Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ehmoda Khalifa
الكاتب الليبي د. احمودة خليفة


د. احمودة خليفة

الاربعاء 21 ابريل 2010

"كاناي"..
هانيبال وجنود من الأرواح

د. احمودة خليفة

نعم إنها حقيقة في التاريخ، أن هناك قادة يملكون أجسام البشر مهما كانت أعدادهم، بينما هناك قادة مختلفون لأرواحهم. فالذين ملكوا الأجسام ماتوا بموتها، أما الذين قادوا إرادتهم و أرواحهم فبقوا مخُلدين. منهم القائد الليبي هانيبال الذي تُدرّس سيرته في القيادة حتى هذا اليوم و على ظهر حاملات الطائرات و في أرقى الكليات العسكرية، إنه حقيقة كنز ليبي من باطن التاريخ. في شمال أفريقيا غالبا ما تُسيطر صورة هامشية لقراءة التاريخ و بطريقة غير وافية لتجعل من شعوب هذه المنطقة و كأنهم كانوا "بربر" لا شئ. فتاريخهم تعرّض للطمس قبل الإسلام من قبل الرومان و البيزنطيين ثم جاءت الفتوحات الإسلامية فسيطرت ثقافة تلك الحقبة بشكل مطلق حتى أن تاريخ ما قبل الإسلام أصبح في حكم المُحرّم و لايستحق حتى القراءة. إن هذا نقص في تدوين التاريخ، فحتى كتاب القرآن الكريم و آيات كثيرة منه تبيّن أحداث ما قبل الإسلام و من أعماق التاريخ، و المغزى هنا هو الدروس و الأعتبار من سيرة الأولين، و يذكر القرآن كثيرا من أسماء الأقوام و أسماء الأماكن و أسماء الحكّام الخيّرين منهم و الطغاة.

و من الملاحظ أيضا أن كتب التاريخ و آيات القرآن مثلما ذكرت الطغاة ذكرت مُعارضيهم الذين ترقّوا أحيانا الى مصاف الأنبياء و الرسل عليهم السلام. فسيدنا محمد ظهر نبيا معارضا لطغيان سادة قريش الذين كانوا يسيطرون على مكة مركز التجارة عند العرب و قِبلة الحج. و من قبله سيدنا موسى كان معارضا لطغيان فرعون، و سيدنا عيسى المسيح كان نبيا معارضا لطغيان الامبراطور الروماني "طيباروس" الدموي الذي كان يصلب الناس أحياء على جانبي الطرق عند مداخل المدن، و أعتبر ذلك الإمبراطور أن عيسى المسيح خطر على الدولة الرومانية فقرر صلبه على مدخل مدينة القدس. كانوا أباطرة الرومان قساة طغاة في منزلة الآلهه و كان الإنسان في تشريعاتهم ليس إلا جندي مقاتل في جيش الإمبراطور أو عبد يقطع الصخور و يشق الطرق و يبني القصور.

فقط مآتان و عشرون سنة قبل ظهور عيسى المسيح ظهر هانيبال في شمال أفريقيا كأكبر مقاوم للإمبراطورية الرومانية. و حتى هذا اليوم بقيت سيرته تعاليم أولى في فن القيادة و التضحية وكأفضل قائد على مر التاريخ، بل و تطبق حتى هذا اليوم خططه العسكرية في المعارك التي قادها بنفسه بين جنوده من الليبيين و أحلافهم.

عزم هانيبال على القضاء على معقل جبابرة الرومان فذهب من شمال أفريقيا و عبر أسبانيا حليفته و قطع سلاسل جبال الألب المُغطاة بالثلوج و مات الكثير من جيشه في معارك الطريق حيث وصل الى مشارف روما حصن الإمبراطور الروماني "فابيوس ماكسيموس" الذي أستبد بالعرش و نشر الخوف و أستعبد الشعوب. عند وصوله قرر هانيبال إخراج الجيش الروماني من أسوار روما المنيعة فذهب بجيشه الى سهول جنوب شرق إيطاليا و ترك الجيش الروماني يستعد تماما ليخرج بكامل عدده و عتاده.

في يوم 2 أغسطس سنة 216 ق.م. وعلى مقربة من مكان يسمى حاليا موقع معركة "كاناي" "cannae" على ظفة نهر "اوفيدوس" و في أرض منبسطة وقعت أشهر معارك التكتيك العسكري في التاريخ. هذه المعركة مؤرّخة بدقة فحتى أسماء قادة الجيوش مذكورة. عدد جيش هانيبال 47 ألف وعدد الجيش الروماني 86 ألف تحت إمرة ثلاث قادة هم لوسيوس و باولوس و ترينتوس. يقول المؤرخون أن هانيبال في هذه المعركة لم ينتصر فقط، بل أباد بالكامل الجيش الروماني الإمبراطوري القوي و الذي كان يفوق جيش هانيبال بضعف العدد تقريبا.

يقول خبراء العلوم العسكرية أن هانيبال في هذا المعركة أظهر عبقرية فريدة في القيادة فأستخدم موقع قيادته في الوسط بين المشاة كسلاح استراتيجي لسحب الجيش الروماني الى دائرة الإبادة. وقف هانيبال بنفسه في أضعف مكان في المعركة تماما في قلب صفوف المواجهة و حوله عشرة آلاف من المشاة الخفيفة من الليبيين ، بينما وضع قوة الجيش من الفرسان و المشاة المدرعين على الأجنحة في خطوط طويلة على الجانبين. زحف الجيش الروماني على وسط الصفوف الضعيفة من جيش هانيبال للوصول أليه أولا و قتله فتراجع هو الى الخلف لسحب كامل الجيش الروماني الى الوسط بين الأجنحة، ثم هاجمت أجنحته أجنحة الرومان فتراجعت فرسانهم الى الخلف و تشتت فأنكشفت جوانب الجيش الروماني فأطبقت عليهم أجنحة جيش هانيبال القوية في شكل دائري من كل جانب و أصبح حتى فرارهم مستحيل فتمت إبادتهم بالكامل تقريبا. و تعتبر هذه المعركة من أكبر عمليات تدمير الجيوش في تاريخ أوروبا.

الى هذا اليوم لا زالت تُجرى الأبحاث على مسيرة جيش هانيبال الطويلة عبر معارك الطريق و البرد و عبور جبال الألب الشاهقة التي يعتبر النزول منها أخطر من الصعود أليها، ثم بعد ذلك كله يحقق تلك المُعجزة العسكرية بإبادة جيش الإمبراطورية الرومانية على أبواب حصونها. أراد هانيبال أن يثأر لشعبه و كان قائدا لإرادتهم لا مستبدا برؤوسهم. كما ذكر بعض المؤرخون أن هانيبال كان متواضعا و بسيط في سلوكه و كان يفضّل مكانه بين أضعف جنوده ليرفع من قوتهم، و بذلك ذكرته كتب التاريخ في مصاف أشهر القادة وأكثرهم حكمة ونموذج يُحتذى به عبر التاريخ.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home