Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ehmoda Khalifa
الكاتب الليبي د. احمودة خليفة


د. احمودة خليفة

الثلاثاء 11 يناير 2011

حوار النار و دولٌ من قش

د. احمودة خليفة

لغة النار هي لغة الجد و القسوة لإنها أتت من القسوة ذاتها، و هي لغة حاسمة و سريعة و لا تعرف المُهادنة. هي النار التي يقول الإنسان عنها إنها ليست من عالم الفساد و الخبائث بل هي الطهارة و التعقيم من الأردان و الجراثيم. و النار تبدد الظلمة و يُهتدى بها عندما يفقد الإنسان الطريق و تنسدل حوله أمواج العتمة. و في حين أن النار وسيلة القوي فهي أيضا وسيلة الضعيف المكبّل تستجيب له و تُلين له الحديد الذي لا ينحني. و حتى الإنسان الحي ينبض جسده بطاقة النار الكامنة في ذاته و يُمكنه تحويلها الى طاقة عمل فاعلة لا تقف في وجهها أعتى الجدران المانعة. ثم حتى سراط الحق المستقيم تم وصفه بأنه جسر فوق جهنم فمن حاد عنه وظلم نفسه و العباد فمأواه السقوط بها و بئس المِهاد.

عندما تُسد كل طرق الحوار و تضيق السبل بالإنسان و تتراكم طبقات الباطل عليه فإنه لا يتردد عن إستخدام طاقته الكامنه و التي يمكن أن تتحول بسرعة فائقة الى جبروت يتجاوز دفاعات أقوى الدول، وهذا ما شهد عليه تاريخ المجتمع الإنساني و يُمكن أن يقع و في أي وقت. و لهذا السبب بالتحديد يخاف و يخشى أعتى الحكّام قوة و بطشا. كل حاكم لا يخاف في حالة تفرق أفراد الشعب لكنه في حالة تماسكهم يخشى نار الإنشطار المتسلسل بين حلقاتهم. يخشى الحاكم أن تهوي نار المواطن بعرشه الثقيل و المثقل بالأوزار، و يعرف أن ذلك الخطر يحرق مملكتة و يبدد حاشيته و يعصف بجنّاته التي تجوبها حواريه و يخدمها غلمانه.

الحاكم الذي لا يقيم الحق فهو لا يفهم سوى لغة النار التي يضن خاطئا أنه هو الوحيد المالك لزمام الخطاب بها، و يبقى خاطئا مطموس القلب لا يفهم أن الشعب أيضا له ناره الإنشطارية الأسرع و المالك للرقم الصعب في هذه المعادلة. نحن لا نتكلم من فراغ بل هذه هي لغة الحوار الطارئ الذي يجري الآن في دول الشمال الأفريقي، و كل حاكم هناك يحسب هو وجنرالاته من خطر ذلك الحوار الحارق.

أما جوهر الموقف من دول العالم الأوروبي المقابل فهم يحسبونها لنا بوجه آخر و يدركون الخطر المستحدث، و لذلك فعندهم أولا الإستقرار في دول الشمال الأفريقي ولو على حساب سقوط الحاكم لأن الشعب باقي و لامجال للمغامرات وهي تبدو بحكم القدر هذا أضيق في وجه الحاكم و ليست رحمة منه.

تفجرت أولا تلك النار الإنشطارية في شاب على رصيف مدينة نائية يبيع الخضار، حيث ضاقت به السبل و حتى حياته على الرصيف لم تسلم من هِراوات العسكر و أطبقت عليه الدنيا بأمواج العتمة فأشعل في كيانه النار ليُبدد ظلمته الحالكة. هو يدرك تماما أنه يحترق ليضئ طريق الحياة، وهو لا يحترق لنفسه بل لوطنه و يعمل لكامل السرب البشري الذي يعيش بينه. ففجّر طاقته الكامنه و جرى في وسط الطريق المُظلم و بين الجموع و خاطبهم بلسان النار و دعاهم الى مؤتمره الشعبي السريع الطارئ وهو يحترق.

ماذا ردوا عليه؟ هل قالوا له أذهب الى الجحيم لوحدك؟ هل فروا من أمامه و الخوف يسري في عروقهم؟ هل ضحكوا عليه و عزفوا عنه و وصفوه بنقص في العقل؟ هل أتهموه بالخيانة و العمالة و تسابقوا لهدم بيته و ترحيل عائلته الى الصحراء؟

عندما خاطبهم بلغة النار طارت هذه الحسابات من عقولهم و بقيت فقط في دفاتر الحاكم. أما حساباتهم فكانت أبلغ و أسرع و أكثر مفاجئة. رموا أنفسهم عليه ليحترقوا معه و أشعلوا نار الغضب في كل شارع و هبّوا لدعوته الطارئه من كل زاوية و بيت و من كل مدرسة و من كل مكتب و من تحت كل شجرة و قالوا له نحن سندك و كلمتك و مددك.

على الفور طار نوم الحاكم و تعكّرت صفوة نعيمه فبادر أولا بفتح خزائنه و أخرج الملايين المكنوزة ليطفئ بها الحريق من تحت كرسيه، ثم أنزل سرايا جنوده المدججين بالحديد، ولكن كل هذا لم يُجدي و النار لازالت من تحته الأسرع. حتى حكّام دول الجوار أدركوا أن هذا اللون من النار الإنشطارية لن تعزلها الحدود و أخذوا الحذر و الأحتياطات، غير أن خطاب النار قد عبر الحدود فعلا و بدأ صداه يعصف بمدن الجوار اليابس في سلسلة إنشطارية لا نهائية هي الأسرع و بطريقة غير مسبوقة و كأنها كلها دولٌ من قش.

tininai1@yahoo.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home