر منه إلى كبير عناء ؛ ليأتي القرار سريعا بالاختفاء عن الأنظار والهرب من هذا الإخفاق المروّع إلى ايرلندا .

هذا الفشل المبكر ألقى بظلاله على بقية حوادث القصة، وقد ظهر في شكل إحباطات وخيانات وتخبطات، امتزجت في نوع من الترف والرفاهية المتعجرفة بالحياة التي عاشها جيمس. ومن خسارات الكاتب الفادحة خلال مسيرته هذه ، اثنتان من النسوة اللائي كنّ يأملن العيش معه ، إذ ماتت الأولى بمرض السل ، وانتحرت الثانية ملقيةً بنفسها من النافذة ، وذلك حينما استنكف عن تمضية شتاء آخر كئيب معها. واذ تتحرك الرواية في اتجاه علاقات جيمس الحميمية مع أخته وعمّه وكبير الخدم ، بما في ذلك علاقته الغرامية المثلية مع النحّات الصغير الوسيم ، نستطيع أن نرى مرة بعد أخرى التوتر القائم بين جاذبيته لهؤلاء الناس وقنوطه الفطري ، الذي هو في أمس الحاجة إلى كبحه والتخلص منه. ولعلّ الارتباك بين بطل شخصية توبين والحدث التاريخي ، ذهب بالعمل إلى ما يشبه الصراع أو المعركة المحتدمة بين حدّين، أي بين إصرار جيمس على ان الإدراك الواضح للحياة يوفر سعة وسعادة، والإصرار المضاد الرافض لمثل هذا التصور.

ولد كولم توبين عام 1955 في مقاطعة ويكسفورد جنوب شرق البلاد. درس في مدرسة الإخوة المسيحيين ببلدة اينسكورثي الصغيرة ، ومن ثم دخل كلية القديس بيتر. عام 1972، ذهب إلى دبلن؛ ليدرس في جامعتها التاريخ واللغة الإنكليزية. سافر عقب انتهائه إلى برشلونة ومكث هناك ثلاث سنوات . رجع إلى دبلن عام 1978 ، وبدأ عمله في كتابة رسالة الماجستير عن شاعر أميركي مرموق ، بيد أن أطروحته لم تر النور قط. مع بداية الثمانينيات، انخرط كولم في العمل الصحافي حتى صار محرّرا لعدد من الصحف الايرلندية. وفي عام 1985 ، طفق يتجول حول العالم ، فزار أميركا اللاتينية لينتهي به المطاف في الأرجنتين. انتقل في ما بعد إلى أفريقيا وحطّ رحاله في كل من السودان ومصر.

أصدر توبين أربع روايات قبل "الزعيم" ؛ أوّلها "الجنوب" التي اكتملت عام 1986، ونشرتها عام 1990 دار نشر إنكليزية. إنها رواية كلاسيكية تبحث في الفن وشؤونه ، وفي المنفى ومنازعه وتباريحه وأشواقه كما في الحب والحرية: في الخمسينيات تغادر الناظرة كاثرين ايرلندا متجهة صوب برشلونة في إسبانيا، عازمة على الإفلات من عائلتها ؛ كي تصير رسامة شهيرة . هناك التقت ميغال الذي شرعت في بناء علاقة غرامية معه ، لكنها لم تستطع تخطي ماضيها الأليم مع مايكل كريفس ؛ زميلها اللاجئ السياسي والمقيم أيضا في إسبانيا، والذي أجبرها على إعادة فحص كلّ علاقاتها بالحب والفن والوطن. في أيلول 1987، بدأ توبين العمل في كتابة روايته الثانية "الحقل المتوهج"، وفي التسعينيات نشر روايتيه "قصة الليل" و"المنارة العائمة"، إلى جانب عدد من الكتب الأخرى ، موضوعاتها ذات صلة بالسياسة والتاريخ، وهذه عناوين بعضها: "الدم السيئ"، "بيعة إلى برشلونة"، "رمز الصليب"، و"حبّ في الظلام". جدير بالذكر أخيرا ، أن "المنارة العائمة" رواية حول الصدامات الثقافية والمواجهات الشخصية ، ترتفع بالقارىء إلى مستوى من العمق والتبصر في طبيعة الحب والعائلة ، ودقة الوقائع وحقيقة الشخصيات الدرامية. رشحت هذه الرواية عام 1999 لجائزة "مان بوكر" الشهيرة ، كما رشحت لجائزة "إمباك" الأدبية الدولية عام 2001.

كولم توبين روائي ايرلندي مهمّ يستحق الجائزة التي نالها ، ويستحق ان نكتشفه خصوصا.
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "النهار" اللبنانية ، الأربعاء 28 يونيو 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home