Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ehmoda Khalifa
الكاتب الليبي د. احمودة خليفة


د. احمودة خليفة

الإثنين 26 يونيو 2010

أبوزيد.. ونظارته السوداء

د. احمودة خليفة

لازلنا في شك إن كان أبوزيد الهلالي بطل زمانه و فارس أيامه صاحب رسالة، أم كان غازيا عاث في البلاد دمارا هو وقبيلته. قاد الحروب و أخترق الحصون من أجل الكِلاء و الماء. صارع أبوزيد الهوام "ذوات السبعة رؤوس" في عمق الآبار و عرض الأنهار من أجل قبيلته. أرتبط أسمه بالبطولات الخيالية و روت الأجيال من بعده الأساطير الشعبية، و قيلت الأشعار و توارث التاريخ قصص الهلاليين و أشهر فوارسهم أبوزيد. لكن قولا مأثورا واحدا معروف على كل لسان شكك في أسطورته و أثبت على الدوام أن أبوزيد كان قبليا متعصبا غازيا و لم يكن فاتحا يحمل رايات العدالة.

من تجارب الواقع صوّر لي الخيال بأن "جهاز الأمر الخارجي" صار يُشبه الى حد كبير قبيلة أبوزيد، أقصد أبوزيد الهلالي. لكن الصورة تغيّرت فأصبح ذلك الفارس الهُمام و البطل المقدام لا يحمل سيفا و رمحا مضُحيا من أجل القبيلة، بل يحمل كلاشنكوف أوتوماتيكي سريع الطلقات و على وجهه نظارة سوداء مُعتمة لا تسقط على الأرض. أصبح أيضا له مُخبرون يجوبون العالم ويسترقّون الأخبار و السمع، فمنهم من يمشي على الأرض و منهم من يطير في السماء. و أصبح يتبع سياسة الشك في كل شئ، و أستراتيجيات "خذ و لا تعطي، و تقنية فن المُمكن".

لو تقدّم مواطن الى "جهاز الأمر الخارجي" بطلب تظلّم مثلا لينعم بالعدالة و المناعة والعِزة في ظِل فارس قبيلته أبوزيد سيكتشف الحقيقة المُدهشة.. أن أبوزيد أصبح شئ آخر تماما و أن المواطن "سيرى الجواب قبل أن يسمع به"، فهذا الجهاز عالم من دواميس السرّية و بحر مجهول تجوبه أسماك القرش و سوق من أسواق الظلام، و المواطن لا معنى له في القاموس إلا بضاعة في كيس بين البائع و المشتري أو سمكة سردين بين الشباك المسدولة.

كنوع من أساليب التكتيك نادى المنادي بين مضارب قبيلة بني هلال الجديدة على أن لاتكون بينهم مظلمة و لا مكربة و لا مغبون و لا محروم، و أن ذلك الجهاز المدجج بالكلاشنكوف هو في خدمة كل أفراد القبيلة و السهر على راحتهم و التضحية من أجلهم لينعموا بالعِز و كل الفخر. صدّق أحد أبناء القبيلة ذلك النداء و تقدم بطلب الى أبوزيد متظلّما يدافع عن حقه الضائع و يبين مظلمته التي لا يُمكن تجاوزها. أنكب ذلك المواطن أسابيع على كتابة مذكرته الطويلة يختار كلماتها و يشكّل معانيها و يعدد حُججها و يُثبتها بالدليل و البرهان لعلّه يصل الى قلب أبوزيد ليحرك فيه روح الشهامة و نزعة الكرامة. دفع ذلك المواطن بطلبه و كله يقين بأن كلماته لن تسقط على الأرض و مظلمته ستُرفع و سيحافظ على ما تبقى من كرامته. كان ذلك الطلب يحمل مكانته و مصيره و أعتباره الضائع، و كان يخشى عليه من أي إسقاط عارض يحل به قبل عرضه أمام فارس القبيلة الذي لا شك في حِرصه على العدالة.

أختفى الطلب بمجرد وصوله الى مجال حاشية أبوزيد، فلا يعلم أحد أين صار مصيره و لا أين حطت به الأقدار. مضى وقت على المواطن يبحث عن ما آل أليه أمله و طلبه و لم ييأس من ثقته في حامي حمى العشيرة. لكن أبوزيد الجديد تغيّر ..

تغير أبوزيد و أصبح هو نفسه "هامّه لها سبعة رؤوس" .. أصبح له جبروت يستمد أستراجيته من سوق المخابرات العالمية و أصبح له مستشارين درسوا علوم النفس و درسوا علوم السيطرة و حرب المعلومات و خِططها الدفاعية منها و الهجومية. لا يعرف ذلك المواطن أنه حتى الخِطاب عندهم أصبح كذلك بطلاسم الكود، فلا البلاغة و لا الشِعر و لا قوة البيان و فصاحة اللسان تثمر أو تجدي نفعا. ربما تغيّر أبوزيد الجديد و أنحرف بسبب سطوته و كنوزه، أو بسبب دوامات الخراب المالي في عرض البلاد و تهافت الشحّاتين على أبوابه، أو أنحرف أبوزيد بسبب دوامات العولمة و هلوسات مكافحة الإرهاب، و أصبح يتخيّل بأنه في حرب عالمية مع الخلايا اليقظة و الوهمية النائمة. و حتى جهازه أصبح مُعقّد في التعامل و يخطط لعمليات الإستدراج و الإختراق و التقويض و التدمير الفوري و لايهمه التضحية بالبعض أو حتى الكثير من أجل إحكام السيطرة و الردع الحاسم.

هذا هو الحال اليوم عند أبوزيد الجديد و قبيلته.. أيقن ذلك المواطن المتظلّم بخيبة أمله، و رأى أنه يعيش في صحراء لا كِلاء فيها ولا ماء، و قبيلة أولاد هلال أصبحوا تجّار في أسواق الكساد، يُبخِسون موازينهم و الغِش هو عُملتهم. الشئ الوحيد الباقي في سيرة أبوزيد من زمن الأسطورة الى هذا اليوم هو فقط ذلك القول المأثور الذي جرى على كل لسان :

" لوكان بوزيد عمّار عمّر سواني بلاده".

tininai1@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home