Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ehmoda Khalifa
الكاتب الليبي د. احمودة خليفة


د. احمودة خليفة

الثلاثاء 22 يونيو 2010

جولة قلم بين الدستور والصنم

د. احمودة خليفة

الدُستور كلمة أصلها من الفارسية (دَستور) و المركّبة من (دست) بمعنى القاعدة و (وَر) أي صاحب، أي صاحب القاعدة وهو الشعب. و الدستور هو التشريع الذي من خلاله تستوحى الأنظمة والقوانين التي تسير عليه الدولة وهو المرجع بالبلاد الذي يحدد نظام الحُكم في الدولة وأختصاصات سلطاتها وتلتزم بة كل القوانين الأدنى مرتبة في الهرم التشريعي. و بلغة أخرى تكون القوانين واللوائح غير شرعية إذا خالفت قاعدة واردة في الوثيقة الدستورية. أما الدكتاتور فهي كلمة أصلها من الاتينية، و الفعل (dictate) معناه يُملي، والمصدر (dictation) أي إملاء. و الإستخدام المعاصر للكلمة يشير إلى الديكتاتورية وهي شكل من الحكم المطلق لفرد واحد يُملي تعليماته و أوامره دون التقيد بأي عامل قانوني أو عُرفي داخل الدولة التي يحكمها.

ثم كلمة صنم و هي عربية الأصل، و العرب كانت لهم أصنام يعتقدون إنها تقرّبهم الى الله زُلفى و كانوا يذبحون لها القرابين لعلها تستجيب و تساعدهم في غُفران كبائر الآثام التي كانوا يأتونها من استرقاق و قتل و قطع للطرقات.

الدستور و الدكتاتور و التصنيم هي أنماط من النظم للمجتمعات و تتفاوت بين التحضّر و التخلف. في هذا الوقت الذي وصل فيه العالم الى مراحل متطورة في صياغة النظم و الدساتير نلاحظ أنه في العالم العربي لا يوجد حماس شعبي كبير للحديث عن الدستور، فلا يوجد ذِكر لها كثيرا في الإعلام و لا يوجد عيد للدستور و لا نرى مُحاكمات ضد إنتهاكات التشريعات الدستورية.

الأسباب مختلفة، فأما أن يكون الحاكم نفسه هو الدستور و الدستور مستتر في ذاته، أو الدستور مُعطّل عن العمل بحكم قوانين الطوارئ و هذه أشكال متفاوته بين الدستورية و الدكتاتورية. غير أنه في أسوء الأحوال أن يكون الشعب في قبضة دكتاتور مُطلق و رهين لحضته في أمره و شريعته في عالم الغيب و لا يعتبر لأي وازع قانوني أو عرفي، و ما على الشعب إلا الطاعة و الخضوع و التوسل أليه. فإذا لاحظ المرأ أن الشعب يذكر أسمه كثيرا في عوارض الحديث و لا تغيب صورته عن وجه المواطن و بذِكره تبدأ الأعمال و تنتهي فأعلم أنه الصنم.

مسألة أنماط الحكم و ألتزاماتها الدستورية لها أمثلة واقعية. و بحيث نبين نماذج من الواقع فلنضرب المثل بدولتين في الشرق الأوسط، كلاهما لها دستور واضح المعالم، و القصد هنا هو التوضيح و العِبرة و ليس الذم أو المدح. الدولتان هما السعودية الإسلامية و إسرائيل اليهودية. السعودية دولة عمرها حوالي أكثر من ستين سنة و من أسمها تعرف دستورها فأسم الدولة أتى من أسم "سعود" أب الأسرة الملكية و الدستور و الشعب في يد الملك الحاكم و مرسوم الملك نافذ. و هذه الدولة مستقرة بإستقرار الملك و الحُكم فيها وراثي لسُلالة آل سعود، و كل أحفاده أمراء لهم الشرعية في شغل المناصب الرفيعة في مملكتهم و شعب الدولة ليس له الحق في تغيير الملك أو حتى الأمراء ما دون الملك و توجد دوائر شعبية لرفع الأراء و الشكاوي و على الشعب إنتظار الردود و قبولها. و من الظواهر المُلفته للنظر فأحيانا نرى تنفيذ أحكام الإعدام القضائية بحد السيف أمام العامة، و أحيانا يتم التنفيذ بعد الصلاة أمام أحد مساجد المدينة، و شبح الدم المسفوح على صفحة السيف اللامع تحت أشعة الشمس صورة تعكس بعمق لُغة الحُكم.

ثم دولة إسرائيل على أرض فلسطين و عمرها كذلك أكثر من ستين سنة و من أسمها يُعرف بأنها مبنية على أساس الدين اليهودي بالرغم من أنها على أرض تجمع أيضا شعب مسلم و شعب مسيحي. فالشعب الإسرائيلي هو المؤسس للدولة وهو أول واضع للدستور. و رأس الحُكم و الدستور في يد ذلك الشعب و قرار البرلمان الإسرائيلي نافذ و من حقه سحب الثقة من الحكومة و بالتالي تغييرها و حتى تقديم رأس الحكم للمُحاسبة إذا ثبت أنه أستغل سُلطاته.

بعد هذين المثالين نرجع الى الجماهيرية الليبية فنلمس "ملامح دستور" كذلك من أسم الدولة. فأسم الجماهيرية للدولة الليبية له معنى سياسي عام فلا يعني عائلي وراثي و لا يعني نظام ديني متعصب و لا يعني سيطرة جنرالات العسكر، بل كلمة الجماهيرية تُعني القاعدة الشعبية العريضة، غير أن هذا النظام تأسس في ظِل الشرعية الثورية و هي الأيادي التي لاتزال تحركه و توجهه لأكثر من ثلاثة عقود حتى حوّلت ذلك النظام الجماهيري الشامل الى أشبه ما يكون بنظام الظِل. فأعضاء الشرعية الثورية لايُمكنهم إنكار مُمارستهم للحُكم بل لهم الكلمة النافذة في سُلطة القضاء، غير أنهم أحيانا ينتقدون هم بأنفسهم و على طريقتهم الخاصة تعثّر النظام الإداري و يبررون ذلك بالفساد الإداري و الفساد المالي، لكنهم يغضّون النظر في كل مرة عن جوهر الإشكالية وهو التضارب بين الشرعية الثورية و شرعية السلطة الشعبية.

بشكل عام، فأي نظام مستقر لمجتمع بشري يحكمه نظام دستوري بين أشكال متباينة و بين درجات متفاوته من التحضّر أو التخلف. أو يحكم ذلك المجتمع نظام دكتاتوري فاصل ويمكن أن يكون ذلك حميد أو خبيث. بينما الشئ المُدهش في عالمنا هذا أنه لازال يعيش حُكم من نوع آخر لم ينقرض بعد كما كنا نعتقد، أنه الحاكم الفرعوني أو الصنم، و الصنم ليس خرافة بل تطوّر هو أيضا في زمننا هذا و صار يتمثل في حاكم يتشكّل من دُمية بشرية و يتم مُعالجته بالتعاويذ و التمائم لرفع الكبرياء بداخله الى منازل الهيمنه التي لا تقبل التشكيك، ثم يتم أيضا صناعة روّاد و ذاكرين من حوله بل و رُهبان، و هم بدورهِم يتمسّحون بأعتابه و يدعون له و حتى ينادون برفع درجات الخروج على تشريعاته الى منازل الإلحاد و كبائر الإرتداد. هذه الحالة من النظام الفرعوني الصنم قد تبدو مدهشة للبعض و لكن من له بصيرة أوعايشها يُدرك تماما إنها من ظواهر المجتمع البشري.

tininai1@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home