Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ehmoda Khalifa
الكاتب الليبي د. احمودة خليفة


د. احمودة خليفة

السبت 20 نوفمبر 2010

ليبيا والأبواب الرمادية

د. احمودة خليفة

كان منطقهم و وعدهم منذ البداية و قبل أكثر من ثلاثة عقود مضت أن يقودوا الشعب الليبي الى الفردوس الأرضي ولو بالسلاسل و الأصفاد، ثم رفعوا العلم الأخضر تباشيرا بألوان ذلك الفردوس الموعود، و في حماس الإندفاع أشعلوا براكين الثورة في كل بيت و مؤسسة و أنطلقوا في الشارع الليبي على شرعيّة عقيدتهم الثورية للتغيير في كل شئ. و ها هو الشعب لازال في مسيرته الصحراوية نحو الجَنّة و لازالت حوله اللجان الثورية بالسلاسل و حتى هذا اليوم لم يرى هذا الشعب جنته الموعوده و لا حتى ملامحها في الأفق.

من فرط الثقة بأنفسهم و شدة حِرصهم على بلوغ نواياهم و من شدة تصميمهم الذي لا يقبل التشكيك فإن اللجان الثورية ربطوا المواطن العادي بأصفاد التبعية و ضيّقوا عليه حتى يضمنوا عدم خروجه عليهم. أما من سقطوا ضحايا و لم يُطيقهم الحال في تلك المسيرة القاسية فببساطة يهتفون على أجسادهم بأن منال الجَنّة ليس بالأمر الهين.

عشقوا اللون الأخضر بشكل مبالغ فيه و لم يقبلوا غيره، و كأن الأطياف اللونية الأخرى لا معنى لها و لا تستحق الإعتبار. فالعلم الذي رفعوه أخضر سادة و لا يحمل أي لون آخر و لا تعبير ولا رمز، وهو خير دليل على أنفرايدة الطيف و عدم القبول بأي شئ آخر أليه. و من حيث الواقع فإننا لا نرى سوى براكين لا تعرف الإستقرار و يعلوها الرماد العالق من فوق الرؤوس و الضباب الذي يحجب الطريق في كل مرة.

رمادية الحال و ضبابيتة شهد عليها الزمن و شهدت عليها صور الفساد المنشور على كل باب بيت و مؤسسة. و الآن و في نهاية المطاف أين مفر قيادات اللجان الثورية من مواجهة الحقيقة؟ فمنذ الثلاثة عقود المنصرمة كان أول شرط لتولي أبسط المناصب القيادية في ليبيا أن يكون المرشّح ثوريا مؤمنا بمبادئ الثورة و ملتزم الحضور في الملتقيات و التعاليم الثورية. و ينادون في كل مرة و حتى الآن بأنه لا موقع قيادي لأي "ليبي عادي" أو "ليبي عائد" أو "ليبي مشبوه"، و ماعدا اللجان الثورية فإن كل الليبيين لا يخرجون عن تلك الفئات الثلاث. من أنفراديتهم و هيمنتهم على كامل المواقع فإنه و بكل وضوح تكون اللجان الثورية مُلاحقه بالمسؤولية الكاملة عن الفشل الذريع و يلاحقها الذنب الكبير فيما آلت أليه مؤسسات الدولة من تردي، وآخر شهادة جريئة نشرت صورة الحال كانت على لسان " ليبيا الغد" المتمثل في صحيفة "أويا" يوم 28-10-2010 ، حيث جاء هذا المقطع الصريح من مقالة مثيرة للاهتمام: " ... فالرشوة والوساطة والمحسوبية .. هذا الثالوث البغيض الذي جاء البيان الأول للثورة ، ليؤذن بالشروع في القضاء عليه كليا .. صار اليوم ـ للأسف ـ أشبه بالمرض اللعين الذي ينهش جسد الدولة الليبية .. ويستلزم فعلاً الإسراع في إجراء عملية جراحية عاجلة لاستئصاله وقطع دابره قبل فوات الأوان ...".

هذه الشهادة المطّلعة والآتيه من جِوار المكاتب القيادية توصي بشكل صريح بإجراء عملية جراحية لقطع دابر أيادي الفساد. لكنه في الحال.. فأول من فهم القصد و أهتز كرسيه و أستنفر أمره هم رؤوس شبكات اللجان الثورية في مواقع سُلطاتهم التي أنفردوا بها و تمرّسوا فيها. إنهم يرون بمنطقهم الخاص أن الجرافات وصلت على أبواب مكاتبهم و إن ذلك تهديد صارخ لطقوسهم التي وضعوها و فرضوها و حرسوها منذ زمن. و قبل أن يُبادروا بالأسف و يبادروا بالحِوار و بالحُجّة سرعان ما أمروا و أطبقوا أصفادهم على أيادي الصحفيين بشكل جماعي و أقتادوهم الى مراكز التأنيب ليُعيدوهم الى طريق الطاعة و الصمت و التبعيّة.

في مواقعهم السلطوية يهتف الثوريون "الفاتح عقيده..الفاتح إيمان" و يرفعون قبضات أياديهم لتعزيز أنفسهم و فرض نهجهم المبني فقط على شرعيّة العقيدة. لكن العقيدة مستترة بالقلب و لم يكتشف العِلم حتى الآن جهاز أو وسيلة للكشف عليها، و بهذا السبب المؤكد فإن التستّر خلف العقيدة هو باب رمادي ضبابي مُعتم و مناخ مُلائم للصيد في الماء العكر. فالعقيدة عالم مخفي مجهول و أيضا متغيّر متقلّب. ففي الدّين نقول ببساطة عن هذه الحالة "حسيبه الله" لأن الله هو وحده الذي يعلم ما في القلوب، و لكن من هو حسيب أفراد اللجان الثورية في نواياهم عندما توكل أليهم هم فقط المواقع في مهام الدولة؟ .. نتيجة القول أن أنفراد الثوريين بالمناصب تحت شرعيّة العقيدة هي وضعيّة رمادية ضبابية و هي المسؤولة أولا عن سقوط مؤسسات الدولة في مستنقعات الفساد وهي الوضعيّة المسؤولة عن" تفشي المرض اللعين الذي ينهش جسد الدولة" كما وصفت بالتحديد صحيفة أويا.

اذن قطع دابر الفساد يبدأ جذريا بإعادة النظر في شبكات اللجان الثورية المتمرّسة و المتمترسة خلف الأبواب القيادية الفاسدة و المسيطرة على المكاتب الموبؤة بالمرض اللعين، ثم مصادرة عُملتهم الخاصة بهم "أخدمني نخدمك" في أسواقهم السوداء للتعامل. ثم .. إن كان هناك جدوى من إصلاحهم فيتم إرسالهم عاجلا الى مراكز إعادة التأهيل:

أولا لمعالجتهم من عقد الترفّع و سلوكهم المُهيمن الفاسد من تهميش "الليبي العادي" و ممارسة العنصرية و العدوانية ضد "الليبي العائد" و حماقة التشكيك و التلبيس بتهمة "الليبي المشبوه". و ثانيا محو أمّيتهم في مبادئ القيادة و تعليمهم أبجديات العمل بنهج القانون و الأخذ بأطياف الرأي. ثم إصلاح عقيدتهم بأن الطريق الى الفردوس يأتي بصدق النوايا و التراحم و التسامح وليس بالسلاسل و الأصفاد.

كل هذا إن كان هناك جدوى من إصلاحهم؟ و لكن الأصح هو أن أبواب المكاتب القيادية في العمل يجب أن تُفتح بالعدل أمام كل الليبيين بدون تشكيك و تهميش، و لا تنافس إلا في الكفاءات و الخبرات و الممارسة الأفضل. أما الشرعيّة الثورية فلا يجب أبدا أن تكون أبواب رمادية تفرز الهيمنه و الفساد و العنصرية و العدوانية.

tininai1@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home