Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Wednesday, 1 February, 2006

     

الطريق إلى الديمقراطية (3)

نجح الألمان والإسبان فهل سينجح الليبيون؟

دراسة تحليلية مقارنة (*)

صلاح الحداد

خلفية : بعد أن وضعت الحرب أوزارها: في 8 مايو 1945، وقَّع الجنرال "Wilhelm Keitel" في برلين الاستسلامَ غير المشروط للجيش النازي ، طاويا بذلك صحفة الحرب العالمية الثانية في ألمانيا (Berghahn, 1982) . كانت الصدمة - بلا شك – عنيفة وشديدة الوقع على الألمان ، الذين تحتم عليهم أن يواجهوا وضعا مأسويا ، لم يحصل في التاريخ الألماني من قبل . لقد باتت كل المناطق الألمانية محتلة من قبل القوات الأجنبية . كل المدن والبنى التحتية تقريبا ، قد سويت بالأرض ؛ لتغوص البلاد في وحل من اللاجئين القادمين من الشرق ، وقد أطلّ شبح المجاعة برأسه على الأمة الألمانية . وأيا كان الأمر ، فإن القوى الأربعة المنتصرة في الحرب ؛ وهي : (الولايات المتحدة الأمريكية ، الاتحاد السوفيتي ، بريطانيا ، فرنسا) ، كانت قد تقاسمت الكعكة الألمانية فيما بينها . مع بداية 1947 ، حدث تطور نوعي ، اتحدت فيه المنطقتان الخاضعتان للحكومتين الأمريكية والبريطانية ؛ لتشكلا تكتلا اقتصاديا واحدا ، عُرف بـ Bi-Zone . سيكون لهذا التكتل كبير الأثر في عملية الدمقرطة لاحقا . وعلى الرغم من البداية الصعبة ، استطاع هذا الاتحاد أن يثبت فاعليته عندما طفق 40 مليون من سكانه ، يجنون ثمرات تحسن الوضع الاقتصادي (Bark & Gress, 1993 and Berghahn, 1982) . في منتصف 1947 ، أعلن عن "خطة مارشال" ، التي كانت تهدف بالأساس إلى تحفيز اقتصاديات القارة الأوروبية ، وذلك من خلال ضخ رؤوس أموال ضخمة في السوق الأوروبية ؛ بغية العمل على إعادة الإعمار ، ومن ثم الرفع من مستوى التبادل التجاري بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ، (Ardagh, 1987 ) . وكنتيجة لهذا الإجراء ، فإن المناطق الغربية من ألمانيا كانت الوحيدة ، التي ستستفيد من خطة مارشال ؛ لتضع فيما بعد أساس دولة ألمانيا الغربية ، ومن ثم تحقيق المعجزة الاقتصادية في الخمسينيات من القرن الماضي (Bark & Gress, 1993) . ثم ماذا بعد .. للقضاء على السوق السوداء ، وبخاصة تلكم الرائجة في المدن الكبرى ، وللمساعدة كذلك في إنعاش الاقتصاد ، أسس البنك المركزي وشُرع في صك عُملة جديدة في 19 يونيو 1948 . ومع انفراط عام 1948 ، ظهر للوجود مجلسان بلديان في برلين ، كإشارة لبداية التصدع في الوطن الواحد (Larres & Panayi, 1996) . وفي غمار هذه الأحداث المتلاحقة ، بدأت طبول الحرب الباردة تدق . ولم يمضِ وقت طويل حتى اندلعت الحرب الأيديولوجية بين القوتين العظميين ؛ الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي . وكنتيجة لذلك ، أسدل ما يُسمى بـ"الستار الحديدي" في بداية 1949 بين الألمانيتين . وبانتصاف هذا العام ، وتحديدا في 23 مايو 1949 ، أعلن عن ميلاد دولة جديدة ، تحت اسم "الجمهورية الفدرالية الألمانية" ، المعروفة اختصار بـFRG ـ(Larres & Panayi, 1996).

وبعد هذا الاستعراض السريع ، يمكن الإشارة إلى Bonime-Blanc ، الذي مضى مُلخِّصا الوضع بقوله : "(1) إن الهزيمة العسكرية للجيش النازي على يد قوات التحالف ، كانت عملية قيصرية ضرورية ، انتشلت ألمانيا من كارثة محققة (2) أتاحت الهزيمة النكراء ظروفا واقعية ؛ للتحول إلى الديمقراطية (3) خضعت هذه العملية برمتها بما فيها عملية إقرار الدستور ، المعروف بـ"Basic Law" ، للإشراف المباشر من قبل قوات التحالف ، كما وضع القادة السياسيون تحت الرقابة المجهرية (4) أخيرا ، برهنت عملية الدمقرطة وما صاحبها من دسترة في ألمانيا الغربية ، على أنها من أنجح التجارب الديمقراطية في القرن العشرين"(1) . مرة أخرى ، فإني أود هنا الشروعَ في تسليط الضوء على كيفية عمل العوامل الرئيسة في المساعدة على إعادة إعمار البلاد ، ومن ثم تأسيس ما يُعرف بـ(الجمهورية الفدرالية الألمانية) . في هذا القسم سنكشف النقاب عن بعض الاتجاهات الاقتصادية والسياسية الجوهرية ، التي من دونها ما كان للدمقرطة في ألمانيا الغربية ، أن تتحقق فضلا عن أن تتوج بكل هذا النجاح الباهر .

عوامل تحت زنازير دبابات الاحتلال (الطريق إلى الديمقراطية) : ليس هنالك من ريب على أن سقوط البلاد في الحرب العالمية الثانية ، كان نقطة الانطلاق الجوهرية نحو الديمقراطية في ألمانيا الغربية . وقد ساعد - لحسن الحظ - في إعادة الإعمار أن البنى الصناعية في البلاد ، لم تدمر تدميرا كليا ، على خلاف ما يعتقده كثير من الناس من أن إعادة الإعمار والبناء ، تقتضي البدء من نقطة الصفر (John Ardagh, 1987: 105) . بيد أن المُلفت للانتباه حقا أنه حتى 1947 ، لم تكن هنالك من خطوات جدية لإخراج البلاد من مأزقها ، إلى أن جاء العام الذي تم فيه فعليا دمج المنطقتين الخاضعتين للسيطرة الأمريكية والبريطانية اقتصاديا (Bark & Gress, 1993) . ومهما يكن من أمر ، فإن جملة من القرارات ، كانت قد رسمت مصير ألمانيا الغربية ، والتي يأتي في مقدمتها انصهار المناطق الغربية الثلاثة ما بين عامي 1947-48 في بوتقة واحدة ؛ لتؤذن بقيام FRG ، أو الجمهورية الفدرالية الألمانية ، مستهلة باستصدار العُملة الجديدة في يونيو 1948 ، وهو ما من شأنه أن أفسح الطريق لإنشاء السوق الاقتصادية الحرة ، منتهية بخطة مارشال الاقتصادية الشهيرة (Berghahn, 1982) . فمن المعلوم أنه في 5 يونيو 1947 ، دعا وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية إلى مشروع اقتصادي طموح ، ينتهي يإعادة إعمار أوروبا. وغني عن القول هنا إنه بعيد طرح الخطة ، ونتيجة للتطورات الناجمة عن السياسة الاقتصادية الجديدة ، التي اعتمدت من قبل قوات الاحتلال في المناطق الغربية ، وتطورات سياسية واقتصادية أخرى على الجانب الشرقي من البلاد ، كانت قد أدت جميعها إلى انقسام ألمانيا إلى شطرين (Mary Fulbrook, 2000) . وبالطبع ، فقد كانت الطفرة الاقتصادية في الشطر الغربي من البلاد فرصة ذهبية لم يكن للساسة الألمان الأفذاذ تفويتها بسهولة ، كما لم يفوتوا لاحقا فرصة تأسيس المجموعة الأوروبية الاقتصادية ، التي أعطت الألمان زخما قويا ، لا سيما فيما يتعلق بصادرات البلاد الاقتصادية (John Ardagh, 1987) .

وبناء على ما مضى ، فإنه من الواضح أن أحد أهم العوامل ، التي ساهمت في عملية الدمقرطة في الشطر الغربي من القطر ، كان هو العامل الاقتصادي ، الذي خبرته البلاد تحت سنابك الاحتلال . كان الاقتصاد المفتاح الرئيس ، أو لنقل الحلبة الحقيقية ، التي دارت على أجراسها المدوية عملية الدمقرطة . وبطريق أو بآخر ، فإن "النمو في المناطق الغربية ، سار في خطوط متوازية بين النمط الاقتصادي الذي اعتمد ، وبين ما يمكن اعتباره بالنظام السياسي الملائم"(2) . وأيا كان الأمر ، فإن العامل الثاني ، الذي أنوي النظر فيه هو عامل الأفراد في عملية الدمقرطة . ولكي نتمكن من استيعاب الخصائص الأساسية لهذه العملية ، والعوامل التي تكمن وراءها ، علينا أن نلقيَ نظرة فاحصة على سياق الأحداث ، التي سبقت قيام الجمهورية ، والتي أعقبتها .

القانون الأساسي ونتائجه (الجمهورية الفدرالية الألمانية) : في الوقت ، الذي كان النمو الاقتصادي في ألمانيا ، يقود بخطى متسارعة البلادَ في جزئها الغربي، إلى عالم الديمقراطية الجديد، كان لفيفٌ من القادة السياسيين (معظمهم أعضاء في المجلس البرلماني)، على درجة كافية من الوعي بالعيوب الدستورية، التي أطاحت بجمهورية فايمار (Weimarer Republik) . لذلك عكفوا مباشرة على إعداد قاعدة دستورية متينة، ومن ثم المصادقة عليها بحيث يكون من الصعب إن لم يكن من المستحيل على أيٍّ كان، النيلَ منها، أو التحايل على الإجراءات الديمقراطية ، كما سبق أن حصل في الماضي القريب على يد الدكتاتور هتلر (Larres & Panayi, 1996 and Ardagh, 1987) .وبالفعل ، فقد استطاعوا أخيرا تحقيق إنجازين دستوريين عظيمين هما :"(1) ضمان الديمقراطية كخيار استراتيجي وحيد للبلاد، يخرج البلاد من أزمتها (2) تحديد صلاحيات الرئاسة والحكم، التي من شأنها العمل على تقليص إمكانية التفرد بالقرار السياسي"(3). كل هذه الجهود الدستورية، جعلت الاتحاد الديمقراطي المسيحي(CDU) ، جنبا إلى جنب مع شقيقه الاتحاد الاشتراكي المسيحي (CSU) ، وتحت قيادة المستشار الأول المعروف "Konrad Adenauer" ، صحبة زملائه، يقودون الائتلاف الحكومي في ألمانيا الغربية ، وفق تناغم وطني ديمقراطي ، لمدة عقدين من الزمن ، حتى أواخر 1969 (Fulbrook, 2000 & Berghahn, 1982) . ومهما يكن من أمر ، فإن النجاح الذي تحقق في تبني ألمانيا الغربية النظام الديمقراطي ، عزَّز في نهاية المطاف من قوة الاقتصاد ؛ حتى تصدّرت البلادُ في عقد الستينيات المراتب العالمية الأولى . أما في التسعينيات فقد أضحى الاقتصاد الألماني اللاعب الرئيس في أوروبا برمتها . ولتلخيص ما سبق عرضه ، فإن نجاح الفدرالية الألمانية FRG ، ما كان له أن يتم لولا التأثر القوي بهذه العوامل الثلاثة :"(1) المعطيات والظروف الدولية ، التي أنتجت الاندماج بالنظام الديمقراطي الغربي (2) حاجة التحالف لمواجهة التهديد السوفيتي ، أدت إلى إغداق المساعدات على ألمانيا الغربية ، لِما باتت تشكله من خط الدفاع الأمامي ضد المد الشيوعي (3) الحماية الأمريكية ، التي وفرت فرصة نجاح السوق الاقتصادية الحرة" . أخيرا وليس آخرا ، فإنه يمكنني أن أضيف عاملا مهما آخر ، كان بمنزلة الجسر ، الذي ساعد في إنجاز هذه الأهداف التحولية الكبرى . إنهم بلا شك الأفراد (القادة السياسيون) وما قاموا به من دور شاق وصعب بكل المقاييس ، وقد أعطى زخما كبيرا ، ودفعة حقيقية ؛ لإنجاح التجربة الديمقراطية الوليدة .

إلى اللقاء..
haddadsalah@yahoo.com

ملحوظة : لا يجوز إعادة نشر هذه الدراسة إلا بإذن من الكاتب ، وإلا ستعد قرصنة.
__________________________________________________

(*) هذه الدراسة مترجمة عن الأصل الإنجليزي مع بعض الإضافة الجديدة المتضمنة تعليقات تخص الوضع الليبي، وهي بعنوان :
"Beyond the Successful Transition to Democracy: Spain & Germany, by Salah Haddad, Jan 2006"
1. Andrea Bonime-Blanc, Spain's transition to democracy: the politics of constitution-making (Westview Press, 1987, U.S.) pp 114-121.
2. V. R. Berghahn, Modern Germany: society, economy and politics in the twentieth century (Cambridge University Press, 1982) p 197.
3. Andrea Bonime-Blanc, Spain's transition to democracy: the politics of constitution-making (Westview Press, 1987, U.S.) p 130.


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home