Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Saturday, 1 March, 2006

   

غـربة (3)

قصة

جورج مور
(1852-1933)

ترجمة : صلاح الحداد

ـ 3 ـ
الأخيرة

رغبته في التفوق في الرقص على أقرانه ، كانت قد تسببت في إثارة حالة من الابتهاج في المنطقة . في فترة ماضية ، كان الرقص يتم في كل حانة ، حيث الأرضية الملائمة لذلك ، وإذا ما كان صاحب الكوخ خاوي الجيب لدفع أجرة برميل من الجعة ، فإن جيب جيمس برايدن الثخين ، يرسل له على الفور برميلا منها ؛ ذلك حتى يشفي غليل مارغريت من الرقص . أخبرته مارغريت أنهم كانوا ينتقلون من منطقة إلى أخرى ، حيث يكون الرقص مجازا من قبل القساوسة ، الأمر الذي دفع برايدن إلى التعجب . في صباح اليوم التالي ، دهش برايدن من اجتماعهم المتحمس في القداس . كانوا يضعون أيديهم فوق روؤسهم وهم يؤدون الصلاة . كان هذا المشهد جديدا وقديما على برايدن . لكنّ طاعة هؤلاء الناس لقساوستهم كان مفاجئا له . عندما كان شابا لم يكونوا بهذه الصورة من الطاعة العمياء ، أو ربما نسي مقدار طاعتهم . سمع ذات مرة وقد خالطه شعور من الغضب والدهشة لقسيس ، كان يوبخ أبناء الأبرشية وهو يتحدث إليهم واحدا واحدا ، عن الرقص بعد أن تناهى إلى سمعه شئ كهذا . والأسوأ من هذا ، فقد قال إنه قد شاهد بأم عينيه فتيانا وفتيات ، يتسكعون على الطرقات . قال أيضا إن صحفا تحتوي على قصص الحب والغرام ، كانت قد وجدت طريقها إلى بيوت الناس . وإن قصصا عن الحب كهذه القصص ، ليس فيها ما يهذب أو يشرف . لقد أصغى الناس وأذعنوا لرأي القسيس بسهولة دون عناء سؤال أو تفكير . كان خضوعم حقا مثيرا للشفقة ؛ كان خضوعا من قبل أناس بدائيين متشبثين بسلطة اللاهوت إلى حد الثمالة . لقد عقد برايدن مقارنة ما بين ضعف وعجز هؤلاء الناس حوله ، وما بين حداثة الحياة ونشاط الناس ، الذين تركهم خلفه في أمريكا . وفي أحد المساءات وبينما كانوا يرقصون ، قرع الباب عليهم وقد توقف المزمر عن التزمير ، فيما طفق الراقصون يهمسون . - شخص ما وشى بنا .. يا للهول ، إنه القسيس . قال أحدهم .

وسريعا ما احتشد القرويون المهلوعون حول موقد النار داخل الكوخ . لكنّ القسيس هددهم قائلا : إذا لم تفتحوا لي الباب بالتي هي أحسن ، فإنني سأقوم بخلعه . توجه برايدن نحو الباب قائلا إنه لن يسمح لأحد يقوم بتهديده ، قسيسا كان أو غير ذلك . بيد أن مارغريت أمسكت بذراعه ، محذرة له أنه إذا ما قال شيئا ضد القسيس ، فإنه سيقوم بفضحنا في الكنيسة ، الأمر الذي سيؤدي إلى نبذهم من قبل الجيران . كان مايك سكولي هو الرجل الذي هرع إلى فتح الباب للقسيس ، مبتدرا بالقول إنهم كانوا يرقصون بأرواحهم لطردها إلى الجحيم .
- لقد سمعتُ أنك تغشى هذه المراقص ... ترقص معاقرا الخمر . إنني لن أسـمح لمثل هذا العبث أن يكون في أبرشيتي . وإذا ما أردتَ هذا النوع من المجون ، فمن الأفضل لك العودة إلى أمريكا . قال القسيس .
- إذا ما كنتَ تعني هذا ، فإنني سأرحل غدا . بإمكان مارغريت أن تلحق بي .
- إذا لم يكن الرقص ، فإن السكر ما أعارضه . قال القسيس ملتفتا إلى برايدن .
- حسنا ، ليس من أحد في حالة سكر ، يا سيدي . قال برايدن .
- "لكن يبدو أنك ستبقى هنا ، تعاقر الخمر كل هذه الليلة" . كــان القســيس قد لوّح بعينيه تجاه الزاوية ، حيث تكوم النسوة . شعر برايدن أن عيني القسيس أخطر على النسوة من عيني العتال . إن الوقت يشير إلى ما بعد منتصف الليل . قال هذا بعد أن حملق في ساعته . لكن حسب ساعة برايدن ، فإن الوقت يشير إلى الحادية عشرة والنصف ليس إلا . وبينما كانا يتجادلان عن الوقت ، عرضت السيدة سكولي مظلة برايدن على القسيس . وبما أنه كان يريد أن يُري برايدن أنه لم يحمل تجاهه أية نية سيئة ، قِبَل القسيس استعارة المظلة وقد اعتبرها كضريبة زواج من برايدن ، لا مفر من دفعها .
- سأكون في أمس الحاجة للمظلة نهار الغد ، قال برايدن بعيد خروج القسيس من المنزل .
في صباح اليوم التالي ، كان قد خرج مع حميه لقضاء حاجة . كان حماه يعلمه كيف يشتري ويبيع المواشي عندما كان صغيرا . كان يقول له إن البلاد كانت تتحسن ، وأن الرجل ربما يصبح غنيا في أيرلندا إذا ما حصل على رأس مال . إن برايدن يملك رأس مال لا بأس به ، فيما كان لدى مارغريت خال ، يقطن في الجهة الأخرى من البحيرة ، قد يوصي لها بجميع ماله الذي يقدر بخمسين باوندا . ولم يصدف أن حصل في هذه القرية أن زوجين في مقتبل العمر ، شرعا في الحياة مع كثير من إمكانية النجاح ، كما هو الحال اليوم مع برايدن ومارغريت . لقد قيل إن أفضل وقت للزواج هو ما بعد عطلة عيد الميلاد . قال جيمس برايدن إنه لن يتمكن من جلب ماله من أمريكا قبل الربيع . كان هذا التأجيل يغيظه ، وقد كان متلهفا للزواج حتى يوم تسلمه رسالة من أمريكا من أحد رفاقه في العمل . كتب صديقه يسأل برايدن عن موعد العودة إلى أمريكا . لم تكن هذه الرسالة أكثر من رغبة عابرة لرؤية برايدن مجددا . وبينما أخذ برايدن يحملق في الرسالة ، طفق الكل يتساءل عما يمكن أن يكون في الرسالة . وفيما بدا الأمر مهما ، كان من الصعوبة تصديقه ، حينما قال لهم إنها رسالة من أحد أصدقائه في العمل ، يسأل عما إذا طرأ أي تحسن في صحته . حاول نسيان الرسالة ، متطلعا إلى الحقول البالية حوله ، وقد شقتها جدران من الحجارة الرخوة ، فيما غمره توق شديد .

رائحة الحي الفقير كانت قد عبرت الأطلنطي ، وها هي قد عثرت عليه في رأس بحري على الضفة الغربية من الجزيرة . في إحدى الليالي أفاق من حلم ، رأى فيه نفسه وهو يرمي بعض الزبائن الثملين في العتمة عبر أبواب مفتوحة . كان قد رأى صديقه مرتديا سترة قطنية وهو يلقي بالشراب من قدح إلى قدح ، وسط ضجيج من الأصوات والنبرات الغريبة . سمع أيضا رنين النقود كما وهي تلقى في الدرج . لقد انتابه شعور من السأم من العمل في الحانة . لكن كيف له أن يخبر مارغريت ، أنه لا يستطيع الزواج منها ، وقد عقدت هي الأماني على هذا الزواج ؟ . كيف له أن لا يخبرها أنه لا يريد الزواج منها ، وأنه يجب أن يرحل ؟ . أحس كما أنه مطارد . إن فكرة عدم البوح لمارغريت بعزوفه عن الزواج منها ، كانت تطارده يوما بعد يوم ، مثلما يطارد ابن عرس فريسته .

ومرة بعد مرة ، كان يريد الذهاب إليها بنية إخبارها أنه ليس واقعا في حبها ، وأن أحدهما لم يخلق للأخر ، وأنه خطأ جسيم . لكنّ مارغريت -وكما كانت قد خمنت على ما هو مقبل على قوله- ، ألقت بنفسها بين ذراعيها ، وأخذت تتوسل إليه أن يقول لها إنه يحبها ، وإنهما سيتزوجان . كان قد وافق على الزواج منها ، وأنهما قد يتزوجان ، لكنه لم يترك لها الكثير من الدقائق ، قبل أن ينتابه شعور من أنه لا يستطيع الزواج منها ، وأن عليه أن يرحل . كانت رائحة الحانة قد أسرته . هل حصل هذا كله من أجل قدر ما يجمع من ثروة هناك ، الأمر الذي جعله يتمنى العودة إلى أمريكا ؟ . كلا ، لم يكن المال هو القضية . لكن ، ماذا في الأمر ، يا ترى ؟ . لقد وقعت عيناه على بلد موحش ؛ على حقول صغيرة ، قسمتها جدران مهترئة . تذكر جهل الناس المثير للشفقة ، وتلكم الأشياء التي لا يستطيع تحملها . إنه الكاهن الذي كان يحرم عليهم الرقص واللهو . أجل لقد كان هو . وفيما وقف متأملا شريط التلال الممتد ، كانت الحانة قد بدت له . إصغاؤه إلى الساسة وإلى ما في السياسة من إثارة ، كان يغلي في دمه مرة أخرى . لذا فإنه يجب عليه مغادرة هذا المكان .. عليه العودة إلى الحانة . شاهد بستان الفاكهة الهزيل ، وقد غمره شعور بكره ذلكم الطريق الشحيح المؤدي إلى القرية ، وهاتيك التلال الصغيرة القابعة على القمة حيث بداية القرية . وكان أكثر ما كرهه هو ذلكم المنزل ، حيث كان سيقطن مع مارغريت فيما لو تزوجا . يمكنه أن يرى هذا من حيث هو واقف ؛ من على حافة البحيرة مع عشرين فدانا من المراعي ؛ من مالك الأرض ، الذي أقرضهما قطعة من أرضه .
وقعت عيناه على مارغريت ؛ فدعاها للمجئ إليه .
- لقد تلقيت للتو رسالة من أمريكا .
- حول المال ؟ ، سألت .
- أجل ، حول المال . لكن ينبغي علي السفر هناك .
وقف وهو ينظر إليها ، ملتمسا الكلمات أن تسعفه ، فيما خمنت هي من خلال ارتباكه ، أنه قد يقول لها إنه يجب عليه الذهاب إلى أمريكا قبل زواجهما .
- هل تعني ، يا جيمس ، أنه عليك الذهاب مرة واحدة فقط ؟ .
- نعم ، قال جيمس ، مرة واحدة ، لكنني سأعود في الوقت المناسب ؛ لعقد زواجنا في أغسطس ، وهذا يعني أن زواجنا سيتأخر عن موعده المحدد شهرا واحدا فقط .

سارا في الطريق قليلا يتحدثان ، وفي كل خطوة يخطوها معها ، كان جيمس يشعر أنها أقرب إلى حيه الفقير بأمريكا . وعندما اقتربا من المدخل ، قال برايدن:
- عليّ الإسراع ، أو أنني سأفوت القطار .
- لكنك ، قالت مارغريت ، لن تذهب الآن ... هل سترحل اليوم ؟ .
- أجل ، هذا الصباح .. إنها سبعة أميال فقط وأكون هناك ، لذا علي الإسراع ، وإلا فإنني سأفوت الرحلة . عندئذ سألته إذا ما سيعود إليها مجددا .
- أجل ، قال جيمس . إنني عائد بالتأكيد .
- وإذا ما كنت عائدا ، يا جيمس ، فلِمَ لا تدعني أسافر معك ؟ .
- إنك إذا لم تسرعي السرعة الكافية ، فإننا سنفقد القطار .
- لحظة واحدة من فضلك ، يا جيمس ، أرجوك لا تجعلني أتألم أكثر . بحق الإله ، أخبرني الحقيقة . أعرف أنك لن تعود . قل لي .. ملابسك ، أين سأرسلها ؟ .

أسرع جيمس الخطا ، منميا نفسه بالعودة . حاول التفكير حول حبه للوطن الذي غادره ؛ حول أفضلية العيش في الريف صحبة مارغريت دركن ، على أن يكون ساقيا في الحانة . لم يعتقد أنه كان يكذب على مارغريت حينما قال لها إنه سيعود . اقتراحها عليه بإرسال ملابسه ، لمس شغاف قلبه . وفي نهاية الطريق ، وقت مسائلا نفسه ، إذا ما كان من المفروض عليه العودة إليها . قد يفلت منه القطار إذا ما انتظر دقيقة واحدة ، لذا فقد أخذ يسرع . لكنه قد لا يفلح باللاحق بالرحلة ، إذا لم يلتقِ بسيارة تقله . وفي الوقت الذي عثر فيه على سيارة تقله ، شعر بالاطمئنان ، وقد بدا الريف يتوارى خلفه . أقله القطار إلى مرفأ مدينة كورك ، حيث كانت الباخرة بانتظاره . وبعد رحلة عبر الأطلنطي ، وجد نفسه في أمريكا . وفي اللحظة التي لامست قدماه فيها اليابسة ، شعر أنه قد أضحى الآن في وطنه وبين أهله ، الشعور الذي لم يجده في وطنه الأم . لقد أثار دهشته كيف أن رائحة الحانة ، كانت أكثر ألفة من رائحة الحقول في قريته النائية ، وكيف أن هدير الناس ، كان أكثر ترحيبا من صمت البحيرة القاتل . وما إن انتهى من صلاة الشكر لنجاحه في الوصول إلى أمريكا سالما ، حتى دخل في مفاوضات لشراء حانة خاصة به . تزوج فيما بعد بامرأة أنجبت له بنين وبنات ، فيما ازدهرت مبيعات الحانة ، وطفقت تجارته في العقارات تتنامى . كبر في السن ، وتوفيت زوجته ، وتقاعد من العمل . عندئذ هاجمه إحساس من بلغ منه الكبر عتيا ؛ إحساس من ليس أمامه سوى بضع سنوات قليلة أمامه يقضيها ؛ إحساس بأن كل ما كان ينوي فعله في الحياة قد فعله . وفي أحد المساءات ، تسللت الوحشة إلى روحه ، وعندما كان يتطلع إلى النور ، طفى شيء غامض ؛ حلم في اليقظة .. لقد أضاءت فيه عينا مارغريت الناعمتان الغسق . في هذه الأثناء عبر طيفها وطيف أولاده ذهنه ، فيما بدا له أن الذاكرة كانت الشيء الوحيد الذي احتفظ به ، وأن توقه لرؤية مارغريت مرة أخرى نما بقوة . لكنها عجوز متزوجة الآن ، وربما تكون قد ماتت . ومهما يكن من أمر ، فإن كل ما يتمناه الآن ، هو أن يوارى جسده التراب في مسقط رأسه ؛ في المكان الذي رأت فيه عيناه النور .

لكن ثمة شيء غير قابل للتغير . إنه صمت الحياة داخل كل رجل ، والذي لا أحد يعرفه سواه . وهذا الشيء الذي لم يتبدل ، كان تذكاره لمارغريت دركن . أما الحانة فقد باتت في طي النسيان . أما الأشياء التي حفرت في ذاكرته ، فقد كانت الهضاب الخضراء ، ووحل البحيرة والصخب حولها ، والبحيرة العظمى من على بعد ، وخلفها حيث يقبع خط التلال الأزرق .

إلى اللقاء ...


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home