Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

الثلاثاء 1 فبراير 2011

الشعب يريد إسقاط الرئيس

صلاح الحداد

في الفيلم الفرنسي La Haine (الكراهية ، 1995) ، الذي دارت أحداثه في ضواحي باريس ، يحكي الراوي قصة الرجل الذي سقط من ناطحة سحاب : "في طريقه إلى الهاوية وهو يمر بجسده على كل طابق ، ظل يطمئن نفسه قائلا : حتى الآن جيد جدا ، حتى الآن جيد جدا ، حتى الآن على ما يرام . كيف تسقط ، لا يهم ، لكن المهم في كيفية الهبوط على الأرض" .

أجل ، واصل مخاطبا نفسك سيد مبارك ، واصلي مخاطبة نفسك سيدة كلينتون ، واصل مخاطبة نفسك سيد كاميرون ؛ سيد ساركوزي ؛ سيد أوباما : حتى الآن فالأمور جيدة جدا . أجل ، واصل مخاطبة نفسك ، يا سيادة العقيد ، بأن السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب ، حتى يُخلع عليك وعليهم قريبا لقب الرئيس المخلوع .

لا شك أن "وينستون سميث" ، كان يعرف جيدا بأن ثمة شيء خاطئ بالعالم حوله . يعلم يقينا بأن وقتا قد مرّ عليه من قبل لم يكن فيه الطعام بهذا المذاق السيئ ، ولم تكن الملابس دائما خشنة ، ولم تكن الحياة كئيبة مملة ، ولم يكن ثمة هذا الخوف المسيطر عليه من الشعب ، والشك الدائم من كل شخص وأي شخص . لكن كيف عرف "سميث" بأن ثمة اختلافا عما كان عليه في الماضي ، وهو لا يتذكر شيئا عنه ؟ .

هذه هي الأسئلة التي شغلت عقل "وينستون" ، وتشغل الآن عقل الحكومات الغربية والعربية على حد سواء بشكل دائم ومزعج . إنهم يعرفون أنهم مختلفون بشكل أو بآخر عن الجميع ؛ يعرفون أنهم يغردون خارج السرب ؛ يعرفون أن مصالحهم الاستراتيجية الحقيقية مع الشعوب ؛ يعرفون أن الديمقراطية ذات معايير عالمية ، لا تختص بشعب دون آخر أو ثقافة دون أخرى ، لكنهم لا يعرفون لماذا يختمرهم هذا الشعور ، ولا يعرفون كيف سيصلون للإجابة عن هذا النداء المزلزل (ارحل) ، ولا عن كل النداءات الأخرى (الشعب يريد إسقاط الرئيس) .

إن العالم الذي يعرفه "وينستون" ، ملئ بالكره والذعر والخوف والشك ؛ عالما أشد ما يحتاج إلى الجمال والحرية ، وإلى إجبابات شافية ، الأمر الذي دفعه إلى أن يتساءل عن الماضي : كيف كان ؟ وهل الحقائق التي يخرج بها الشعب من حين لآخر هي الحقيقة فعلا ، أم أنها مجرد أكاذيب ؟ . وهكذا يتم إعادة كتابة التاريخ/الماضي بشكل مستمر عن طريق الرئيس ، بل إن وظيفة "وينستون" ، هي أن يساعد في حبك تغيير الحقائق لتبدو أكثر واقعية ، ولتناسب متطلبات الوقت الحاضر بحسب رؤية الحزب والأخ الأكبر . إنه يحب وظيفته ويكرها في نفس الوقت ، لكنه لا يستطيع عمل شيئا مقابل هذا التناقض الذي يعيش فيه .

إن التفكير المزدوج الذي ظهر في رواية 1984 ، هو مفهوم لا يتجزأ من رواية جروج أورويل ، حينما نعلم أن كلمة مزدوج هي جزء من لغة التضليل : أن تعرف ولا تعرف ، أن تكون صادقا صدقا كاملا ، وتكون كاذبا بعناية في وقت واحد ... رأي يلغي الرأي الآخر ، منطق ضد منطق ، أخلاق ضد أخلاق ، وعي ولا وعي ، قوة تحتجر اثنين من المعتقدات المتناقضة في عقل واحد ، وقبول كل منهما . يكذب متعمدا في حين يعتقد بأنه على حق ، إنكار وجود الواقع الموضوعي بينما يأخذ في الاعتبار الواقع الافتراضي .

في ساعة متأخرة من مساء الجمعة ، وجه حسني مبارك خطابا للأمة ، زعم فيه أنه دائما يقف إلى جانب الفقراء ، في حين كان الفقراء المتجمهرون في ميدان التحرير يهتفون عاليا بحناجرهم "الشعب يريد إسقاط الرئيس" . إنه تماما مثل السيدة كلينتون ، يريد منا أن نصدق كلامه على واقع نراه ساطعا أمامنا بأم أعيننا . إن مبارك والقذافي وكل الحكام العرب يخدعون أنفسهم ، كما تخدع السيدة كلينتون نفسها إذا ما اعتقدوا أننا سنُخدع بسهولة بعد اليوم .

إذا كان ثمة شيء واحد برهنت عليه انتفاضتا تونس ومصر ، فهو أنه مهما أحنى الطاغوت ظهره للعاصفة ، فإن قوى الشر لن تتردد في التخلي عنه عند أول وهلة من ظهور الشرر . لقد أيدت فرنسا زين العابدين بن علي لأكثر من عقدين ، ولكن عندما سقط في وقت سابق من الشهر الماضي ، رفضت السماح له بالدخول إلى البلاد في محاولة أخيرة لحفظ ماء الوجه . أما مبارك فقد ظل مدعوما من الحكومة الأمريكية منذ عام وصوله إلى السلطة ، ولكن عندما شارف حكمه على حافة الانهيار ، طلت السيدة هيلاري كلينتون على الشاشة ؛ لكي تخبرنا أن "الإصلاح هو في غاية الأهمية لرفاهية مصر والمصريين" . أحقا من نسمعه من السيدة كلينتون ، التي تحولت بين عشية وضحاها إلى منافحة شرسة عن رفاهية الشعب المصري ؟ . فتش عن المستر "وينستون"

وإن كان ثمة شيء آخر أيضا ، فهو أن الذي أشعل شرارة أول ثورة شعبية في المنطقة بأسرها على الظلم والاستعباد ، هو سائق عربة خضار ، وليس فولتير ، وحتما ليس حسن البنا . أليست هذه مفاجأة كبرى تدعونا لإلقاء الأقلام ، ووضع إكليل من الزهور على ضريح بائع الخضار ؟ . والشعب يريد إسقاط الرئيس .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home